النرويج الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم.. هل الثروة والرفاهية لعنة؟

لطالما كانت النرويج تُقدَّم كونها نموذجًا للمجتمع المثالي، دولة تحتل قمة مؤشرات السعادة والرفاهية والثراء في العالم، لكن ماذا لو كانت هذه الثروة المفرطة هي بحد ذاتها مصدر لمشكلات عميقة وغير متوقعة؟ هذا هو السؤال الصادم الذي طرحه كتاب مثير للجدل، أطلق شرارة نقاش وطني وعالمي عن لعنة الموارد.

في هذا المقال، نغوص في القصة المذهلة لصعود النرويج كقوة اقتصادية عظمى بفضل النفط، ونحلل كيف تحولت هذه النعمة إلى نقمة محتملة، مهددة بخلق (اقتصاد كسول) ومجتمع استهلاكي، ونستعرض الإجراءات التي بدأت تتخذها الدولة لتجنب هذا المصير.

منذ أن أصدر الكاتب والخبير الاقتصادي الكبير بيك هولته كتابه المثير للجدل عن النرويج بعنوان «الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم»، فلم تعد الأمور كما كانت عليه في المجتمع النرويجي وفي أوساط المفكرين والخبراء الاقتصاديين حتى رجال السياسة، وهو ما جعل مبيعات الكتاب ترتفع لتصل إلى أكثر من 60 ألف نسخة، وتصبح الأفكار الواردة فيه مادة دسمة للنقاشات في المؤتمرات والجامعات ومصدرًا شائعًا للنقاش في وسائل الإعلام الأوروبية.

وجاء الكتاب ليحمل فكرة غريبة عن النرويج التي تُعَدّ من أغنى دول العالم وأكثرها إحساسًا بالسعادة والرفاهية، إذ ناقش الكاتب المشكلات التي ظهرت حديثًا نتيجة هذه الثروة الكبيرة وحالة الرفاهية المفرطة التي يعيشها الشعب النرويجي، وهو ما استدعى ردودًا عدة من مسؤولين نرويجيين وخبراء في الاقتصاد في النرويج وخارجها.

قصة الصعود: كيف اكتشف النفط كنوز النرويج؟

تعود قصة بداية الثروة في النرويج إلى عام 1969 عندما كانت شركة «فيليبس بتروليوم» الأمريكية تعمل في التنقيب في الأراضي النرويجية بحثًا عن الحقول النفطية التي استمرت مدة طويلة دون اكتشافات تُذكَر. وكانت الشركة قد قررت إنهاء أعمالها في الجرف القاري النرويجي والانسحاب لإيقاف الخسائر والمصروفات العالية، قبل أن تقرر الحفر مرة أخيرة قبل إغلاق أعمالها في النرويج لعلها تجد ما يستحق.

وفعلًا، كانت شركة «فيليبس بتروليوم» على موعد مع كشف بترولي هائل غيَّر حياة المواطنين في النرويج إلى الأبد، وجعلهم الأكثر ثروة وسعادة في العالم.

 

الصندوق السيادي النرويجي: أكبر بنك في العالم

وأصبحت النرويج إحدى أغنى دول العالم، لتتجه الحكومة النرويجية إلى إنشاء ما يُسمى الصندوق السيادي النرويجي من أجل أن يتولى إدارة تلك الثروة الطائلة وإنفاقها على الخدمات التي تصب في صالح المواطن النرويجي.

وللعلم، فإن الصندوق السيادي في النرويج يُعَدّ الأكبر عالميًا، إذ تقترب أصوله من 1.7 تريليون دولار أمريكي (حسب بيانات سبتمبر 2025). وحسب حساب صغير، نعرف أن نصيب المواطن النرويجي يصل إلى 300 ألف دولار وفق آخر التقارير التي أوردتها وكالة بلومبرغ، وهو ما يجعل المواطن النرويجي هو الأغنى في العالم حسب الأرقام الرسمية.

الوجه الآخر للثروة: لعنة الموارد والمرض الهولندي

على الرغم من أن النرويج عاشت مدتها الذهبية في السنوات الخمسين الماضية، وعلى الرغم من اقتصادها المزدهر الذي يشمل نظام رفاهية اجتماعي يُعَدّ الأفضل في العالم، حيث لا توجد بطالة ولا ديون حكومية تُذكَر، بعكس معظم البلدان الأخرى، حتى في الدول المتقدمة والدول الصناعية الكبرى، فإن تساؤلات بدأت تعلو وتزداد في الفترات الأخيرة عن الموارد الغزيرة وكيف يمكن أن تكون سببًا في إفساد الشعب وظهور عدد من المشكلات على المدى الطويل.

ثم جاء كتاب «الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم» للاقتصادي الكبير بيك هولته، ليجعل من هذه الأصوات الخافتة والمتفرقة جرس إنذار مزعجًا للشعب النرويجي، والحكومة، وللسياسيين والمثقفين في النرويج وخارجها، إذ تحدث الكاتب عمّا لم تفعله النرويج مع امتلاكها هذه الثروة الكبيرة والموارد الضخمة.

كتاب «الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم»

وتدور الأفكار التي طرحها مارتن بيك هولته حول فكرة رئيسة، وهي أن الصندوق السيادي في النرويج لم تجرِ إدارته بالطريقة الصحيحة التي تخدم الشعب النرويجي على المدى الطويل، إذ أدت تلك الإدارة إلى ما أطلق عليه «الاقتصاد الكسول» و«المجتمع الاستهلاكي»، وذلك بسبب الاهتمام برفاهية المواطنين دون رؤية محددة لتنمية المهارات ورفع الكفاءات وزيادة المواهب والطاقات.

وأعطى الكاتب عددًا من الأمثلة التي تتفق مع فكرته الرئيسة في الكتاب، مثل مشروعات البنية التحتية التي لا تعود بأي عائد اقتصادي على البلاد، وإنما جرى إنشاؤها من باب الرفاهية، مثل مشروع المترو الذي يربط بين العاصمة وبعض الجزر المتطرفة الذي تكلِّف أكثر من ميزانيته الأصلية بستة أضعاف، إضافة إلى مشروعات أخرى مثل مشروعات التقاط الكربون التي كلَّفت الدولة مليارات الدولارات دون أن يكون لها عائد تجاري.

مظاهر الاقتصاد الكسول من ضعف الإنتاج إلى الديون الأسرية

على الرغم من أن كتاب «الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم» تحدّث على نحو موسع عن المشكلات الناتجة عن تلك الثروة الكبيرة والرفاهية المفرطة؛ فإننا نحاول توضيح أهم هذه المشكلات بطريقة مباشرة بعيدًا عن الطرح الفلسفي للكاتب، ولعل أبرز هذه المشكلات ما يلي:

نظام الكسل والمساعدات

لعل أهم المشكلات التي صنعتها الثروة في النرويج هي صناعة مجتمع كسول بنظام المساعدات والمنح الذي يرعاه الصندوق السيادي النرويجي الذي يُعطي المواطنين ببذخ دون رؤية محددة أو أهداف لتطوير الأداء العام والمهارات ورعاية الإبداع، وهو ما جعل المواطنين أشبه بالأطفال الذين تربيهم المربية دون استراتيجية، اعتمادًا على الثروة والموارد المتاحة فقط.

ضعف الإنتاج وتراجع الابتكار

يُعَدّ المواطنون في النرويج من أقل الموظفين عملًا في الدول الكبرى، إذ يتمتعون بنظام عمل يمنحهم كثيرًا من الإجازات على مدار العام التي يكفلها القانون، وهو ما يكلِّف ميزانية الدولة رقمًا ضخمًا يصل إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي. وذلك يُعَدّ أمرًا غريبًا إذا ما قارنته بنظام الإجازات في الدول المتقدمة، إذ تبلغ تكلفة الإجازات في النرويج أربعة أضعافها في الدول الأخرى.

المواطنون في النرويج

ومع هذا الحال، فإن الإنتاجية في النرويج تستمر في التراجع عامًا بعد عام، لتسجل أضعف نسب النمو بين الدول التي تمتلك اقتصادات كبرى، وبين الدول ذات الموارد الضخمة والغنية، وهو ما يؤثر أيضًا في انخفاض الاستثمارات في مجالات البحث والتطوير والشركات الناشئة.

أضف إلى ذلك تراجع مستوى الاختراع والابتكار في النرويج، إذ أصبحت المواهب نادرة بسبب النظام المعيشي الذي يرعاه الصندوق السيادي النرويجي الذي يقوم على الرفاهية المفرطة. وبذلك أصبح المواطن في النرويج لا يملك أي دوافع من أجل الابتكار، ولا يشعر بالتنافسية، بل على العكس تمامًا، يشعر بالاطمئنان الشديد تجاه المستقبل الذي تؤمّنه الثروة لعقود قادمة.

كيف تفكر النرويج في تفادي أزمة الثروة وفرط الموارد؟

مع النقاشات الحادة التي فتحت أبواب النقد على الصندوق السيادي في النرويج في الفترات الأخيرة، بدأت الحكومة النرويجية في التعامل مع الأمر بجدية، خاصة بعد وصول معدل الدين الأسري في النرويج إلى 220% من دخل الأسر السنوي، وهو ما يُعَدّ دليلًا خطيرًا على إحساس الناس بالراحة وثقتهم في أن الدولة ستستمر في منحهم الموارد والأموال سنوات قادمة.

وبذلك وجَّهت الحكومة مبالغ كبيرة للإنفاق على الطلاب النرويجيين، إذ بلغ معدل الإنفاق 20 ألف دولار لكل طالب في العام، وهو الأعلى على مستوى العالم بعد لوكسمبورغ، مع تبني برامج لرفع الكفاءة وزيادة المهارات المختلفة، لا سيما في مواد الرياضيات والعلوم والقراءة.

كذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة إصلاحات كبيرة في النظام الضريبي في النرويج، وتراجعًا كبيرًا في منح القروض للأشخاص الذين يملكون قروضًا فعلًا، إضافة إلى تحرك ملموس في مجال الاستثمار والقوانين التي تدعم الشركات الناشئة بغرض تحفيز الأشخاص على عمل إقامة المشاريع وخلق حالة من حالات الابتكار والإبداع والتنافس.

النظام الضريبي في النرويج

وكان القائمون على الصندوق السيادي في النرويج قد دفعوا بمبالغ طائلة من أرباح الصندوق إلى استثمارات خارج البلاد، من أجل تقليل نسبة المعروض النقدي في البلاد وضمان نمو الثروة بعيدًا عن المؤثرات المحلية والوضع الداخلي في النرويج نوعًا من الضمان بعيد المدى.

وهكذا تتجلى مشكلات النرويج كدولة صغيرة ذات إمكانيات ضخمة في الرفاهية الكبيرة، والكسل العام، والاعتماد على الصندوق السيادي المكدس بالأموال، وآبار النفط التي تضخ مزيدًا من الثراء والرفاهية كل يوم، إن قصة النرويج هي دراسة حالة فريدة ومثيرة للتفكير، تذكرنا بأن الثروة وحدها لا تكفي لبناء مستقبل مستدام، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية كسب المال، بل في كيفية استخدامه بحكمة لخلق مجتمع منتج ومبتكر.

وفي نهاية هذا المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.