لروحكم السلام..

كان للموت و رائحته دائما وجود طاغي في حياتي و هيبة خاصة في نفسي.
حيث يثير فيها الكثير من الأحاسيس المختلطة و دائما ما يترك بي خبر موت أحدهم أثر عميق.
من السنوات المبكرة لطفولتي و أنا أشعر بهذه الصلة الغريبة بيننا... فكنت كطفلة مشغولة به أحلم به كثيرا...أحيانا يزورني و أحيانا يأتي لغيري عن طريقي و يفرض نفسه بأحلامي التي كانت دائما حديث العائلة و الأصدقاء..حتى صار البعض يتندر سائلا "حلمتي بمن من الأموات اليوم؟" فقد أصبحت سيرة الموت روتين ممل متكرر.
ولا أنسى شغفي بقراءة "أخبار الحوادث" التي كانت تصدر كل خميس و أذهب لشرائها خلسة لإعتراض أمي على هذا، فقد كانت لا تفهم ولع طفلة في السادسة بأنباء عن بشر قتلوا و لا تكتفي هذه الأنباء بنشر الخبر فقط بل تتلذذ بنشر صور الضحايا و عرض تفاصيل أيامهم الأخيرة.
ولا أعرف كيف بدأ هذا الهوس تحديدا و لا متى انتهى و لكني أتذكر أني في إحدى تلك المرات كنت أطالع الجريدة لأجد خبر عن مقتل فتاة شابة جميلة و حقيقة لا أتذكر إسمها ولا سبب و كيفية الوفاة و لكن كل ما علق بذهني هو صورة لها تحتل نصف صفحة الخبر و هي تقف متكئة على جدار شاردة النظر وقت الغروب و شعرت فجأه إنها كانت تطالع البحر رغم عدم ظهوره بالصورة ولا أتذكر ما كان دليلي على هذا... فقط أستعيد دائما ملامح وجهها الرقيق المحفورة في ذاكرتي و التي كان يغلفها شعر أسود كثيف جدا يصل لفوق كتفيها و ترتدي تي شيرت مخطط عرضا باللونين الأسود و الرمادي الباهت و بنطلون جينز واسع عالي الخصر...
أتذكر هذه الغصة التي شعرت بها عند رؤيتي لصورتها..إحساس غريب أجبرني على التوقف عن قراءة مثل هذه الأخبار بعد هذا اليوم..فلم أستطع التوقف عن التفكير بها و في سبب شرودها، هل كانت تشعر أن هذه أخر صورة سوف تلتقط لها؟ هل كانت تعلم أن هذه الصورة تحديدا ستصاحب خبر مقتلها بإحدى الصحف التي تباع ببضع جنيهات كل خميس و أنتظرها بفارغ الصبر؟! هل تعذبت في أخر لحظاتها؟ بماذا كانت تشعر؟ هل كانت تشعر بالوحدة؟ هل نادت طالبة للمساعدة و النجدة و لم يصل صوتها لأحد؟ شعرت و كأنها أختي الكبرى التي لم أرزق بها و قتلت غدرا و ألمني هذا الشعور كثيرا، إعتصر قلبي..و ألقى بتساؤل أخر أرق حياتي تلك الفترة، ترى ماذا كنت أفعل في لحظات قتلها؟ ماذا صادف هذا الحدث في يومي؟ هل كنت أضحك؟ هل كنت ألعب؟ أم نائمة؟ أم الأسوء..هل كنت أشتري العدد السابق من هذة الجريدة بنفس شغف اليوم لأطالع أخبار أخرون غدر بهم...
أكلتني الاحتمالات و لم ترحمني...
و من يومها لم أقو على شراء أو مطالعة "أخبار الحوادث"
و لا محاولة حتى معرفة ما إذا كانت لازلت تصدر حتى اليوم أم لا.
فلقد اكتفيت بموتاي، الذين طالعتهم على الطبيعة و كنت شاهدة على إنتقال أرواحهم.
و كأن الله كان يؤهلني لهذا الدور، مرافقة الموتى في لحظاتهم الأخيرة..
فقد كنت من المحظوظين الذين يسأل عنهم الموتى بإستمرار قبل أيام من رحيلهم بل و يصر البعض على رؤيتي إحتفالا بتحسنه أو لإفتقاده لي فقط لأجد نفسي جزء من ذات المشهد، مشهد النهاية و لأستقبل معه صديقي القديم و كأنه يبعث لي دعوة مستترة عن طريقهم لرؤيتي بعد ما توقفت عن السعي وراء أخباره و التفكير به.
و بدأت من بعدها مرحلة أخرى و شكل مختلف لعلاقتي بالموت فأصبح كالضيف الثقيل المتربص الذي أشعر بوجوده الدائم في كواليس حياتي منتظر اللحظة المناسبة لإقتناص روح أحد أفرادها حتى يحين دوري، و كان الجميل وقتها هو إحساسي بالثقة و الثبات في إنتظاره، كنت لا أخشاه مهما حاول، بل كنت أزداد قوة و صلابة في مواجهته حتى إني أتذكر في إحدى أحاديثي مع الله طلبي الملح للإيذان بهذه المواجهة..
كم كنت فتاة شجاعة، أعجب حقا و بشدة بها.. بنهال الطفلة و الفتاة الصغيرة القوية الثابتة الغير ملوثة الصابرة المحتسبة... و على النقيض لا أعي و لا أعرف نهال الحالية المليئة بالتعقيدات و التناقضات، المقدامة تارة و المتقاعصة مرات، النقية أحيانا و المظلمة كثيرا...
المترهبنة الماجنة...أتساءل بإلحاح هل هذه هي ضريبة إحتكاكي المبكر بالموت كثيرا؟ هل عندما نتعرض للظلم و الظلام نلتقط منه بعض ظلاله؟!
و الأهم من كل هذا، لا أعي ماهية الأسباب التي تدفعني لشعوري هذا هذه الأيام تحديدا..
هل آن للقاء الذي طال إنتظاره أن يحدث؟
أم أن كل هذا نتيجة أجواء الإكتئاب العام المصاحبة لإنتشار وباء عالمي؟
أم السبب هو مرضي الأخير و فترة إصابتي و عزلى؟
حقيقة لا أستطيع الجزم بالسبب ولا لماذا رجني خبر وفاة "نهى"، إبنة إحدى صديقات أمي المقربات منذ أكثر من ثلاثين عاما و إستدعى داخلي كل هذه الأفكار.  
نهى بنت "طنط زينب" الأم لطفلين لم يتجاوز أكبرهم الثامنة و التي تكبرني ببضعة سنوات فقط ...
لم أرى نهى في حياتي أكثر من مرتين على ما أتذكر و كانت إحداهما في عزاء أحد الراحلين الأقرب لقلبي ، لكني لا أعلم لما أعتصر موتها قلبي ولا لما بكيت بشده - أنا المعروف عني ندرة دموعي - عندما روت لي أمي كيف أستقبلت نهى موتها في ثبات و شجاعة رغم مرضها و ضعفها و كيف في لحظات هلعها الأعظم و خروج روحها دأبت على التسبيح على أصابعها مسرعة و كأنها تهون على روحها الرقيقة ما تراه و تعجل بانتهائه..
نهى علمت من شهر فقط إنها تعاني من سرطان بالغدد هاجم لسانها و تم حجزها بالمستشفى استعدادا لتلقيها العلاج و لكنها سارعت بالذهاب إلي ربها.
لا أزكي على الله أحد و لكني شعرت أن ربما الله لم يجد لنهى سيئات أخرى تكفر عنها فأمر روحها بأن تفيض في سلام قبل أن تبدأ رحلة العلاج أو يزداد عذابها.
لا أعرف لماذا زلزل خبر موت نهى كياني رغم إعتيادي على معايشة مثل هذه المشاهد ناهيكم عن سماعها...
ربما ذكرتني نهى بتلك الفتاة الصغيرة نهال...
ربما رأيت من خلالها كيف من الممكن أن تكون نهايتي لو ظلت هذه الفتاة الصغيرة النقية المحتسبة كما هي و لم تختلط خيوط حياتها و تتعقد مثل الآن؟ هل أرثي الآن نهى أم نهال الطفلة؟ حقيقة لا أعلم..
و لكني أردت أن أهدي هذه الكلمات لأرواح كثيرة كنت شاهدة على رحيلها..
و لروحك الشابة أيتها المجهولة من طفولتي الراقدة في إحدى صفحات "أخبار الحوادث" ..
و إلي روحك الجميلة يا نهى...
عسى أن يردني الله إليه ردا جميلا و أقف بين يديه مسبحة مستبشرة كما كنتم جميعا...و لروحكم السلام.

بقلم الكاتب


ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.