أثر اللهجات العربية على النحو العربي لغة الحجاز ولغة تميم أنموذجًا

حرص النحاة العرب في كل عصورهم على أن يستندوا في أحكامهم إلى شواهد ونماذج من كلام العرب، وذلك بعد الاستناد إلى آيات من النص القرآني، وكذلك الأحاديث النبوية. إن الدارس لآداب العربية يتعيَّن عليه ابتداءً أن يعرف ماهية الأدب وموضوعه، ليتمكن من الوقوف على ما أنتجته قرائح العرب. واللغة العربية كغيرها من اللغات كائن حي، ينمو ويتجدد باستمرار.

في هذا المقال، نتتبع كيف تعامل النحو العربي واللغة مع هذا الواقع الحي، ونستكشف الاختلاف بين اللهجات العربية القديمة، خاصة بين لهجة الحجاز ولهجة تميم.

منهج النحاة العرب بين التقنين والوصف

فقد اهتم سيبويه ت 180 هـ في «الكتاب» بما هو مستعمل من لغة العرب، فالقواعد التي تحدّث عنها في كتابه مشتقة من لغة الاستعمال اليومي للمتكلم العربي المثالي، ومشتقة كذلك مما ورد في أكثر اللهجات شيوعًا واستعمالًا.

وتميّز ابن خالويه ت 370 هـ بأنّه كان يستشهد ويحتج بكلام العرب في كتابه «إعراب القراءات السبع»، فقد كان: «احتجاجه للقراءة بما ورد من مأثور كلام العرب شعرًا ونثرًا، وهذا كثير مستفيض في كتاب ابن خالويه».

 وجاء ابن جني ت 392 هـ أيضًا واهتم بدراسة لغات العرب ولهجاتهم؛ ولهذا خصّص بابًا في كتابه «الخصائص» بعنوان: «باب اختلاف اللغات وكلها حجة».

وكان ابن الحاجب ت 646 هـ يبني ويؤسس آراءه من خلال ذكر الشواهد، والتي على رأسها الشواهد القرآنية «فهو يعتد بالشاهد القرآني اعتدادًا كبيرًا، ويضعه في الذروة بين شواهده، وهو يستعين به في عرض مسائل النحو ومناقشتها».

ثم تأتي بعد ذلك شواهده من الأحاديث النبوية الشريفة ومن أشعار العرب وأقوالهم. وبذلك يتأكد لنا إجماع النحاة العرب ـ على اختلاف مذاهبهم النحوية وعصورهم الزمنيةـ على الاهتمام بلغة العرب المستعملة.

واهتمام النحاة العرب باللغة الفصيحة لم يمنعهم من الاستدلال ببعض الظواهر الخاصة باللهجات وبحثها. واللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث «هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل تضم عدة لهجات، لكل منها خصائصها … وتلك البيئة الشاملة التي تتألف من عدة لهجات هي التي اصطلح على تسميتها باللغة».

لهجة الحجاز ولهجة تميم: قطبا الجدل النحوي

وكان أكثر ما اهتم به النحويون هو رصد الفروق والاختلافات اللهجية بين لغة تميم ولغة الحجاز. فتميم من أكبر قبائل العرب، كما يقول ابن حزم في «جمهرة أنساب العرب» وهم ذوو بطون عدة، وتميم من القبائل النجدية. لذا اهتم النحويون بالتعرّف على كل ما يتعلق بلغة تميم، وفي مقابلها لغة الحجاز. وهذا ظهر منذ بدايات التأليف في النحو كما رأينا عند سيبويه «فقد كان لسيبويه إشارات إلى اللهجات وتباينها في الاستعمال اللغوي، وكان حريصًا على توجيه كل استعمال وإبداء الرأي فيه. وكانت اللهجتان التميمية والحجازية أكثر حظوة في هذا الشكل المنجز أو المستعمل. واهتمام سيبويه باللهجات وتسجيل استعمالاتها يدفعنا إلى القول بأن سيبويه في معظم مادته كان معنيًا باللغة المنطوقة».

ويعد سيبويه أول من فطن إلى التقابل والاختلاف بين لهجة تميم ولهجة الحجاز، وأورد الكثير من الحالات الإعرابية التي تُظهر هذا الاختلاف. وجاء ابن جني فخصّص في كتابه «الخصائص» ـ كما قلنا ـ بابًا لدراسة اللهجات واللغات، واعتبر أنّ كلها حجة، وتعرض لبعض الاختلافات بين الحجاز وتميم. واستمر هذا الاهتمام من اللغويين والنحويين بهاتين اللهجتين حتى إنَّ جلال الدين السيوطي قد أفرد فصلًا في كتابه سمّاه «ذكر ألفاظ اختلف فيها لغة الحجاز ولغة تميم».

أبرز مسائل الخلاف النحوي بين اللهجتين

ولهذا امتلأت كتب النحو بعدد من المسائل التي تُظهر الاختلاف بين لغة تميم ولغة الحجاز.

مسألة «ما الحجازية وما التميمية»

ومن هذه المسائل مسألة «ما الحجازية» و«ما التميمية». فأهل الحجاز يعملونها عمل «ليس»، لذا سميت «ما الحجازية»، فيقولون: ما زيدُ منطلقًا. وتميم لا تعمل «ما» فتقول: ما زيدٌ منطلقٌ. يقول سيبويه: «وأما بنو تميم فيجرونها مجرى أمّا وهل، أي لا يعملونها في شيء … وأما أهل الحجاز فيشبهونها بليس إذ كان معناها كمعناها».

ما الحجازية وما التميمية

وقد حاول بعض النحويين تعليل هذا الاختلاف بين الحجاز وتميم في استعمال «ما» بأن لها شبهًا عامًّا بالحروف في أنها تتبع الأسماء والحروف، ولها شبه خاص بليس، لأنهما يستخدمان للنفي ويدخلان على المبتدأ والخبر. فمن راعى الشبه العام لم يعملها، وهم التميميون. ومن راعى الشبه الخاص أعملها، وهم الحجازيون. وقد كان لابن جني رأي في عدم إهمال أي من اللغتين الحجاز وتميم في مسألة «ما»، حيث يقول: «ألا ترى أن لغة التميميين في ترك إعمال ما يقبلها القياس، ولغة الحجازيين في إعمالها كذلك، لأن لكل واحد من القومين ضربًا من القياس يؤخذ به ويخلد إلى مثله، وليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها». ما يدل على أن اللغتين صحيحتان.

كلمة «هلمَّ» بين الجمود والتصرف

ومن مظاهر الاختلاف بين لغة تميم ولغة الحجاز في كتب النحو أن كلمة «هلمَّ» في لغة أهل الحجاز تلزم حالة واحدة «بمنزلة رويد»، على اختلاف ما تُسند إليه مفردًا أو مثنى أو جمعًا، مذكرًا أو مؤنثًا؛ وتلزم في كل ذلك الفتح. وفي لغة نجد من بني تميم تتغير بحسب الإسناد؛ فيقولون: هلم يا رجل، وهلمي، وهلما، وهلموا، وهلممن. وإذا أُسندت لمفرد لا يكسرونها كما قال سيبويه، فلا يقولون: هلم يا رجل. ولكنها تُكسر في لغة كعب وغَنِيّ.

كلمة هلم

اختلاف خبر «ليس» المقترن بـ«إلا»

ومن مظاهر الاختلاف أيضًا بين تميم والحجاز في مسألة خبر «ليس» إذا اقترن بـ «إلا». فأهل الحجاز ينصبون الخبر في قولهم: «ليس الطيب إلا المسكَ»، وتميم ترفع هذا الخبر حملًا لـ «ليس» على «ما» النافية، فتقول: «ليس الطيب إلا المسكُ». فالحجازيون ينصبون خبر ليس مطلقًا، وبنو تميم يرفعونه إذا اقترن بـ «إلا»؛ فيقول الحجازيون: ليس الطيب إلا المسكَ، وبنو تميم: إلا المسكُ.

 الأعلام المؤنثة على وزن «فَعَالِ»

ومن مسائل الاختلاف بينهما أيضًا أن الحجازيين يبنون الأعلام التي على وزن «فعال» مثل: حزام، وقطام، على الكسر في كل حالات الإعراب. وتميم تعربها ما لم يكن آخرها راءً، فتمنعها من الصرف للعلَمية والعدل. فإذا كان آخرها راءً مثل: كوبار «قبيلة» وظفار «مدينة»، فهم فيها كالحجازيين.

أهمية دراسة هذه الاختلافات اللهجية

وتوجد مسائل أخرى كثيرة غير هذه، وردت في أكثر كتب النحو، وتُظهر الاختلاف بين لغة الحجاز ولغة تميم. وكل ذلك يُظهر مدى اهتمام النحاة العرب بالدراسة الوصفية القائمة على بحث اللغة وتقنين قواعدها بناءً على ما يُستعمل في اللغة الحياتية اليومية بالفعل. وهذا يُعد من أبرز خصائص المنهج الوصفي، ما يدل على أن النحاة العرب لم يهملوا على نحو كامل المنهج الوصفي في آرائهم وأحكامهم وقواعدهم النحوية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة