لغز التّحدي


التّحدي هو حدث أو كيان يهدّد وجود حياة الإنسان وفي مقابله تنشأ على الفور قوّة غريزيّة هائلة للتّغلب عليه يطلق عليه قوّة التّحدي أو إرادة التّحدي... التّحدي إذن له وجهان الوجه الأول هو التهديد الَّذي يمسّ وجود الإنسان، والوجه الثاني هو المقاومة أو القوّة الَّتي تضاد هذا التهديد ويمكن أن نطلق عليها قوّة التّحدي أو إرادة التّحدي تهدف للقضاء على هذا التهديد... وإرادة التّحدي لا تظهر إلا وقت الشدائد والمواجهات الصعبة... فهي بالأحرى قوّة غريزية حميدة موجودة تلقائيًا في الإنسان، بل وأيضًا في الحيوانات الأخرى.

فحتَّى الكائنات الحية الأولية والبسيطة تكون مزودة بأدوات لإدراك الخطر والتهديد ثمّ تتحدّاه، بمعنى أن تقاومه أو تتفاداه بطريقة تلقائية... ولو لم تكن إرادة التّحدي موجودة في جميع الكائنات الحيّة لانقرضت منذ زمن طويل. أمّا الإنسان فلا يكتفي بالطّرق التّقليديّة ولكنّه يستخدم عقله المتطوّر في إدراك الخطر ومن ثمّ ينهج طريقًا أكثر تعقيدًا لمقاومة التّحدي والتّغلب عليه، ولكنّه لا يفعل ذلك إلّا لوجود إرادة التّحدي الغريزية.

فما هو سبب قوّة غريزة التّحدي وما سبب وجودها؟

طالما أن وجود هذه القوّة مرتبط بوجود عائق أو تهديد فهذا يعني أن هذه القوّة الغريزية هي قوّة مزروعة في كيان الإنسان كي يدافع عن وجوده وكيانه... فقد وجد الإنسان على الأرض ومعه قوّة غريزية هائلة للدّفاع عن هذا الوجود وحمايته من التهديد والانقراض والعدم... هناك بلا شكّ أسرار كثيرة وراء هذه الغريزة وهذا الدافع القويّ لاستمرار الحياة والَّذي لا يقتصر على أزكى الكائنات ولكنّه موجود حتَّى في أدناها وأقلّها تطورًا. وحتَّى الإنسان البسيط في ثقافته وتعليمه لا تستنفر كل قوّاه إلّا أمام تحدي الوجود...

لماذا يمثل التّحدي أكبر محرّك للفعل الإنسانيّ؟

التّحدي هو بلا شكّ المحرّك الأول للفعل الإنسانيّ القويّ لارتباطه مباشرة بتهديد للوجود... فالإنسان بلا شكّ يستجيب مع أيّ فعل أو حدث بدرجة أو أخري، لكن عندما يكون لهذا الفعل أو الحدث تأثيرًا مباشرًا على الوجود الإنسانيّ فيحدث تلقائيًا استئارة واستنفارًا لأحاسيس الإنسان كأنّه مقبل على معركة حياة أو موت... ولأن الموت هو نهاية الوجود الإنسانيّ برمته فإن الإنسان يستثمر كل قواه في رد فعله ليحافظ على وجوده فيستهين بأي خطر أو مشقة في سبيل للدفاع عن وجوده...

ومن الأقوال الشّعبية المتداولة في هذا الموقف (يا روح ما بعدك روح). وهذه العبارة تدل على إدراك شعب واضح لأهميّة معركة الوجود. فالمنطق يقول إن الإنسان إذا فقد روحه (أيّ مات) فلن يبقى منه شيء. فلماذا يدّخر قوته ولماذا يتقاعس ولماذا يترك روحه تضيع.

إنّها حقًا نقطة فارقة وغير عكسيّة فإذا مات الإنسان وانتهى وجوده على الأرض كانت نقطة النّهاية القاسية. ورغم أن الأديان جميعها قد أشارت إلى وجود حياة ثانية بعد الموت إلّا أن هذا لم يقلل تمسك الإنسان بوجوده على الأرض وعدم استسلامه للموت... بل إن ربط حدث الموت دفاعًا عن رسالة أو قيمة مثل الدّفاع عن الوطن أو عن الحقّ أو عن القيم الإنسانيّة بثواب عظيم (الاستشهاد) قد يزيد من قوّة التّحدي ويزيد من دافعيّة الإنسان لبذل أقصى الجهد في درء الخطر الَّذي يهدّد الوجود... إذن الدّفاع عن الوجود الإنسانيّ يقف دائمًا وراء استنزاف طاقات الإنسان في بذل أقصى الجهد. وهذا المعنى لا يختلف عمّا قاله هاملت في مسرحية شكسبير (هاملت): أكون أو لا أكون عندما كان في لحظة فارقة بين الحياة والموت... نعم قد لا يصارع أو يقاتل البعض في الحفاظ على كيانه ووجوده لكن الرّسالة الغالبة في معظم وجدانيّات البشر هي الانتصار للحياة بأيّ ثمن...


مهدّدات الوجود الإنسانيّ:

هناك مهدّدات عديدة للوجود الإنسانيّ بعضها طبيعيّ مثل: الكوارث، والفيضانات، والزلازل، والأعاصير، والتغييرات المناخية والأوبئة، ومنها ما هو سياسيّ أو عقائديّ مثل تعاظم قوى سياسيّة أخرى تؤدّي إلى إزاحة قوّة سياسيّة قديمة أو ما هو اجتماعيّ مثل الصراع الطّبقيّ الَّذي تريد فيه كل طبقة الاستحواذ على مكامن الثروة والسلطة في المجتمع، أو التهديد الفردي الَّذي ينشأ بين الأفراد في الصراع على فرص العمل، والقيادة، والمال، والاستحواذ على السلطة...

كل هذه المهدّدات تستنفر طاقات الإنسان للعمل والإبداع كي يتغلب عليها... ولم يعُد العمل الروتينيّ وحده كافيًا فلا بد إذن من الإبداع. بالنسبة للكوارث الطبيعيّة فهي موجه لجنس البشر قاطبة وبذلك نجد التّعاون والتّعاطف والتّكاتف لأنّ هذه الأخطار لا تتوقف عند حدود الدّول، بل تعبر الحدود دون تصريح دخول كما شاهدنا في وباء الكورونا. وبناءً عليه كان هناك تعاون عالميّ إجباريّ بدون أيّ حساسيّة أو حسابات.

وكثيرًا ما تكون هذه التهديدات العامّة في صالح البشريّة إذ إنّها من ناحية تؤدّي إلى تعاون الأمم في درء خطر يهدّد وجود الجميع، ومن ناحية أخرى يؤدّي تنامي الوعي بهذا الخطر المشترك إلى خفوت أو اختفاء الصّراعات الوجوديّة الأخرى بين الأمم... فلاحظنا خلال فترة الكورونا إلى خفوت الصّراعات بين أمريكا وإيران، أو بين أمريكا وكوريا وكأنّها لم تكن موجودة قط.

الصّراع بين الأمم ليس فقط مجرّد الخوف على المال، أو الممتلكات، أو الأرض، بل أن أهمّ عامل يزكي هذا الصّراع هو الوجود المعنويّ لأيّ أمّة بتاريخها وثقافتها وحرّيتها في تقرير مصيرها. فسلب هذه الحرية ومحو هذا الوجود التاريخيّ هو أكبر خطر يواجه وجود أيّ أمّة، ومن هنا كانت الحروب للدّفاع عن هذا الوجود هي أشرس الحروب على مدى التّاريخ. وما يجري على مستوى الأمم ينطبق على حياة الجماعات والأفراد داخل كلّ أمّة.

في النّهاية هناك قضية وجود وحقّ وجود لكل كائن بشريّ، وهذا الوجود يعني الوجود المادي (الجسم) في مكان ماديّ (الوطن)؛ لذا كانت تُعدّ عقوبة النّفي خارج الوطن كأنّها عقوبة تهدّد الوجود الإنسانيّ وتقترب من الموت المعنويّ في الحقب الماضيّة.

السؤال الآن كيف نستفيد من كل قوى هذه التّهديدات وما تجلبه من قوى تحدٍ في نظام إنسانيّ يدير الأمور بعدالة تضمن حقّ الوجود للجميع. كيف نتجنب إثارة الآخرين على مستوى الأمم والجماعات والأفراد بأخطار وأفعال تهدّد وجودهم وتلغي بقاءهم على سطح البسيطة. هذا هو موضوع الحوار القادم.

متى يتمّ إطلاق هذه القوّة ولماذا تتغاير قوّتها...؟

كلّما كان وجود الإنسان مهددًا كانت هذه القوّة كبيرة... فأيّ تهديد لوجود الإنسان الماديّ أو المعنويّ يقابله قوّة التّحدي هذه... فعندما يتعرّض الإنسان لعدوان مفاجئ على شخصه أو على وطنه نراه يهب منتفضًا للدّفاع عن هذا الكيان أو الوجود. دعنا نسلم أن هذا حقّ لكلّ إنسان طالما أنّه موجود وله حقّ الوجود... ولكن الانفعال الأعمى قد يحول هذه الغريزة إلى قوّة غاشمة لا تكتفي بالدّفاع عن نفسها وتأمين وجودها، ولكنّها تتجاوز وتتعدى الحدود فتتحوّل إلى الاعتداء على وجود الآخر وكينونته ولا تهدأ إلا إذا نجحت في محو الآخر...

وهي تتعلل في ذلك أنّها لو لم تفنى الآخر لفناها ولو لم تستأصل الآخر لاستأصلها... وهذا فكر عقيم غير سليم... فوجود الآخر حقّ له كما أن وجودنا حقّ لنا... ولن تستقيم الحياة بغير الآخر... حتَّى الحيوانات الغشيمة لا تستأصل بعضها البعض وإن رغبت في ذلك فقانون الحياة يفرض توازن الوجود بين الجميع... فما أحرى أن تتأهل عقولنا لفهم قانون الحياة واحترامه طوعًا وإلا احترمناه جبرًا...

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..