هل لعنة الفراعنة حقيقة أم خيال؟ منذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون والوفيات الغامضة التي تلت ذلك تثير الرعب والفضول. في هذا التحقيق، نفصل بين الفراعنة والأساطير والحقائق العلمية، ونكشف عن قصص واقعية عن لعنة الفراعنة والتفسير العلمي الحديث والمفاجئ المتعلق بالتسمم الإشعاعي في المقابر الفرعونية.
لا شك أن الملك المصري القديم توت عنخ آمون هو أحد أشهر ملوك التاريخ الفرعوني، إضافة إلى الغموض الكبير الذي يحيط بشخصية هذا الملك الذي ينتمي للأسرة الثامنة عشرة، فقد كانت مدة حكمه قصيرة، فضلًا على الطريقة التي مات بها التي تحتمل نظريات عدة. لكن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون ارتبط بمجموعة من الأحداث التي روَّجت لأسطورة شهيرة عُرفت باسم (أسطورة توت عنخ آمون) التي تقول إن كل الأشخاص الذين شاركوا في فتح المقبرة تعرَّضوا للموت نتيجة لعنة فرعونية تُعد عقابًا لمن ينتهك حرمة مقبرة الفرعون.
سنحاول توضيح الأمور بقدر الإمكان؛ لكي نفصل بين الأسطورة والحقيقة العلمية، وذلك بدراسات أُجريت مؤخرًا يمكن أن تضع النقاط على الحروف فيما يخص لعنة توت عنخ آمون.
مَن توت عنخ آمون؟
توت عنخ آمون -أو كما كان يُطلق عليه (توتان كاتون) ويعني الصورة الحية لآتون- هو أحد فراعنة الدولة الحديثة وأحد ملوك الأسرة 18. كانت مدة حكمه قصيرة إلى حد ما، إضافة إلى كونها مدة صعبة مملوءة بالأحداث المهمة، وتقول المصادر إن توت عنخ آمون حكم مصر بين عامي 1336 و1325 قبل الميلاد.
تولى توت عنخ آمون حكم مصر وهو في التاسعة من عمره، لذا كان تحت وصاية أحد الوزراء، وأطلق عليه لقب الفرعون الصغير. وكانت مدة حكمه قصيرة لم تتجاوز 10 سنوات، وعلى هذا لم تحدث إنجازات كبيرة على المستوى العسكري أو المعماري أو حتى التوسع الإقليمي في مدة حكمه.
وفاه توت عنخ آمون
ربما كانت وفاة توت عنخ آمون هي ما شغل العلماء أكثر من حياته، فقد ظهرت كثير من النظريات التي تحدثت عن وفاته، من بينها النظرية التي تقول إنه مات موتة طبيعية، ورجحت بعض الأقوال وفاته بسبب الملاريا التي انتشرت في مصر في ذلك الوقت، وقد أيدت عمليات المسح التي أُجريت على قبره تلك النظرية، حيث كانت توجد آثار أدوية للحمى، إضافة إلى دراسة مؤخرًا أُجريت على عظام الفرعون أثبتت أن هيكل الفرعون العظمي متهالك للغاية، وهو ما قد يرجح فرضية إصابته بالملاريا الشديدة.
تتحدث نظرية عن موت الفرعون نتيجة حادث سقوط أو دهس، وهو ما قد يعود إلى موته في أثناء معركة أو تعرضه للسقوط من مكان عالٍ، ولا يمكن أن نهمل النظرية التي تقول إن الفرعون الصغير قد تعرَّض للاغتيال؛ لأن الأوضاع السياسية في مصر في ذلك الوقت كانت تسمح بذلك، فقد كان الوزير المتحكم في شؤون البلاد مستفيدًا من وفاة الفرعون، خاصة أن الوزير نفسه قد تزوج من زوجة توت عنخ آمون بعد موته وتولى معها حكم البلاد.
ومن الأمور التي عززت هذه النظرية أن جمجمة توت عنخ آمون بها كسر كشفت عنه الأشعة، إضافة إلى جلطات دموية عدة وعظام مكسورة، وهو ما قد يرجح تعرض الفرعون للضرب أو الاغتيال، وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين قد فسروا هذا الأمر بأن إجراءات الدفن تمت بسرعة، وهو ما أدى إلى تعرض الجثة للدهس.
اكتشاف مقبرة الفرعون الصغير
كان اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 حدثًا كبيرًا؛ وذلك لأسباب عدة من بينها أن المقبرة الصغيرة التي بدت متواضعة كانت مملوءة بالكنوز الأثرية، إضافة إلى أن كل محتويات المقبرة كانت سليمة ولم تتعرض للنهب أو التدمير.
هوارد كارتر والكنوز الـ 5000
جاء اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون على يد عالم الآثار الإنجليزي الشهير (هوارد كارتر) الذي زادت شهرته بعد اكتشاف المقبرة، فقد عثر على 5000 قطعة أثرية من بينها توابيت وأوانٍ ومظلات ومجوهرات، إضافة إلى الأدوات الشخصية للفرعون، وعلى رأسها العرش والقناع الذهبي.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل كانت الجدران نفسها تمثل كشفًا أثريًا هائلًا، حيث الزخارف المفصلة التي بقيت على حالتها أكثر من 3000 عام، كل ذلك إضافة إلى جثة الفرعون التي تُعد من أهم وأبرز الآثار الموجودة في العالم كله.
أهم الاكتشافات الأثرية في مقبرة توت عنخ آمون
كانت التوابيت والقناع الذهبي والأسلحة والحلي والأواني والتمائم والمقتنيات الشخصية للملك توت عنخ آمون محفوظة بطريقة عجيبة في المقبرة داخل تابوت كبير مصنوع من الكوارتزيت، وعُثر على ثلاثة توابيت وُضعت في أحدها مومياء الفرعون الصغير، وكان هذا الصندوق مصنوعًا من الذهب الخالص، وهو الصندوق الأكثر شهرة في العالم، وكان الصندوقان الآخران مصنوعين بطريقة فنية رائعة من خشب الصنوبر المجلفن بالذهب.
أما قناع الملك فهو أحد أشهر آثار مصر الفرعونية ويُعرض حاليًّا في المتحف المصري الجديد بالجيزة، وكان يوضع على رأس الفرعون الصغير بغرض الحماية، وجرى نقشه ليعبر عن السلام والصفاء، وكُتب عليه: «القوة تفتح أجنحتها لمن يستحقها والموت يفرد جناحيه لكل جبان». أما عن وزن القناع فهو يزن نحو 11 كيلو جرامًا، وتم تزيينه بأحجار ثمينة من الكوارتز والمرجان والأزورد والفيروز وحجر السج (اليشب).
الخنجر النيزكي والتابوت الحجري
ومن بين الأدوات الشخصية التي وُجدت في المقبرة كان هناك كثير من الأسلحة الصغيرة المصنوعة من الحديد والذهب التي تعود إلى الفرعون الصغير، والغريب في الأمر أن الخنجر الحديدي لم يصدأ خلال 3000 عام، والأغرب من ذلك أن البحوث التي أُجريت على شفرة الخنجر توضح أنها مصنوعة من بقايا نيزك، وجرت صناعتها بطريقة علمية معقدة.
إضافة إلى كل هذا، يأتي التابوت الحجري الكبير الذي يحتوي التوابيت الصغيرة صُنع من الحجر الرملي الملون، ويوجد في أركانه الأربعة مجنحان كأنها رمز للحماية، إضافة إلى وجود إفريز علوي على الصندوق.
يُعد التابوت الثالث الذي يحتوي مومياء توت عنخ آمون من أعجب الآثار التي عُثر عليها في تاريخ البشرية، ويزن وحده 110 كيلوجرامات من الذهب الخالص، وهو ما يشير إلى دقة صناعة الذهب في مصر القديمة.
لعنة توت عنخ آمون
بعد اكتشاف مقبرة الفرعون الصغير توت عنخ آمون عام 1922، انتشرت قصص واقعية عن لعنة الفراعنة، وبدأ الأشخاص الذين اكتشفوا المقبرة بالسقوط واحدًا تلو الآخر بحالات سميت (الوفيات الغامضة)، وهو ما جعل الصحافة تتحدث في كل مكان في العالم عن لعنة توت عنخ آمون التي أصابت هؤلاء الناس وأدت إلى موتهم.
وهو ما يقودنا إلى النص المصري القديم الذي يقول: «إن كل من يعبث بالمومياوات الملكية يتعرض لعقاب شديد لا يمكن للأطباء تشخيصه أو علاجه»، هذا النص منقوش على جدران المقابر الملكية ويُشار إليه دائمًا بأنه دلالة على لعنة الفراعنة. ومن أشهر الضحايا الذين جرى ربطهم باللعنة:
اللورد كارنارفون (Lord Carnarvon)
كان عالم الآثار الذي اكتشف مقبرة توت عنخ آمون قد توفي نتيجة نوبة قلبية بعد معاناته من السرطان، وتوفي عالم الآثار الآخر اللورد كارنافون بعد تعرضه لحمى شديدة والتهاب رئوي أدى إلى تسمم الدم بعد أن لدغته بعوضة في خده.

آرثر ويجل (Arthur Weigall)
توفي عالم المصريات البريطاني (آرثر ويجل) نتيجة معاناته من مرض السرطان، وكان قد حضر حفل افتتاح المقبرة الملكية، إضافة إلى حديثه المتكرر عن أسطورة لعنة الفراعنة قبل وفاته.

ضحايا آخرون
لقي كثير من الأشخاص الذين قاموا بأعمال التنقيب والحفر حتفهم لأسباب مختلفة مثل الملاريا والسكتة الدماغية والاختناق وقصور القلب، وجميعهم ماتوا في الخمسينيات من أعمارهم، وهو ما يجعلنا نلتفت إلى قبر توت عنخ آمون بشيء من الاهتمام والجدية ونسأل أنفسنا: هل حقًا توجد لعنة أم أن الأمر لا يعدو كونه صدفة؟
التفسير العلمي للعنة توت عنخ آمون
ظهرت في السنوات الأخيرة دراسة تتحدث عن وجود أسباب علمية لمقتل أكثر من 20 شخصًا ارتبطوا باكتشاف مقبرة توت عنخ آمون قصدًا أو عن بعد. ويقول (روس فيلوز) المسؤول عن الدراسة المنشورة في مجلة الاستكشاف العلمي (Journal of Scientific Exploration): إن توجد فعلًا لعنة ترتبط بالمقابر المصرية الأثرية، لكن اللعنة لها سبب علمي وليس متعلقًا بالتعاويذ والأعمال السحرية.
التسمم الإشعاعي باليورانيوم والرادون
تشير الدراسة إلى وجود تسمم إشعاعي بسبب وجود بعض المواد والعناصر الطبيعية السامة التي تحتوي اليورانيوم في معظم المقابر الفرعونية، وهي مواد وُضعت عمدًا في أقبية مغلقة، لذا فإن الأشخاص الذين يفتحون المقابر يتعرضون لهذه المواد السامة، وعلى هذا يصابون بالأورام الخبيثة، وهو ما حدث فعلًا لعالم الآثار (هوارد كارتر) الذي مات نتيجة الإصابة بسرطان الغدد اللمفاوية، وهو ما قد يحدث نتيجة التسمم الإشعاعي.
وتعتمد الدراسة على أن المصريين القدماء كانوا يمتلكون خبرة ومعرفة كبيرة بصناعة السموم، وبذلك استخدموها في حماية المقابر، وأشاروا إليها في النصوص الموجودة على الجدران بقولهم إنها أرواح شريرة.
وأشارت الدراسة إلى وجود مستويات إشعاع كبيرة في المناطق التي تضم أنقاض مقابر ملكية، وحُددت أمكنة معينة مثل منطقة سقارة (Saqqara) ومقبرة أوزوريس في الجيزة.
وأشارت الدراسة أيضًا إلى وجود آثار لغازات الرادون في مناطق عدة بالقرب من المقبرة الجنوبية ومخازن الهرم وأنفاق مقبرة السرابيوم، وهو من الغازات التي لا يظهر لها لون أو رائحة، إضافة لكونه من الغازات المشعة السامة، ويُعد من أكثر الغازات التي تسبب سرطان الرئة.
فضلًا على ذلك، توجد أطنان من مواد اكتُشفت في منطقة الأهرام في ستينيات القرن الماضي، ولا تزال غير مفهومة أو معروفة الهوية؛ لذا تتوقع الدراسة أن هذه المواد قد تكون سامة، وأن مناطق الآثار الفرعونية غالبًا ما يكون فيها نسبة الإشعاع مرتفعة، وهو أمر يحتاج إلى دراسة خاصة، خاصة وأن الإشعاع يزيد من منطقة لأخرى.
وهكذا، فإنه توجد تفسيرات علمية لتلك الظاهرة الغريبة التي أُطلق عليها لعنة توت عنخ آمون أو لعنة الفراعنة، لكن الأمر يظل غير مؤكد، ويختلط ما هو أسطوري بما هو علمي حتى إشعار آخر.
هل لعنة الفراعنة حقيقة أم خيال؟
هي مزيج من الاثنين، اللعنة قوة سحرية خارقة هي خيال وأسطورة غذتها الصحافة، لكن الحقيقة العلمية، كما تقترح الدراسات الحديثة، هي أن هذه المقابر المغلقة لآلاف السنين تحتوي مخاطر حقيقية مثل الفطريات السامة والبكتيريا، ومستويات خطيرة من غاز الرادون واليورانيوم الطبيعي، ما قد يسبب أمراضًا مميتة (مثل السرطان) لمن يستنشقها بكثافة، وهو ما يمثل تفسيرًا علميًا للعنة.
لماذا تم لعن قبر الملك توت عنخ آمون؟
لم يتم لعنه بالمعنى السحري، النص المنقوش (الموت يفرد جناحيه...) هو تحذير رمزي لحماية المقبرة من اللصوص. أما السبب العلمي (الإشعاعي) المحتمل، فالدراسات ترجح أن المصريين القدماء ربما لاحظوا أن عمال المناجم الذين يستخرجون اليورانيوم الذي كان يُستخدم أحيانًا في الصبغات يموتون، فقرروا وضع هذه المواد السامة في المقابر حارسًا بيولوجيًّا لقتل أي شخص ينتهك حرمتها.
هل قناع توت عنخ آمون موجود في مصر؟
نعم، قناع توت عنخ آمون الذهبي، وهو أحد أثمن الكنوز الأثرية في العالم، موجود ويُعرض في المتحف المصري الجديد في الجيزة.
لعنة الفراعنة بين الأسطورة والعلم
تبقى قصة توت عنخ آمون مزيجًا فريدًا من التاريخ والفراعنة والأساطير والعلم الحديث، سواء كانت الوفيات الغامضة نتيجة مصادفة مأساوية، أو كما يرجح العلم، نتيجة تسمم إشعاعي طبيعي من اليورانيوم وغاز الرادون، فإن لعنة الفراعنة تظل القصة الأكثر إثارة في علم المصريات، الأكيد أن الإرث الحقيقي ليس اللعنة، بل الكنوز المذهلة التي فتحت أعين العالم على عظمة الحضارة المصرية القديمة.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن محاولة لفهم لعنة توت عنخ آمون، تلك الظاهرة التي بدأت مع اكتشاف محتويات المقبرة عام 1922، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.