لعنة الملائكة


توفي الرجل الصالح عم حسنين وترك خلفه ابنته ولاء الصغيرة في سن الثامنة عشرة وابنه حسن، الذي يكبرها بعشر سنوات، وأمهم السيدة فضيلة ربة المنزل.

لم يكن الابن حسن يعمل فبعد تخرجه من معهد التجارة حاول أبوه أن يجد له عملاً في كثير من الأماكن، لكنه كان دائما يرفض ولا يعجبه لا العمل، ولا المرتب، حتى عندما كان يقبل بعمل لا يستمر فيه أكثر من شهر أو شهرين ثم يتركه.

اعتاد حسن السهر بالليل مع صحبة من أصدقاء السوء التي لا تجمعهم أي ثقافة سوى ثقافة المزاج أغلبهم من الحرفيين فكان هو المتعلم الوحيد بينهم يجتمعون دائمًا على تناول المخدرات ومرافقة الفتيات الساقطات.

كان حسن يعتمد على ما يحصل عليه من نقود من أبوه قبل وفاته وعلى الاقتراض من أصدقائه.

حار أبوه وأمه في إصلاحه وهدايته أبوه عم حسانين كان رجلاً متديناً هادئ الطباع محبوباً من الجميع "يشهد له الجميع بالصلاح والأخلاق الطيبة ويتعجبوا من ابنه حسن وأخلاقه"، فكثيرا ما وقع حسن في مشاجرات مع الجيران بسبب علاقته ببناتهم واستهتاره بهم.

في كل مرة كان أبوه يتدخل ويعتذر لهم ويعنف ولده ويأمره بالابتعاد عن بنات الناس يهدده ويتوعده تارة، وينصحه ويوجهه تارة.

بعد وفاة الأب ضاق العيش بالأسرة فمعاش الوالد لا يكفي جميع المتطلبات، ومطالب حسن من النقود من أمه لا تنتهي؛ لإدمانه المخدرات وسهراته مع أصدقائه.

أصبحت الأم وابنتها لا تُطيقان وجوده في المنزل لكثرة تشاجره معهما وسلوكه، فقد كان يستقبل أحيانا أصدقاءه في غرفته بالمنزل ويسهر معهم لساعات متأخرة من الليل دون مراعاة لأمه وأخته، فقد كان أصدقاؤه يقرضونه المال وينفقون على السهرات، مقابل استضافته لهم في بيته.

فشلت كل محاولات الأهل والجيران الصالحين لإقناعه بالعمل، وترك حياة اللهو والاهتمام بمستقبله وبأمه، وأخته التي لم يتقدم أحد لخطبتها رغم حسن خلقها وطيب أصلها، بسبب سمعة أخيها السيئة.

استمر هذا الحال حتى أصبح حسن الابن نذير شؤم في المنزل، فلا يكاد يلمس شيئا إلا كسر حتى لمبات المنزل كانت تحترق عندما يلمس زر الكهرباء. 

لما يئست الأم من إصلاحه تركت له المنزل، وأخذت ابنتها لتعيش مع أخوها في بلدتهم في الريف وتبتعد عن المشاكل، التي يسببها لهم كل يوم مع الجيران ومع أصدقائه.

لم يتأثر حسن لترك والدته المنزل، بل ربما أحسّ بالراحة والسعادة ليكن على حريته، ولا يسمع كلام التوبيخ واللوم الذي توجهه أمه إليه دائما.

وبالفعل من أول يوم أحضر إحدى الفتيات معه إلى المنزل للهو معها، لكنه عندما دخل الغرفة الكبيرة في المنزل غرفة والده ووالدته وبمجرد أن استلقى على السرير هو وصديقته وجد من يرفعه من فوق السرير هو وصديقته، ويلقي بهما على الأرض، بل ويدفعهما خارج الغرفة، أصيب بالذعر هو وصديقته التي قالت له: هذا المنزل مسكون.

وسارعت بارتداء ملابسها وجمع أشيائها وغادرت المنزل، ولحقها هو بعد أن أصابه الخوف الشديد والصدمة فقد أحس بأن أشخاصاً يحملونه من فوق السرير كما أخبر صديقته وأكدت له هي نفس الكلام.

بعد ما ترك الفتاة قضى الليلة مع أصدقائه على المقهى حتى ساعات الليل الأخيرة، ثم لم يجد مفرًا من العودة إلى المنزل حاول أن يتماسك ويزيل الخوف من صدره.

أضاء كل أنوار المنزل وظل جالسا في صالة المنزل يشاهد التلفاز بعد أن أغلق غرفة والده، وظل يراقب باب الغرفة وهو متوجس ظل هكذا حتى بدأ ضوء النهار... 

يتسرب إلى الشقة فطمئن ودخل إلى غرفته لينام لم تمر لحظات حتى استيقظ مذعورًا بعد أن أحسّ أن هناك شخصاً يحاول أن يخنقه وبعد أن أفلت من يده حاول أن يضيء نور الغرفة لكنه لم يضيء، حاول أن يضيء أي مكان بالشقة دون فائدة حتى استيقظ وهو يشعر بالاختناق ويتنفس بصعوبة بالغة.

جلس بعد أن هدأ قليلاً يفكر فيما يحدث وهل أصبحت الشقة مسكونة بالفعل.

ذهب إلى المسجد في هذا اليوم ولم يكن يدخله طوال حياته لعله يجد السكينة، جلس وحيدًا بعد الصلاة حتى سلم عليه شيخ المسجد، وسأله عن أحواله وكان يعرفه ويعرف أحواله في الحي، فانفجر حسن في البكاء وحكى له ما حدث له، وأنه يفتقد والده كثيرا فطمأنه الشيخ ومسح على رأسه، ونصحه أن يترك حياة اللهو وأصدقاء السوء فهي نذير شؤم وسوء.

أول مرة يلاحظ أن أهل الحي يكرهونه ولا ينظرون إليه ويتجنبون الحديث معه.

قرر ألا يسهر مع أصدقائه في هذا اليوم وعاد مبكرًا إلى المنزل، وعندما هم بفتح باب الشقة فوجئ بأن الباب موصد من الداخل... 

اعتقد أن والدته وأخته قد عادتا، وراح يطرق الباب لكن لم يجبه أحدا، حاول فتح الباب مرة أخرى، لكنه تأكد أن الباب موصد من الداخل "أصابه الخوف وتذكر ما حدث له في غرفة والده نزل درجات سلم البناية في ذعر وخوف" قرر السفر والدته عند خاله.

في الطريق تعطلت السيارة التي كان يستقلها أحس بأنه السبب بدأ يلهج بالدعاء، ويعلن توبته ويستغفر ربه "بعد أكثر من ساعة تحركت السيارة ووصل إلى بيت خاله الذي استقبله بترحيب" أخذ يقبل أمه وأخته اللتان أحستا بشيء غريب في تصرفاته، حكا لأمه عن مشكلة الباب، لكنه لم يروِ لها ما حدث في غرفة والده، "أخبرها أنه لم يعد يستطيع العيش في شقتهم القديمة وأنه يريد أن يبحث عن مكان آخر" تعجبت من كلامه ولكنها هدأت من روعه وذكرته أنه ليس في استطاعتهم الانتقال إلى شقة أخرى وأن الشقة لا بأس بها إلى حين يعمل ويتزوج هو في شقة جديدة.  

عرض عليه خاله أن يعمل معه في مزرعته مؤقتا مدة إقامته فوافق على الفور.

تغيَّرت حياة حسن تماما أصبح يستيقظ مبكرا "يذهب إلى المزرعة بدأ يتعلم من خاله فنون الزراعة ورعاية الماشية، وجد العاملين في المزرعة بسطاء طيبين يعاملونه بحب وتقدير، وجد حياتهم بسيطة ومستقرة فهم يقضون يومهم في العمل"، ثم يعودون إلى بيوتهم يجلسون مع أهلهم بعض الوقت يتسامرون، ثم يخلدون إلى النوم مبكرا؛ ليستيقظوا في الصباح التالي دون عناء.

أصبح مثلهم تعود على هذه الحياة البسيطة الهادئة، وأخذ يواظب على الصلاة "نسى تماما حياته القديمة وكان يشعر بالندم كلما تذكر ما كان يفعله من ذنوب وآثام، فرحت أمه وأخته كثيرا بعودته" فقد أصبح يجلس معهم ويحدثهم ويمازحهم أحيانا بعد أن كان بعيدا عنهم تماما.

بعد فترة طلبت أمه أن يعودوا إلى القاهرة ليعيشوا في بيتهم بعد أن توسط له خاله عند أحد أصدقاءه ليعمل في إحدى الشركات ليشق طريقه ويصنع مستقبله فالعمل في المزرعة لم يكن يجني الكثير على الرغم من سعادته بجو الألفة والبساطة.

بالفعل بعد يومين عاد إلى المنزل مع أمه وأخته "فتحت أمه الباب ودخل إلى الشقة كان يفتقد غرفته وأشياءه أحس بأن جو الشقة قد تغيّر شعور بالألفة والراحة اعتراه وطمأن قلبه". 

بينما راحت أمه تعد بعض الطعام دخل إلى غرفة والده ووالدته "استلقى على الفراش في استرخاء" غفا قليلاً وبينما هو كذلك شعر بشخص يضع يده عليه ويقبله من رأسه "استيقظ فوجد أمه توقظه لتناول الطعام" قبَّل يدها، وقال لها: الحمد لله يا أمي لقد زالت اللعنة تعجبت من كلامه ودعت له الهداية.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية