في التاسع من شهر أكتوبر من عام 1929، كان الألماني جوستاف أدولف ديسمان وفريق من المؤرخين يصنفون المحتويات غير الإسلامية الموجودة بمكتبة قصر «طوب قابي» بمدينة إسطنبول التركية، وهي المكتبة التي تأسست عام 1928 إبان تحويل القصر إلى متحف عقب إلغاء الخلافة الإسلامية وتأسيس الجمهورية التركية، بعد أن كان في السابق مقرًا لإقامة سلاطين الدولة العثمانية.
خريطة بيري ريس: جلد غزال يحمل الأسرار
وسط الآلاف من الكتب والمخطوطات النادرة، عثر فريق المؤرخين على اكتشاف محير أثار دهشة الجميع، حتى إنه دفع مدير المتاحف الوطنية خليل أدهم إلى إبلاغ الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك بالمخطوطة المكتشفة، وأبدى أتاتورك اهتمامًا شديدًا بها؛ فقد طلب الاطلاع عليها بنفسه وأمر بنشرها وإتاحتها للبحث العلمي.
عثر الفريق على جزء من خريطة مذهلة رُسمت على قطعة قديمة من جلد الغزال مؤرخة في عام 1513، وبدت الخريطة أنها تصور جزءًا من المحيط الأطلنطي والأمريكتين والقارة القطبية الجنوبية بتفاصيل دقيقة للغاية، والشيء الغامض في ذلك أنها رُسمت بعد اكتشاف كريستوفر كولومبس لأمريكا بعدة سنوات، وقبل أن يسمع أحد عن القارة القطبية الجنوبية بنحو ثلاثة قرون.

من هو الرئيس بيري صاحب الخريطة اللغز؟
ثُبِّتَ اسم الخريطة منذ ذلك الوقت باسم «خريطة بيري ريس» نسبة إلى راسمها، وهو «أحمد محيي الدين بيري» أو بيري الريس، أو الرئيس بيري، وهو اللقب العربي الذي كان يُطلق وقتها على القائد البحري. ومحيي الدين بيري هو جغرافي، ورحالة، ومستكشف، ومحارب، وأديب إسلامي، عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، ويُعد أحد أهم القادة العسكريين في تاريخ الدولة العثمانية، وقد التحق بالأسطول العثماني في سن صغيرة، وشارك في عدد من المعارك البحرية حتى عُيِّن قائدًا للأسطول البحري العثماني في المحيط الهندي بمدينة «السويس» المصرية عام 1510.
موسوعة «بحرية»: عبقرية الرسم القديم
خلال أسفاره كان قد جمع كل ما وقع بين يديه من خرائط ورسوم توضيحية ومخططات لسواحل وأراضي العالم المعروفة في ذلك الزمان، وقد ساعدته هذه المعلومات على رسم خريطته الأولى للعالم عام 1513، التي ذكر فيها أن مصادره تعود إلى ما قبل القرن الرابع الميلادي.
ولم تظهر على خريطة بيري ريس العثماني خطوط الطول والعرض التي نراها في خرائط اليوم، لكنها كانت تحتوي على دوائر وخطوط، وهو الأمر الشائع في الخرائط في ذلك الوقت، فقد كانت تلك الدوائر والخطوط على الخرائط تساعد البحارة على التنقل بثقة من ميناء إلى آخر.
جمع بيري خلاصة معارفه وخبراته في كتابه المسمى «بحرية» الذي ألفه عام 1517، ثم وسَّعه ونقَّحه عام 1526 وقدمه هدية للسلطان العثماني سليمان القانوني، ويُعدُّ الكتاب موسوعة ملاحية شاملة تضم مجموعة كبيرة من الخرائط المفصلة التي رُسمت بدقة مذهلة لمختلف بقاع العالم، وقد وصل عدد الخرائط في النسخة الأخيرة من الكتاب إلى أكثر من مئتي خريطة.
ماذا كتب العثمانيون عن اكتشاف أمريكا؟
الأمر المدهش في خريطة الرئيس بيري هو أن مستوى التفاصيل الجغرافية والمعرفة الحسابية اللازمة لرسم هذه الخريطة أبعد بكثير من متناول الملاحين في القرن السادس عشر، حتى إن خبراء في القوات الجوية الأمريكية في ستينيات القرن العشرين وجدوا أن الخريطة دقيقة للغاية واستخدموها في تصحيح خرائطهم، لهذا يعتقد البعض أن خريطة بهذه الدقة لا يمكن رسمها إلا باستخدام الرصد الجوي، وهو الأمر الذي لم يكن متوافرًا بالطبع في وقت رسم الخريطة.
فضلًا عن دقة الخريطة، حملت التعليقات التي كتبها بيري على أجزاء الخريطة المختلفة كنزًا من المعلومات القيمة، منها ما ذكره عن رحلة كولومبس لاكتشاف أمريكا.
فقد كتب: «هذه السواحل تسمى شواطئ أنتليا اكتشفت عام 896 هـ، لكن قيل إن كافرًا من مدينة جنوة اسمه كولمبو هو من اكتشف هذه الأماكن. وقع كتاب في يد المذكور كولمبو كتب فيه أنه في نهاية البحر الغربي «يقصد المحيط الأطلنطي» يوجد هناك سواحل وجزر وكل أنواع المعادن والأحجار الكريمة أيضًا، المذكور أعلاه بعد أن درس هذا الكتاب بدقة، أوضح هذه الأمور واحدة تلو الأخرى لعظماء جنوة، وقال لهم: هيا، أعطوني سفينتين ودعوني أذهب وأجد تلك الأماكن. فقالوا له: يا عديم الفائدة، وهل يمكن إيجاد نهاية أو حد للبحر الغربي؟ إن ضبابه مليء بالظلمات. رأى المذكور أعلاه كولومبو أن المساعدة لن تأتي من أهل جنوة، فأسرع ذاهبًا إلى ملك إسبانيا وحكى له قصته بالتفصيل، إلا أن رده كان مثل أهل جنوة. باختصار، ظل كولمبو صابرًا مع هؤلاء الناس فترة طويلة، وفي النهاية قدم له ملك إسبانيا سفينتين، ورأى أنهما كانتا مجهزتين جيدًا، وقال له: يا كولومبو، إذا حدث ذلك كما تقول، فلنجعلك أميرالًا في ذلك البلد».
ثم بعد ذلك حكى بيري قصة وصول كولومبس إلى السواحل الأمريكية وعلاقته بالسكان المحليين هناك.
لغز أنتاركتيكا بلا جليد: كيف رُسمت القارة قبل اكتشافها بثلاثة قرون؟
إلا أن الأمر الأكثر غرابة في خريطة بيري هو التصوير الدقيق لأراضي القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا» من دون الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها على الدوام، والقارة القطبية الجنوبية لم تُكتشف إلا في عام 1818، بل إن أول وصول موثق إلى أنتاركتيكا كان من قبل البحار الأمريكي جون دافيس في 7 فبراير عام 1821، في حين رُسمت أول خريطة للقارة عام 1949 من قبل بعثة علمية بريطانية إسكندنافية مشتركة استخدمت معدات حديثة للوصول إلى الأرض تحت الغطاء الجليدي للقارة، الذي تبلغ سماكته في بعض المناطق إلى أكثر من 1600 متر.
تقول إحدى النظريات إن واحدة من الحضارات القديمة التي كانت تمتلك تقنيات متقدمة واندثرت فيما بعد استطاعت رسم تفاصيل أراضي قارة أنتاركتيكا قبل أن تصبح مغطاة بالجليد، وأن بيري عثر على هذه الرسومات ليضعها في خريطته، ولكن معظم الخبراء يرجحون أن أنتاركتيكا لم تكن مغطاة بالجليد قبل أكثر من ستة آلاف عام، والبعض يزيد هذه المدة إلى مئات الآلاف من السنين، لذا فمن الصعب جدًا أن تكون هناك حضارة تمتلك القدرة على رسم خريطة لتلك القارة في ذلك الوقت.
لكن المشككين يقولون إن كثيرًا من الخرائط التي رُسمت في تلك الفترة كانت تحتوي على قارة تخيلية جنوب المحيط الأطلنطي، وإن كان هذا لا يُفسر الدقة المتناهية التي رُسمت بها القارة في خريطة بيري.
جبال الأنديز وجزر جرينلاند: تفاصيل جغرافية منحت الخريطة خلودًا علميًا
الأمر لا ينتهي عند ذلك، فلا تزال الخريطة تحمل كثيرًا من التفاصيل الدقيقة التي لا يوجد لها تفسير. على سبيل المثال، فإن جزر «فوكلاند» الواقعة جنوب المحيط الأطلنطي وُضعت في خط العرض الصحيح، علمًا أنها لم تُكتشف إلا في عام 1592 حسب زعم البعض، في حين كان أول رسو مسجل لسفينة على الجزر هو سفينة الربان الإنجليزي «جون سترونج» عام 1690، أي بعد أن رسم «بيري» خريطته بنحو 177 عامًا.
كما ظهرت في الخريطة مجموعة من المظاهر الجغرافية التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت، مثل جبال «الأنديز» في أمريكا الجنوبية، والأكثر غرابة أن «جرينلاند» ظهرت في الخريطة على أنها مكونة من ثلاث جزر، وهو الأمر الذي لم تتم الإشارة إليه من قبل العلماء إلا في منتصف القرن العشرين، ولا يزال الأمر محل الدراسة.
إلى الآن لا يزال الجدل مستمرًا حول خريطة بيري، فقد زعم بعضهم أنها عمل مزور من القرن العشرين في سنوات الحرب العالمية الأولى، لكن الخبراء أكدوا بعد إجراء اختبار الكربون 14 لجلد الخريطة والتحقق منه أن الخريطة أصلية، وتعود إلى بدايات القرن السادس عشر.

هل رُسمت الخريطة من الفضاء؟
من جهته، يعتقد الكاتب السويسري إريك فون دانكن أن خريطة بيري رُسمت استنادًا إلى صور لكوكب الأرض مُلتقطةٍ من مركبة طائرة محلقة على ارتفاعات شاهقة، أو من على مركبة فضائية.
ففي كتابه «عربات الآلهة» أبدى انبهارًا بخرائط محيي الدين بيري، وكتب: «يضم متحف برلين الحكومي أطلسين جغرافيين يحتويان على نسخ لخرائط دقيقة عن البحر الأبيض المتوسط والمنطقة المجاورة للبحر الميت، تعود أيضًا إلى الأدميرال بيري ريس، وقد سُلِّمت هذه الخرائط إلى رسام الخرائط الأمريكي «أرلينغتون ماليري» لكي يقوم بفحصها، فأثبت ماليري حقيقة مهمة، وهي أن المعطيات الجغرافية قائمة على أرض الواقع، ولكنها ليست مرسومة في أماكنها الصحيحة، الأمر الذي دعاه إلى التماس العون من السيد «والترز»، رسام الخرائط في المكتب الهيدروغرافي التابع للبحرية الأمريكية.
أنشأ ماليري ووالترز شبكة إحداثيات، ونقلا الخرائط إلى مجسم كروي حديث، فتوصلا إلى اكتشاف مثير، وهو أن الخرائط كانت دقيقة على نحو مطلق وشامل». وأضاف دانكن: «إن آخر الدراسات التي أجراها البروفيسور تشارلز هابغود وعالم الرياضيات ريتشارد ستراشان تمدنا بمزيد من المعلومات المتفرقة، فقد تبين لدى مقارنة الصور الحديثة للكرة الأرضية الملتقطة من الأقمار الصناعية أن أصل خرائط بيري ريس لا بد أن تكون صورًا مُلتقطةً من ارتفاع كبير جدًا.
كيف نفسر ذلك؟ تحلق مركبة فضائية على ارتفاعات شاهقة فوق مدينة القاهرة وتوجه كاميراتها نحو الأسفل مباشرة، وبعد إظهار الفيلم تبدو لنا الصورة التالية: ينطبع كل ما يقع حول القاهرة ضمن دائرة نصف قطرها 5000 ميل، لأنه يقع تحت مجال العدسة مباشرة، غير أن البلدان والقارات تزداد تشوهًا كلما ابتعدنا بأنظارنا عن مركز الصورة».
لماذا يحدث هذا؟ نظرًا لشكل الأرض الكروي، تتقلص معالم القارة كلما ابتعدنا عن المركز، فمثلًا تبدو أمريكا الجنوبية مشوهة طوليًا على نحو يثير الاستغراب، كما تظهر على خرائط بيري ريس! وهكذا تبدو تمامًا من خلال الصور الفوتوغرافية الملتقطة من المسابر القمرية الأمريكية».
عبقرية إسلامية أم إرث من حضارة منسية؟
إلى هنا ينتهي كلام دانكن، ولكن يبقى لغز خريطة محيي الدين بيري ريس قائمًا؛ فهل كان محيي الدين بيري عبقريًا سبق عصره بمئات السنين؟ أم كان محظوظًا فعثر على كنزِ حضارةٍ متطورةٍ اندثرت، فوجد فيه ما يمكنه من رسم تلك الخرائط المذهلة؟!
النهاية المأساوية: سبب إعدام بيري ريس
أُعدم القائد الجغرافي بيري ريس في القاهرة بأمر من السلطان سليمان القانوني؛ نتيجة وشاية من خصومه السياسيين وعلى رأسهم والي البصرة، اتهمته بالجبن والتقصير وأنه ترك معظم الأسطول العثماني وراءه في البصرة، وعاد بثلاث سفن فقط محملة بالكنائز والغنائم إلى السويس بعد انسحابه الاستراتيجي من حصار قلعة هرمز أمام القوة البرتغالية المتفوقة، وهو ما عدوه -عسكريًا- خيانة وتخليًا عن المهمة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.