لذة الخضوع والسيطرة

بعض الناس يتلذذ بالخضوع، وبعضهم يتلذذ بالسيطرة، وبعضهم يجمع بين الاثنين فيتلذذ أحيانًا بالخضوع وأحيانًا بالسيطرة. 

شعور طبيعيّ يشعر به الإنسان بقدر معيّن في أمور كثيرة في لحظات معينة، وبصفة مؤقتة يسبب السعادة، لكنه في بعض الأحيان عندما يزيد عن حده وبسبب عوامل كثيرة في النشأة والتربية والظروف المحيطة يتحول إلى مرض سلوكيّ يؤذي صاحبه ويؤذي من حوله، أطلق عليه علماء النفس اسم "السّادية" في حالة التّلذذ بالسيطرة وإيذاء الآخرين، واسم (المازوخية) أو (الماسوشية) في حالة التّلذذ بالخضوع والإيذاء من الآخرين.

وهذا السلوك يظهر بوضوح أكثر في النّشاط الجنسيّ، وإن كان يظهر في جميع مظاهر حياة الإنسان لكن بصورة أقل وضوحًا، فنجد بعض الأشخاص يستمتع بالسيطرة على أصدقائه وقيادتهم وطاعتهم له، فهناك شعور باللّذة عندما تجد شخصًا يطيعك تمامًا ويخضع لك عند بعض الأشخاص، والعكس فالمطيع يشعر باللّذة في الخضوع والطاعة والتبعيّة، كلّ هذا عندما يتعدى الطّور الطّبيعيّ له يصبح مرضًا، ويعد سلوكًا غير سوي.

والكلمتان (السادية) و(المازوخية)، مستمدتان أصلًا من أسماء مؤلفين اثنين؛ فيرجع أصل مصطلح (السادية) إلى اسم الماركيز دي ساد (1814-1740)م، الّذي لم يُمارس السادية الجنسية فحسب، بل كتبَ روايات حول هذه الممارسات، ومن أشهرها "جوستين"، وسُمّيت (المازوخية أو الماسوشية) نسبةً إلى (ليوبولد فون ساشر ماشوك)، الذي كتب الروايات معربًا عن أوهامه وتخيلاته (المازوخية)، اُختِير هذان المصطلحان بعد ذلك لتحديد الظواهر السلوكيّة البشرية، وتصنيف الأمراض النفسية أو السلوك المنحرف.

يولد الإنسان ولديه هذه النزعات الطبيعيّة بشكل طبيعيّ، لكنها تتحوّل عند بعض الأشخاص إلى مرض نفسيّ وسلوكيّ؛ فيدمن هذا الشخص المصاب بمرض السادية، أو التمتع بالسيطرة إيذاء الآخرين، أما المصاب بـ (المازوخية) فهو يدمن التمتع بالخضوع والإيذاء من الآخرين، والإيذاء يكون بكل أشكاله اللّفظيّ أو المعنويّ أو الجسدي.

مشكلة هذا الانحراف في السلوك أنّ هذا المرض ليس له أيّ أعراض غير طبيعيّة واضحة تستطيع بها تمييز الشّخص الذي يعاني من هذا السلوك أو المرض، فهو يبدو شخصًا طبيعيًّا جدًّا يمارس حياته بصورة طبيعيّة، وحتى الشخص المصاب نفسه لا يشعر أنّه يعاني من أيّ شيء، لكنه قد يظهر في صور من الممارسات الخاطئة التي تنتشر في المجتمع، مثل: التّحرش والاغتصاب والشذوذ والاستئساد والتّنمر والعنف الأسريّ والعنف الجنسيّ الّذي يشتكي منه البعض، ولا ينتبه أحد لجوهر المشكلة المتمثل في الاضطراب السلوكيّ المتعلّق بلذة الخضوع والسّيطرة أو السّادية و(المازوخية)، والّذي يرجع في غالب الأحيان لتعرّض هؤلاء الأشخاص للاعتداء والعنف في فترة الطفولة وعدم التّشخيص والرّعاية والعلاج .

بقلم الكاتب


كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية