هناك شيءٌ أيقظني من نومي، لم يكن المنبه ولا حتى أحدًا يطرق الباب، إنها رائحةٌ غريبة.. رائحةٌ أعرفها وأحبها، فتحتُ عينيَّ ببطء، ثم اعتدلتُ في جلستي وأسندتُ ظهري إلى السرير.
إنها رائحة المطر عندما تمتزجُ بالتراب!
نهضتُ بهدوء وتوجهتُ نحو النافذة؛ كانت السماءُ تمطرُ بسكينة، والقريةُ تغرقُ في جمالٍ هادئ. أعددتُ قهوتي، وجلستُ أراقبُ المطر بشغف وأنا أحملُ بين يديَّ كتابًا كنتُ قد بدأته بالأمس.
بقيتُ على حالي تلك قرابة الساعة، ثم تناولتُ طعامي وعدتُ إلى غرفتي لأكمل قراءتي، قبل أن أقرر الخروج للاستمتاع بهذا الجو الساحر. ارتديتُ ملابسي ومعطفي المفضل وخرجتُ، وكانت قطرات المطر تهطل خفيفةً دافئة.
توجهتُ إلى مقهى صغيرٍ يقع على أطراف القرية، مكانٌ ساحرٌ كلما دخلته شعرتُ أنني خطوتُ نحو العصر الكلاسيكي.
جلستُ في زاويتي المفضلة، وطلبتُ قهوتي كالعادة.
بعد دقائق، دخل رجلٌ مبتلُّ المعطف، وجلس إلى الطاولة المقابلة.
وعندما رفع عينيه نحوي، تغيَّرت ملامح وجهه للحظة، وكأنه رأى شخصًا يعرفه منذ زمنٍ بعيد. أخرجتُ كتابي من حقيبتي وبدأتُ بالقراءة محاولةً التغاضي عن نظراته.
بعد قرابة عشر دقائق، سمعتُ صوتًا خفيضًا بجانبي. رفعتُ رأسي لأجد الرجل نفسه؛ خمنتُ من ملامحه أنه في العقد الخامس من عمره، لكن وقاره أضفى عليه جاذبيةً خاصة، وكانت ملامحه هادئةً ووسيمة.
رفعتُ عينيَّ إليه بدهشة عندما سمعته يقول بنبرةٍ دافئة: هل تسمحين لي بالجلوس؟
حدقتُ به مطولًا، وشعرتُ أنه ليس من اللائق رفضه، فأومأتُ له برأسي.
جلس بهدوء، وبدأ بيننا حديثٌ عابرٌ عن المطر، وعن المدن التي تغيّرها السنوات، وعن الأشياء التي نتركها خلفنا ونظن أننا نسيناها.
ثم صمت قليلًا، وقال بصوتٍ يملؤه الحنين: هل تؤمنين أن بعض الأشخاص يمكن أن نلتقي بهم مرتين؟
تبسمتُ وسألته: وكيف ذلك؟
قال: مرةً حين نحبهم… ومرةً حين نكتشف أننا لم نتوقف عن حبهم.
نظرتُ إلى عينيه مطولًا، وخلال تلك اللحظة سقطت نظرتي على حاجبه الأيسر.. ارتعشت أطرافي واضطربت نبضات قلبي حين رأيت تلك الندبة القديمة نفسها!
تبسم بمرارة وقال: ما بكِ؟ لمَ أنتِ قلقة؟
انهمرت دموعي دون إرادةٍ مني، وأسندتُ رأسي إلى ظهر الكرسي وأنا لا أصدق ما أرى، شعرتُ وكأنني في حلم.
أمسك يدي بلطف، ذلك الغريب الذي لم يكن يومًا غريبًا، وقال بصوتٍ يرجف: أما زلتِ على العهد يا ليلى؟
تجمدت الدماء في عروقي، وأجهشت بالبكاء وقلتُ من بين دموعي: كيف لا أكون على العهد وأنا أنتظرك منذ سبعةٍ وعشرين عامًا؟!
انهمرت دموعه بغزارة، وقال: أقسم بمن أحلّ القسم، منذ أن هجرتِ وأهلكِ قريتنا لم تغيبي عن بالي للحظة. بقيتُ أنتظر عودتكم من إيطاليا دون فائدة، حاولتُ أن أصل إليكِ لكن لا جدوى.. لا عنوان ولا أثر!
ثم أردف بصوتٍ أثقله الشوق: بعد سنوات، هاجرتُ إلى بريطانيا للعمل، وسافرتُ إلى إيطاليا أتبع أي خيطٍ يوصلني إليكِ، لكنني عدتُ بخيبةٍ أوجعت ظهري.
وها أنا بعد هذا العمر كله، استطعتُ أخيرًا معرفة عنوانكِ هنا بعدما سمعتُ من أحد الأصدقاء أنكِ عدتِ إلى الوطن.
استجمعتُ أنفاسي المسلوبة، ونظرتُ إلى عينيه الدامعتين وقلتُ بصوتٍ يخنقه الذهول: أيعقلُ أنك لم تتلقَّ رسائلي؟! لقد كتبتُ لك عشرات الرسائل من إيطاليا.. كنتُ أبعثها مع كل مسافرٍ يعود إلى القرية، وأودعها صندوق بريدك القديم، ولكن لم يصلني منك ردٌ واحد! ظننتُ حينها أنك نسيتني وطويت صفحتي!
اتسعت عيناه بصدمة، ثم أغمضهما بأسى وهو يستوعب أن يد القدر والرسائل المفقودة هي من سرقت منهما تلك السنين، لكن سرعان ما تلاشت الصدمة لتحل محلها ابتسامة دافئة كشمس تأتي بعد العاصفة.
مسح دموعه، وأمسك بيدي بكلتا يديه الحنونتين وشدهما إلى صدره بضغطٍ دافئ، وكأنه يريد أن يطمئن قلبه بأنني لست طيفًا ولا حلمًا أثيريًا سيتلاشى مع المطر، لفت نبرة صوته الهادئة والمبتهجة أركان المقهى وهو يميل نحوي بخطواتٍ واثقة، فقام من مقعده واندفع يحضن يدي بين يديه، ثم أخرج من جيب معطفه الداخلي ورقةً مطوية، قديمةً ومتهرئة الأطراف، وضعها في كفي وأغلق عليها أصابعي ببطء.
فتحتُ الورقة بذهول، لأجد فيها زهرةً مجففة ورسمًا صغيرًا لوجهي كان قد رسمه لي قبل رحيلي بساعاتٍ قليلة!
نظر في عينَيّ ببريقٍ أذاب سبعة وعشرين عامًا من الجليد والغربة، وقال بنبرةٍ خنقها الفرح:
احتفظتُ بذكراكِ في قلبي وفي هذا المعطف طوال السنين يا ليلى.. ضاعت الرسائل، لكن الروح بقيت تعزف على أوتار انتظارك، إن كان العمر قد سرق منا الماضي، فإن ما تبقى منه هو حقٌ خالصٌ لنا.. ولن أسمح للقدر بأن يسرق منا لحظة أخرى.
لم أستطع الكتمان أكثر، فارتفعت يدي لتمسح دمعته الدافئة على خدّه، والتقت نظراتنا في صمتٍ أبلغ من كل كلام الدنيا، صمتٍ أعلن نهاية غربةٍ طويلة وبداية وطنٍ جديد.
توقفت الأمطارُ خارجًا، وتسللت أشعة الشمس الذهبية عبر الزجاج لتملأ الطاولة دفئًا وسكينة.
«ليست العبرة بالسنوات التي أضاعها الغياب، بل باللحظة التي يعود فيها النبض إلى محطته الأولى؛ فالقلوب الصادقة لا تكبر، والوعود الحقيقية لا تسقط بتقادم الزمن».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.