لصوص النصوص


الأفكار لا تقلُّ أهميّةً عن الأموال، بل هي رُبما تكون أغلى في بعض الأحيان، فلو عرفت أنّ كلّ المشروعات الكبيرة والاختراعات العظيمة التي تدرُّ أرباحاً بالمليارات كان أصلها فكرةً، لعرَفت قيمة الأفكار، وأنّها ثروةٌ في حدّ ذاتها.

جَرت العادة ألا ننتبه إلّا لسرقة الأموال والأشياء الماديّة المرئيّة لنا، ولا ننتبه أنّ هناك لصوصًا آخرين في كلّ شيءٍ في حياتنا، لصوص المشاعر، ولصوص الأماكن، ولصوص التقدير، ولصوص الأفكار، قد تتحدثُ مع أحدٍ عن فكرةِ مشروعٍ تريد إنجازه فيستمع إليك ويشجعك ويُثني على فكرتك، وبينما أنت لاتزال تفكّر؛ تجد هذا الشخص قد نفّذ المشروع الذي هو فكرتك دون حياءٍ منه، وبدأ يجني ثماره ويتلقى عليه التقدير.

قد تكتب موضوعاً، أو مقالةً، أو فيلماً، أو كتاباً، فتجد من يسرق كلامك في وضح النّهار، ويبني عليه مقالةً، أو موضوعاً، أو يسرق الكتاب كلّه ويطبعه باسمه، ويدّعي أنّ هذا من تأليفه وبنات أفكاره دون خجلٍ أو حياءٍ، وأحياناً يكون الشخص من مشاهير الأدب، والفكر، والفنّ، ويستغلّ بعض المواهب الشابّة التي تعرض عليه أعمالها، وتطلب منه المساعدة على نشر أعمالهم فيسرق هذه الأعمال والأفكار ويصيغها بطريقته وينسبها لنفسه، وربّما تلقّى عليها التقدير والمكاسب دون مراعاةٍ لأيّ ضميرٍ.

في الماضي كانت تتم السّرقة بشكلٍ واضحٍ بالنّص وبالاسم وبكلّ التفاصيل، وقامت منازعاتٌ كبيرةٌ بين كثيرٍ من الأشخاص نتيجة لذلك، لذا تمّ وضع قوانين حماية الملكيّة الفكريّة وجمعيات حقوق المؤلفين والناشرين والملحّنين، لكن مع كلّ هذا لم يتوقف اللّصوص عن السّرقة وراحوا يبتكرون طُرقاً وأساليبَ جديدةٍ للسّرقة، فأصبحوا لا يسرقون النّص كاملاً بل يسرقون جوهر الفكرة وبعض النّص ويضيفوا عليه بعض الرتوش والكلمات ليبدو مغايراً للنّص الأصليّ، وقد سمعنا عن شاعرٍ معروفٍ شابٍ سرق أربعة أبياتٍ من قصيدة شاعرٍ غير معروفٍ كبيرٍ في السنّ، واستضاف أحد المذيعين هذا الشاعر المجهول وواجه الشاعر الشاب السّارق والذي راح يسوق الحجج بأنّه لم يقرأ للشاعر وربّما يكون مجرّد تشابه وتوارد خواطر، لم أكن أصدّق هذا النوع من السرقة حتى نشرت ذات يومٍ قصيدةً على أحد المواقع، ثمّ فوجئت بعدها بشخصٍ ينشر القصيدة في إحدى المنتديات على أنّها من تأليفه ويتلقى عليها الثناء.

وكذلك في العمل قد تجد موظفاً صغيراً يقوم بحلّ مشكلةٍ في العمل بجهده وتفكيره، ثمّ يأتي رئيسه في العمل ليقدّم الحلّ لرئيس الشركة ويأخذ كلّ التقدير على حلّ المشكلة وينسبها لنفسه، ويتعمّد عدم ذكر اسم الموظف الصغير، قد نكون بحاجةٍ لمزيدٍ من قوانين حماية الملكيّة الفكريّة والتوثيق للأعمال، وفتح مزيدٍ من قنوات الاتصال، والوصول للموهوبين في كلّ المجالات ومنع الاحتكار، فنحن على مدار سنواتٍ كثيرةٍ لا نرى إلا ناقداً فنياً واحداً هو وحده المنُوط به نقد الأعمال الفنيّة في جميع القنوات وخبيراً سياسياً واحداً مسؤولاً عن الحديث في السياسة، وخبير آثارٍ واحدٍ يتكلّم في الآثار، على الرغم من تواجد عشرات، بل مئات الكفاءات في كلّ مجالٍ من هذه المجالات لا يُسمع عنهم ولا ترى أعمالهم وأفكارهم وأبحاثهم النور أبداً، وفي النّهاية يتعرضون لسرقة أو اقتباس أعمالهم، لكنّ الأهم من كلّ القوانين هو الضمير والحقيقة التي تقول "ما بني على باطلٍ فهو باطلٌ"، وأنّ من يحصل على التقدير من عملٍ مسروقٍ سُرعان ما ينكشف عندما لا يستطيع أن ينتج عملاً آخراً جيداً، وسُرعان ما يفقد ما حصل عليه من تقديرٍ ومكاسب بالسّرقة وتزييف الحقيقة، بينما المؤلف الأصليّ يستطيع أن ينتج أعمالاً أخرى وهو الذي يستمر في النهاية، فالصّدق هو الأصل بينما الكذب حالةٌ طارئةٌ وفاسدةٌ سرعان ما تنكشف وتتبخّر.

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

Khadime mbacke - Sep 17, 2021 - أضف ردا

مقالة ثرية ورائعة أحسنت

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا جزيلا لك ياعزيزى اتشرف دائما بزيارتك ورأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية