لحظات رهيبة

الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، لم يعد هناك زبائن.

"لم أعمل إلا توصيلتين، الحمد لله على كل حال، سأرجع إلى البيت كفاية، البرد شديد، والناس لا تسهر في هذا الجو القارس، الحمد لله على كل حال"، هكذا كان العم صادق سائق سيارة الأجرة الخمسيني يحدث نفسه عندما وجد ثلاثةَ رجال سيّارةً يشيرون له بالتوقف، نظر سريعاً لهيئتهم فوجدهم في سن مقاربٍ لسنه، ربما أصغر قليلاً، لكنهم ليسوا شباباً صغاراً، فهو يخشى أكثر ما يخشى من شباب هذه الأيام ممّا يسمعه عن تعاطيهم للمواد المخدرة وسلوكهم العنيف، كذا وجد أن ملابسهم لا بأس بها أيضاً، مما يدل على أنهم ليسوا أشقياء فتوقف لهم، تقدم أحدهم إلى شباك السيارة وقال له: "المقطم؟"، تردد قليلاً العم صادق في القبول، وقبل أن يوافق ركب الثلاثة في السيارة فقبل، وقال في نفسه:

"مشوار جيد من وسط البلد للمقطم يعوض اليوم ويأتي بحق الوردية"، ثم قاد السيارة ليعبُر شارع الأزهر، المحلات على جانبي الشارع مغلقة، ضوء أعمدة الإنارة خافتٌ جداً كأن مصابيحها تلفظ أنفاسها الأخيرة، خرج إلى شارع صلاح سالم متجهاً ناحية قلعة صلاح الدين، المقابر على جانبي الطريق تذكرك بالموتى الذين رحلوا والذين سيرحلون، أخذ يفكر في الموت، أحس بأن أعمدة الإنارة على جانبي الطريق تهتز كأنها أشباح تلاحق السيارة بظلالها، أصبحت القلعة القديمة على يمينه، ومدخل المقطم على يساره، أخرج الهاتف من جيب معطفه، واتصل بزوجته وقال لها بصوت مبحوح: "أنا معي زبائن، سوف أوصلهم للمقطم ثم أعود بعدها"، سألته: "أنت بخير؟ صوتك يبدو غريباًّ!"، قال: "ربما بسبب البرد والتعب، لكني بخير والحمد الله، إن شاء الله نصف ساعة وأكون في البيت".

أخذ الراكب بجانبه يوجهه يميناً ويساراً داخل منطقة المقطم حتى وصلوا إلى أطراف الحيّ السكنيّ حيث وجد السائق نفسه في الخلاء في منطقة مظلمة إلا من بعض الأضواء الخافتة تأتي من بعض النوافذ البعيدة للمساكن خلف هذه المنطقة، وضوء السيارة يُظهر حافة الجبل، شعر بالوحشة، فلو حدث له شيءٌ في هذا المكان لن يشعر به أحد، هؤلاء الأغراب لا يبعثون في نفسه الطمأنينة، والمكان لا يوجد فيه بيت، لا يوجد به شيء، لماذا يأتون إلى هنا؟ 

طلبوا منه التوقف للنزول من السيارة، وأخرج له الراكب الذي بجانبه مبلغاً زهيداً جداً، وألقاه في وجهه دون أن يسأله أو يبالي به، ثم خرج من السيارة يعدّل من هيئته وملابسه، ويراقب رد فعل السائق على الجنيهات القليلة التي ألقاها إليه، والتي لا تساوي نصف ثمن الرحلة، فأخذ العم صادق المبلغ القليل دون أن يعترض، وحمد الله، وشكر الرجل، فإذا بالرجل يتفحص وجهه في صمت برهة، ثم أشار لأصدقائه بالنزول من السيارة، وقال لهم بلهجة آمرة: "خلاص، ده شكله راجل طيب".

انتبه السائق لكلام الرجل، ونظر في مرآة السيارة إلى الراكِبَين في الخلف، فلمح شيئاً يلمع في يد أحدهما سرعان ما طواه ووضعه في جيبه، ونزل هو وزميله الثالث من السيارة، فغادر العم صادق المكان على الفور وهو ينظر في المرآة الخلفية، ويرى الرجال الثلاثة واقفين يتجادلون، واحدهم يشير إلى السيارة، فزاد من سرعة السيارة ليخرج من المنطقة بأسرع ما يستطيع وهو يلهث خلف عجلة القيادة كأنما يركض على قدميه.

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jul 6, 2022 - سلسبيل معروف
Jul 6, 2022 - حمزه عطا مصطفى
Jul 6, 2022 - محمد عبد القيوم جودات
Jul 6, 2022 - محمد حسن الصغير
Jul 6, 2022 - عبدالرزاق ياسين درويش
Jul 5, 2022 - أيهم زاهر نجّار
Jul 4, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jul 4, 2022 - عبدالله عوض الدباء
Jul 4, 2022 - ريم صلاح الدين صمود
Jul 3, 2022 - محراب محمد اسحق
Jul 3, 2022 - قلم خديجة
Jul 2, 2022 - آيه الدرديري
Jul 2, 2022 - منة الله صبرة القاسمي
Jun 30, 2022 - يسر الحاج منور محمد
Jun 29, 2022 - مهند ياسر ديب
Jun 29, 2022 - كاميليا عبدلي
Jun 29, 2022 - هالفي سام ميلاي
Jun 29, 2022 - رهام زياذ مشة
Jun 29, 2022 - بن عريشة عبد القادر
Jun 28, 2022 - شهد سراج
Jun 28, 2022 - زهرة فاطمة ملك
Jun 28, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 24, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
Jun 24, 2022 - رامي النور احمد
Jun 22, 2022 - سنا الصالح
Jun 21, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 21, 2022 - ابراهيم فتح الرحمن محمد عبدالله
Jun 21, 2022 - محمدي امنية
Jun 19, 2022 - يوسف محمود يوسف
Jun 19, 2022 - رامي النور احمد
Jun 19, 2022 - فطوم آلنعيمي
Jun 18, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 16, 2022 - ياسمين صحراوي
Jun 15, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 15, 2022 - رمضان بوشارب الجزائري
Jun 15, 2022 - احمد حمدان شاهين
Jun 14, 2022 - رامي النور احمد
Jun 14, 2022 - فادي محمد كناوس
Jun 13, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 10, 2022 - احمد تناح
Jun 10, 2022 - Anood Shurrab
Jun 10, 2022 - هاجر ادبراهيم
Jun 10, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 8, 2022 - محمد مصطفى
Jun 2, 2022 - هاني ميلاد مامي
May 30, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
May 29, 2022 - علي صالح طمبل
May 29, 2022 - معاذ فيصل اسماعيل يعقوب حكمي
May 29, 2022 - أحمد الطلفاح
May 29, 2022 - لحظة هدوء
May 28, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - أحمد أبوزيد
May 26, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - مهاب البارودي
May 25, 2022 - رحمة مصعب الغزال
May 24, 2022 - شيماء عوض محمد
May 23, 2022 - على محمد احمد
May 22, 2022 - أحمد أبوزيد
May 22, 2022 - ديانا جمال عبود
May 21, 2022 - مريم حمادة
May 21, 2022 - محروس خميس السعداوي
May 20, 2022 - سماعين محمد الأمين
May 18, 2022 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
May 16, 2022 - علاء جادالله الخمري
May 13, 2022 - مهاب البارودي
Apr 29, 2022 - احمد حمدان شاهين
Apr 15, 2022 - رايا بهاء الدين البيك
نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية