لغة بدون حروف


في مدينتي العجوز، الشمطاء التعيسة، وبعيدًا عن أزِقّتِها... أو تجاعيدها كما أُحبّ تَسميتَها، كانت هنالك ساحة أوكسجين، مسرحٌ طليق في الهواء، يجمع كافة المتمرّدين لِيُلقوا خطاباتهم عن طريق ما يسمى فَنّ... 

شَكَوتُ مرة من ضيقٍ حادٍ في التنفس! كدت أموت أو كنت أتظاهر، كأن العجوز الشمطاء تنكمش حولي وتُضيق عَليَّ الخِناق... فهرعت إلى الساحةِ عَلَّها تنقذني...!

ها هي ذي بدأتُ ألمحها... أول ما رأته عيني وجَذَب خُلْدي مُهرِّج! 

مُهرّج البانتومايم ذو البذلة السوداء وقبعته الأغرب منه أطواراً... يتكلم... يبكي... يصرخ... يناشد الكون أن يأتي مستمع...  يصرخ بأعلى صوته... دون حروف! إلا أنه لا أحد يستمع!

أدرت وجهي يميناً فلمحت رسّاماً! أشعث أحدب أعمق! المسكين يئن ويحكي ويروي أَمَلَّ التفاصيل... بدون حروف! في لوحته الباكية الغامضة... غاب وعيي مع ما يرسمه... ونسيت وجودي! إلى أن قاطعَته السماء فجأة بزخة غاضبة زادت في العقدة شدة!

وزادت البكاء بكاءً بعد أن سالت ألوان اللوحة مختلطة بدموع السماء! يا للمسكينة!! كانت تصرخ قبل قليل... ولا أحد يستمع... فعلاً، فكلهم هرعوا تحت الأسقف والمباني غير مبالين إلا لثيابهم وأغراضهم التافهة! ثم على حينِ غفلةٍ مني تَخلّلَتْ مَسمَعي نوتة! نوتة موسيقية... كانت كصرخة! كصرخة فتاة في الخامسة جُسِّد لها هول رهيب! 

تَتَبَّعَتْ عينايَ مصدرَها، فإذا بي بعازف كمانٍ كفيف! تفاصيل جسمه بادية من تحت ثوبه المبلل بالمطر! يا له من عزف منفرد! ويا لَحَرِّ بكاء السماء غير المعهود!! تخَلّل الماء أوتارَ الكمان فزادَ الصوتَ نحيباً وبحّة!

اختلط عليّ المشهد فما دريتُ ألعازف من يصرخ أم كَمَانُه؟! إنه مشهد سينمائي لا ولن أراه:

السماءُ تبكي والكمانُ وعازِفُه...  يُدير بؤبؤيه البيضاوين هنا وهناك! أتُراهُ يُبصِر شيئاً هو الآخر بلا بصَر! كما تكلم الكَمَان دون حروف؟! وقبلَه المُهرّج والرّسَّام التعِيس؟! كل هذا الصراخ والصخب والأنين...! إلا أنه لا أحد يستمع!

دنا الليل مُذَكِّراً إيّايَ بموعدي مع الشمطاء! عدت أدراجي متقهقراً إليها، واعداً نفسي أن أجد لي لغة جديدة، على غرار المهرج والعازف والرسام! مع يقيني التامّ أنه لا أحد سيستمع...

بقلم الكاتب


صلاح الدين 23 ربيعا ⁩ طالب حقوق ⁦⚖️⁩ كاتب هاوٍ ✍🏻


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

صلاح الدين 23 ربيعا ⁩ طالب حقوق ⁦⚖️⁩ كاتب هاوٍ ✍🏻