لقاح الحزام الناري: هل يرتبط بانخفاض خطر النوبة القلبية والسكتة؟

لقاح الحزام الناري هو تطعيم حديث يعمل بتقنية الهندسة الوراثية للوقاية من إعادة تنشيط فيروس جدري الماء (الفاريسيلا زوستر). وأثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن هذا اللقاح لا يمنع الطفح الجلدي المؤلم فحسب، بل يُسهم في انخفاض خطر الإصابة بالنوبة القلبية والسكتات الدماغية. ويمنع اللقاح الفيروس من التسبب في التهابات حادة داخل الأوعية الدموية، ويحافظ على استقرار اللويحات الدهنية في الشرايين التاجية، ما يجعله خط دفاع أساسيًّا لكبار السن ومرضى القلب وضعاف المناعة.

في هذا المقال نوضح لك كيف يرتبط لقاح الحزام الناري بانخفاض خطر النوبة القلبية، وما الفرق بين لقاح شنجريكس Shingrix واللقاحات القديمة، وكم تدوم مدة الحماية القلبية بعد أخذ الجرعات، ومن هم الفئات الأكثر استفادة من لقاح الحزام الناري لحماية القلب؟

تشير الدراسات الطبية الحديثة إلى أن تلقي لقاح الحزام الناري يرتبط بانخفاض كبير في خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والقصور القلبي، خاصة اللقاح الحديث «شنجريكس» Shingrix. وأثبتت البحوث أن الملقحين بلقاح الحزام الناري ينخفض لديهم خطر التعرض للمضاعفات القلبية والوعائية بنسبة تصل إلى 23% مقارنة بغير الملقحين.

ما هو الحزام الناري؟

الحزام الناري أو القوباء المنطقية هو شكل من الالتهابات الفيروسية الحادة التي تنتج عن إعادة تنشيط فيروس (الفاريسيلا زوستر)، وهو الفيروس الذي يسبب مرض جدري الماء. 

بعد التعافي من جدري الماء في مرحلة الطفولة، لا يختفي الفيروس نهائيًا، وإنما يظل خاملًا في العقد العصبية القريبة من النخاع الشوكي والدماغ. وفي حالات ضعف المناعة أو تقدم العمر، يستيقظ الفيروس وينتقل عبر الألياف العصبية إلى الجلد.

تظهر أعراض الحزام الناري في ألم وحرقان، وطفح جلدي يتركز في منطقة معينة، ويظهر على شكل شريط أو حزام على نطاق محدد أو جانب واحد من الجسم أو الوجه، مع ظهور بثور متفجرة وفقاعات مملوءة بالسائل تتحول إلى قشور وتلتئم خلال عدة أسابيع.

في الأشهر الأخيرة، ظهرت لقاحات عدة تمثل حماية من الحزام الناري، وتتجاوز فاعليتها 90% في الوقاية من الإصابة بالمرض ومضاعفاته. وتبدأ النتائج في الظهور خلال أول 72 ساعة من ظهور الطفح، فتقلل حدة الأعراض ومدة المرض مع استخدام المسكنات ومطهرات الجلد.

فوائد لقاح الحزام الناري

تتجاوز منافع التطعيم منع الطفح الجلدي المؤلم فحسب؛ إذ تظهر البحوث الطبية أن من أهم فوائده تقليل احتمالية الإصابة بالألم العصبي التالي للهربس (PHN) الذي قد يستمر أشهر أو سنوات بعد التعافي، فضلًا على تقليل مخاطر المضاعفات الخطرة مثل فقدان النظر في حال إصابة العصب البصري، وحماية الجهاز الوعائي والقلب من الإجهاد والالتهابات الحادة.

كيف يرتبط لقاح الحزام الناري بانخفاض خطر النوبة القلبية والسكتات؟

يرتبط لقاح الحزام الناري بانخفاض خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية بمنع السلسلة الالتهابية الحادة التي يحدثها الفيروس في الأوعية الدموية، ويعدِّل الاستجابة المناعية للجسم، وهو ما يمكن تلخيصه كالتالي:

  • منع الهجوم على الشرايين: عندما ينشط الفيروس فإنه لا يهاجم الجلد فقط، وإنما ينتقل عبر الألياف العصبية ويصل إلى جدران الشرايين المجاورة ويسبب التهابات مباشرة في البطانة الداخلية للأوعية الدموية، وهو ما يتسبب في تورم الشرايين وضيق مجرى الدم، وهو ما يمنعه اللقاح من الأساس.
  • استقرار الترسبات الدهنية: عندما ينشط الفيروس تحدث مجموعة من الالتهابات المصاحبة التي تجعل اللويحات الدهنية المتراكمة في الشرايين غير مستقرة وأكثر عرضة للتمزق، وعلى هذا قد تسد الشرايين التاجية في القلب أو شرايين الدماغ؛ لذا يضمن اللقاح ثبات اللويحات وعدم انفجارها.
  • تجنب ارتفاع ضغط الدم: نتيجة الألم العصبي الناتج عن الحزام الناري يتم إفراز كميات كبيرة من هرمونات التوتر، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم بشكل كبير وتسارع ضربات القلب، وهو ما يمكن تجنبه باللقاح.
  • تحفيز المناعة وخفض الالتهاب: تعمل اللقاحات على تدريب جهاز المناعة وتساهم في تحفيزها وتقليل مستويات البروتينات المسببة للالتهابات العامة في الدورة الدموية، وهو ما يؤثر في صحة ومرونة الأوعية الدموية.

ما الفرق بين لقاح Shingrix واللقاحات القديمة؟

يمثل لقاح شنجريكس Shingrix قفزة نوعية وجيلًا جديدًا من اللقاحات الفعالة مقارنة باللقاحات القديمة؛ حيث تحول الطب من استخدام الفيروسات الحية الضعيفة إلى تقنية الهندسة الوراثية والبروتينات المعاد تركيبها، وهو ما أحدث ثورة في مستويات الحماية والأمان التي يمكن شرحها كالتالي:

نوع التقنية والفعالية

عقار Shingrix هو لقاح غير حي يتركب من بروتين موجود على غلاف الفيروس ومدمج مع مادة محفزة للمناعة، وهي المادة التي تدرب الجهاز المناعي على التعرف على الفيروس دون إدخال أي فيروس حي للجسم.

أما اللقاحات القديمة فكانت فيروسات حية مضعفة تعتمد على حقن سلالة ضعيفة جدًا من الفيروس، مما يمنح الجسم فرصة لتشكيل مناعة ضده.

نسبة الفاعلية واستدامتها

في لقاح شينجريكس تبلغ الفاعلية من 90% إلى 97% في الوقاية من الحزام الناري والألم العصبي وتتميز باستدامتها العالية، وتظل الفاعلية فوق 80% حتى بعد مرور 10 سنوات من التطعيم.

أما اللقاحات القديمة فكانت فاعليتها متوسطة، وتنخفض مع الوقت، وكانت في أفضل الأحوال نحو 51%، في حين كانت النسبة تتضاءل لدى كبار السن إلى 18%، وتتراجع حمايتها بعد 3 إلى 5 سنوات.

ملاءمة ضعاف المناعة

يناسب لقاح شنجريكس الأشخاص الذين يعانون من ضعف في الجهاز المناعي لأنه خالٍ تمامًا من الفيروسات الحية، كما تم ترخيصه لكل الفئات التي تعاني من ضعف أو تثبيط المناعة بدءًا من سن 18 عامًا.

اللقاحات القديمة كانت محظورة كليًا على مرضى ضعف المناعة؛ حيث كان هناك خوف كبير من أن ينشط الفيروس المضعف ويسبب لهم إصابات حادة لا يستطيع الجسم مقاومتها نتيجة ضعف المناعة.

عدد الجرعات ومخطط التلقيح

لقاح Shingrix يعطى على شكل جرعتين، يفصل بينهما شهران إلى 6 أشهر، ويتم حقنه في العضل. أما اللقاحات القديمة فكانت تعطى جرعة واحدة فقط ويتم حقنها تحت الجلد.

متى آخذ تطعيمات الحزام الناري؟

توصي الهيئات الصحية العامة، مثل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، بأخذ اللقاح الحديث للأشخاص الذين يبلغون من العمر 50 عامًا أو أكثر كإجراء وقائي أساسي.

ويُنصح الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًا فما فوق، ممن يعانون من ضعف في جهاز المناعة بسبب أمراض مزمنة أو علاجات مثبطة للمناعة، بتلقي اللقاح مبكرًا لضمان أعلى مستويات الوقاية.

ما هي أضرار لقاح الحزام الناري؟

تتميز لقاحات الحزام الناري الحديثة وعلى رأسها Shingrix بمعدلات أمان وفعالية مرتفعة للغاية تتجاوز 90%، إلا أن هناك بعض الآثار الجانبية والأضرار المؤقتة أو النادرة لدى بعض الأشخاص التي يمكن تقسيمها كالتالي:

الآثار الجانبية الشائعة للقاح الحزام الناري

هناك استجابة مناعية كبيرة للقاح الحزام الناري Shingrix مقارنة بالعديد من اللقاحات الأخرى نتيجة وجود مادة مساعدة حيوية لرفع كفاءة الخلية المناعية، وعلى هذا قد تظهر الأعراض التالية وتستمر بين يومين إلى ثلاثة:

  • ألم في مكان الحقن تتراوح شدته بين خفيف ومتوسط.
  • احمرار أو تورم في مكان الحقن يظهر لدى نحو 38% من الأشخاص في موضع الذراع.
  • حكة وتصلب موضعي في منطقة الحقن.
  • الشعور بالتعب والإرهاق الذي قد يؤثر في نحو 57% من متلقي اللقاح.
  • تظهر لدى 50% أو أكثر بعض آلام العضلات والمفاصل.
  • الإحساس بالصداع أو القشعريرة أو ارتفاع الحرارة الخفيف وهو ما قد يحدث لنحو 40% من متلقي اللقاح.
  • بعض الأشخاص يحدث لديهم اضطراب في الجهاز الهضمي مثل الغثيان أو المغص أو الإسهال الخفيف بنسبة تصل إلى 20%.

سلبيات لقاح الحزام الناري

يترتب على التفاعل المناعي للجرعة ظهور أعراض مؤقتة تزول في غضون أيام قليلة مثل الإرهاق وآلام الجسم، بالإضافة إلى الحاجة للالتزام بجرعتين للحصول على الحماية الكاملة بدلًا من جرعة واحدة، فضلًا عن التكلفة المادية للقاح الحديث مقارنة باللقاحات القديمة.

المخاطر ومضاعفات لقاح الحزام الناري النادرة

غالبًا ما تكون الآثار الجانبية مؤقتة، إلا أن هناك بعض الحالات التي تشهد مضاعفات شديدة ونادرة، وهي التي تعمل عليها الهيئات الرقابية حاليًا مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

ومن أبرز هذه المخاطر والمضاعفات النادرة الإصابة بمتلازمة (جيلان باريه)، وهي اضطراب مناعي يصيب الأعصاب ويسبب ضعفًا أو تنميلًا في الأطراف.

وتشير الدراسات إلى أن هذه الحالة قد تحدث لنحو 3 إلى 6 أشخاص من كل مليون جرعة، وهو ما يعد أمرًا نادرًا مقابل الفوائد الوقائية المدهشة للقاح الحزام الناري.

موانع لقاح الحزام الناري

على الرغم من الأمان العالي للقاح، فإن هناك مجموعة من الموانع والحالات التي يوصي فيها الطبيب بعدم تناوله أو إرجائه لما بعد، ومن أبرز هذه الحالات ما يلي:

  • وجود إصابة نشطة بالحزام الناري مثل المعاناة من الطفح؛ لذا يجب الانتظار حتى الشفاء التام.
  • إذا كان الشخص مصابًا بالحساسية المفرطة أو إذا كان له ردود فعل تحسسية خطرة تجاه الجرعة الأولى من اللقاح.
  • في حالات الحمل والرضاعة يوصي الطبيب بتأجيل تلقي اللقاح لعدم توافر بيانات كافية تؤكد سلامة تلقي اللقاح في تلك المدة.
  • بعض الأمراض الحادة وموجات الحمى يفضل معها الطبيب تأجيل التلقيح حتى التعافي، مثل حالات ارتفاع الحرارة الشديدة.

من هم الفئات الأكثر استفادة من لقاح الحزام الناري لحماية القلب؟

كل الفئات تستفيد من لقاحات الحزام الناري الحديثة، إلا أن هناك فئات تحقق أكبر قدر من الوقاية القلبية والوعائية نتيجة استخدام اللقاحات، وهي كالتالي:

  • كبار السن فوق 50 عامًا: مع التقدم في العمر يتراجع نشاط المناعة الخلوية؛ لذا فإنّ تلقي لقاح الحزام الناري يخفض معدلات الإصابة بأمراض الشرايين التاجية وفشل القلب.
  • المصابون بعوامل الخطر الأيضية والقلبية: مثل المصابين بأمراض السكري والضغط وارتفاع الكوليسترول؛ لأنهم يمتلكون بطانة وعائية حساسة ولويحات دهنية قد تكون غير مستقرة؛ لذا فإن الوقاية من الفيروس تمنع الارتفاع الالتهابي المفاجئ وتقيهم من تكون الجلطات.
  • أصحاب الدعامات والجلطات: الأشخاص الذين ركبوا دعامات أو لديهم تاريخ سابق للجلطات والنوبات القلبية، وهم أكثر عرضة من غيرهم للنوبات القلبية والسكتات في حالة الإصابة بالحزام الناري، يعمل لهم اللقاح درعًا وقائيًّا من الإجهاد العصبي والوعائي ويحافظ لهم على استقرارهم الصحي.
  • أصحاب الأمراض المناعية: الأشخاص الذين لديهم مناعة ضعيفة وأصحاب الالتهابات المزمنة هم أكثر عرضة لإعادة تنشيط فيروس الحزام الناري بنسب مضاعفة، وبذلك يحتاجون إلى تلقي لقاح الحزام الناري، لمنحهم حماية آمنة تقي جهازهم المناعي من التعرض لهجمات التهابية فيروسية جديدة.

لقاح الحزام الناري من عمر كم؟

يُوصى به عمومًا للأشخاص من عمر 50 عامًا فأكثر، كما يُتاح للبالغين من عمر 18 عامًا فما فوق في حال وجود ضعف أو تثبيط في الجهاز المناعي.

متى يتم أخذ لقاح الحزام الناري؟

يُؤخذ كإجراء وقائي قبل الإصابة، أو بعد التعافي التام من إصابة سابقة بالحزام الناري لمنع تكرارها، وذلك على جرعتين يفصل بينهما شهران إلى 6 أشهر.

بصفتي متخصصًا في مجال الطب الوقائي والمناعة، كثيرًا ما يزورني مرضى في العيادة (خاصة مرضى القلب والسكري فوق الخمسين) وهم مترددون جدًّا بشأن أخذ لقاح Shingrix. خوفهم الأكبر ينبع من الآثار الجانبية الشائعة كألم الذراع أو الحمى الخفيفة ليومين.

في إحدى المرات، قلت لمريض يعاني ارتفاع ضغط الدم ولديه دعامة قلبية: أتفهم قلقك من ألم الذراع المؤقت، لكن هل تعلم أن تنشيط هذا الفيروس النائم في أعصابك قد يرفع ضغط دمك فجأة لمستويات خطرة، ويسبب التهابًا يمزق ترسبات الكوليسترول في شرايينك مسببًا جلطة لا قدر الله؟ هذا الألم الذي سيدوم ليومين هو (ضريبة بسيطة جدًّا) مقابل حماية مضاعفة لقلبك.

القاعدة الطبية الحديثة التي يجب أن ندركها هي: الطب الوقائي لم يعد ينظر إلى اللقاحات بصفتها أداة لمنع مرض جلدي فحسب. لقاح الحزام الناري اليوم يُصنف خط دفاع رابع لحماية القلب، جنبًا إلى جنب مع أدوية الضغط، والكوليسترول، ومميعات الدم.

إن لقاح الحزام الناري يتجاوز كونه وسيلة للحماية من آلام الجلد والتهابات الأعصاب، ليصبح حائط صد يحمي صحة القلب والأوعية الدموية من التبعات الالتهابية الخطرة. ويمثل الاستثمار في أخذ اللقاح خاصة للقائمين على رعاية كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، خطوة وقائية جوهرية لرفع جودة الحياة والوقاية من النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

نتمنى أن نكون قد قدمنا لك دليلًا طبيًّا وتوعويًّا شاملًا وممتعًا يعينك على اتخاذ القرارات الصحية الصائبة. ويسعدنا جدًا أن تشاركنا رأيك واستفساراتك في التعليقات أسفل المقال، ولا تنسَ مشاركة هذه المقالة على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والتوعية الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.