ثانية تمر وأخرى، وهي تنتظر دون جدوى، لتضرب الأرض بحذائها ذي الكعب العالي بغضب، وبعض الألفاظ غير المقصودة التي هربت منها في حق صديقها المتأخر، وصدقاً لا يناسب أبداً فستانها المخملي الراقي وقفتها المضحكة وتعابيرها السخيفة.
لكن لها كامل الحق في الانزعاج فـ (أركان) من المفترض أن يكون هنا، والآن أمامها، فهي منذ نصف ساعة تقف مكانها، وهاتفها لم ينفك إلا ويصدر طنيناً متواصلاً، تحاول الاتصال به، لكن دون رد، يبدو أن أركان يتجهز متأخراً اليوم، ليس من عادته ألا يجيب بعد الاتصال الثالث على أقصى تقدير، فهذه المرة الثالثة بعد المئة تقريباً لاتصالها، فتح الخط وأخيراً تم إجابة الاتصال، لتبدأ هي في سلسلة سخطها عليه:
- "أركان، أيها اللعـ... المزعج، المتأخر، الطويل أتذكرت أخيراً أن هناك بجعة تنتظرك هنا"
غيرت شتيمتها الأولى فلا يليق بفتاة فعل ذلك
- "إيڤال، أين أنت يا فتاة، دورا تأبى الخروج من غرفتها، العروس ستقتلنا إن لم تسرعي وجاي سيبكي، الرجل يردد أريد أن أتزوج".
أردف مقهقهاً بقوة متجاهلاً ما قالته.
بردت ملامح إيڤال لبرهة لتستوعب قوله، أهو هناك؟ ألم يتفقا أن يذهبا سوياً؟ ألم يتحدثا البارحة واليوم؟"
لأجل ذلك، هل كان أركان يسايرها فحسب؟
- "هل أنت مع جاي، هل ذهبت لحفل الزفاف حقاً؟"
- "أنا هنا منذ ساعة، إيڤال".
- "لكنني أنتظرك أركان، ألم تكن ستأتي لتقلّني معك؟"
- "أوه، آسف، لكنني حقاً نسيت".
لا تعلم بماذا تجيب، فلا، هو لم ينس، هذه ليست أول مرة على كل حال، هي تعلم ذلك جيداً، لكنها لم تقل الكثير، الغصة بالفعل سكنت قلبها.
- "حـ..ـسناً، سأستقل الباص".
- "لا، لا تفعلي، سأرسل لك السيارة، هل لا زلت أمام منزلك؟"
- "لا بأس، سآتي وحدي".
- "لكـ...."
أغلقت، وفرت دمعة من عينها دون أن ترمش حتى، امتلأت حزناً هي، وما بيدها غير البكاء على حالها.
اتجهت لأقرب محطة باص لافتةً الأنظار، دموعها لم ترض بالبقاء أسيرة،
أما بالنسبة لأركان فبقي ينظر للهاتف لدقائق معدودة، أيتصل؟
هو بالفعل تقصّد عدم الذهاب، لم ينس، ولكنه لا يريد التعلق، فاختار التجاهل حلاً.
تنهد واضعاً الهاتف في جيبه مع يده، ماسحاً بالأخرى على وجهه مقرراً عدم التفكير في الأمر.
سار باتجاه جاي عريس الليلة، والذي حقاً على وشك البكاء، فعروسه مختبئة في غرفتها، تنتظر قدوم إيڤال، وتصيح في الجميع حتى جاي، آه، توتر الزفاف، إنه صعب، فهي تصرخ بأنها تريد صديقتها.
نصف ساعة مرت، وقاعة الزفاف أصبحت صاخبة، وبعض التمتمات بدأت بالظهور.
عن هروب العروس، تعرفون هناك من يحبون شغل الأجواء ببعض الدراما، جاي كان يقف خارجاً مع أصدقائه الذين يحاولون التخفيف من توتره، يكاد يفقد وعيه الرجل.
لمح إيڤال وهي تُري الحارس بطاقة دعوتها ليجفل راكضاً تجاهها صارخاً باسمها، جالباً نظر الجميع، وهي ما إن رأته حتى هرولت هي الأخرى تجاهه.
- "جاي، آسفة لـ..".
لم تلحق إكمال جملتها إلا وقاطعها
- "إيڤال، ليس وقت اعتذارك، أنقذيني، دورا مختبئة في الغرفة منذ ساعتين، لم تسمح لي برؤيتها حتى، جدي حلاً أرجوك، أريد أن أتزوج".
حاولت إيڤال كتم ضحكتها، فـ (جاي) الرجل الرزين والهادئ يبدو أبله أمامها، غير أنه يكرر الجملة حقاً.
- "لا تقلق أنت، تعلم كيف تكون دورا عندما تتوتر، اذهب أنت للداخل، دقائق وتكون متزوجاً، زفير شهيق زفير شهيق، هيا، أحتاجك هادئاً".
قالت وهي تربت على كتفه بخفة ليفعل الآخر ما أخبرته، وفي حين تنظر إليه وهي تبتسم.
تلاقت أبصارها مع أركان، والذي ينظر إليها بدوره، لتخفي ابتسامتها تدريجياً حتى تلاشت، قطعت تلك النظرات معيدة إياها لجاي الذي ورغم حالته انتبه لهما سائلاً:
- "أنتما بخير معاً، أليس كذلك؟"
- "أجل، لا تقلق، أنا سأذهب لـ دورا، استعد".
أسرعت دالفة إلى الداخل، تأخذ خطوات واسعة وسريعة باتجاه غرفة العروس، تطرق على الباب بسرعة لتصرخ دورا بتوتر وارتجاف مضحك:
- "قلت لكم لن أتزوج حتى تأتى إيڤال، لا أحد يأتي إلى هنا غيرها".
لم تستطع المعنية كبح بسمتها التي وصفت أسنانها البيضاء التي اتضحت بحلو بسمتها، أردفت بصياح للعروس:
- "إنها أنا إيڤال، هيا افتحي"
ثواني حتى سمعت صوت ارتطام كعب حذائي العروس وهي تركض لتفتح الباب، وفور وصولها قرصت بورا من كتفها:
- "أي، أي، دورا انتظري، لم أقصد تأخري، أقسم".
- "قلت ستغيرين ثيابك وتعودين، كان عليّ جعلك تحضرين ثيابك هنا، ولا أصدقك".
تعاتبها بجميل ملمحها الطفولي.
- "آسفة، تعلمين أنني لم أتقصد ذلك"
بررت إيڤال.
- "لا بأس، المهم أنك أتيت".
- "مستعدة عروستنا الجميلة؟ "
سألتها ببسمة واسعة لتتذكر دورا الزفاف
- "إلهي، إيڤال، أنا العروس سأتزوج".
تذكرت دورا الواقع، وأنها على مشارف أن تصبح امرأة متزوجة، قابلت ذلك بذعر وهي تلوح بكلتا كفي يديها أعلى وأسفل.
- "اهدئي، اهدئي، لا بأس، لقد انتظرت هذا اليوم طويلاً، عليك أن تكوني سعيدة، ستصبحين زوجة جاي بعد دقائق".
قالت إيڤال باستمتاع متذكرة حال جاي هو الآخر، فتحاول عدم إفلات ضحكتها عليهما.
- "لم تنظرين إليّ هكذا؟"
أردفت دورا بتوتر، فإيڤال تعض على شفتها السفلية، وواضح أنها لن تنجح بذلك كثيراً.
- "جاي مذعور هو الآخر، إلهي، كم كان شكله مضحكاً، كانت المرة التي أراه يخرج عن هدوئه".
- "حبيبي، هل فعلت به ذلك؟"
انتحبت دورا بعبوس، أومأت لها إيڤال مردفة بعدها تشجع العروس:
- "ليس علينا التأخر أكثر سأخبرهم بأنك جاهزة حسناً"
وضعت دورا يدها على قلبها، وأشع ملمحها بسعادة باهرة لم تخف على إيڤال، وكم فرحت لذلك.
- "سأذهب لأنادي عمي".
لا داعيَ للتأجيل أكثر، أخذت إيڤال خطواتها تجاه والد صديقتها، ومن سيصبح زوجها بعد دقائق، إنهم جاهزون ودورا مستعدة، ليتنهد جاي بقوة ويشعر بالراحة، وأخيراً سيتزوج، ذهب يقف منتظراً عروسه في مكانه،
ووالد العروس ابتسم مربتاً على رأس ايڤال، لترده بابتسامة، وفور تحركه من أمامه وجدت أركان على بعدٍ ليس بكبير منها، كان يقف خلف والد دورا، وكان نظره موجهاً إليها.
بادلته الأنظار، فلم تكن تريد إنهاءها، بطريقة ما تجد النظر إليه مريحاً ومحبباً إلى قلبها.
ولكن حملت نظراتها هذه المرة عتاباً مريراً لأفعاله في سابق أيامه التي استمرت لشهر، ولا زال مداوماً عليها، قطعت مدى أبصارهما الذي طال، فقد استشعرت عتاباً منه هو الآخر، تنهد أركان بقوة، إلى متى سيستمر هذا الجزع بينهما، هو لا يعبه هذا البعد.
زفر مختنقاً مرتشفاً كوب العصير الذي بيده دفعة واحدة، جرت قدماه ناحيتها، وحال ما أصبح ظله الكبير يغطيها من الخلف بعد أن واجهته بظهرها هاربة من أسئلة عينيه، أغمضت عينيها، فهو دوماً يفعل ما يريد، وها هو الآن يفعل حيث شابك يده بيدها غير منتظر رأيها، ولم يعطها مجالاً للتحدث حتى، سحبها لقربه، وسار بها لقرب مكان العريس لتجاريه غير معترضة، والصمت غلف كليهما، يشعر بالراحة أركان وهو يشعر بحرارة أناملها بين يديه.
قرّبها منه لغاية واحدة، جمالها مغرق، وكثير من سيتودد إليها، وغيرته جحيم، سلط عيناه عليها مجدداً، فأين يبصر الجمال إن لم تكن هي، وأيضاً يريد أن يشبع.
صدرت همسات وموسيقى باهجة حينما طلت العروس ببياضها، متقدمة وكفها بيد والدها، تبتسم بهدوء وبلاهة معاً، عيناها تدر نوراً لامعاً وهي تنظر كيف بادلها النظر حبيبها، يقف الجميع لتعبر بينهم في ممر فرش بالورود المتناثرة، خطوة اثنتان ثلاث وها هو الوالد يسلم يد ابنته بعد أن أهداها قبلة أبوية حانية، وأخرى على الجبين لكف من أهدته الأيام فتاة بنقاء روحها، يسلمها لزوجها ضاماً إياه، وكأنه يقول له أصبحت منا؛ لأنك بقلبها لذا احفظها بروحك كلها.
انحنى جاي مقبلاً والد عروسه ممتناً لأنه أهداه دوراً بصدر رحب، ويرجع الأب بضع خطوات إلى الوراء، كف دورا بيد جاي التائه وسط عيني حوريته، يشد على يدها قليلاً وكأنه يخبرها: أصبحت لي.
لتبتسم بخجل على فعلته حانية رأسها مختبئة من مقلتيه، ليضمها بقوة لينة
غير مصدق لجمال واقعه، فتبدأ هي بالتذمر، خرجاً وضربت بخفة على صلب صدره، لها الحق فهو حميمي دون خجل، وله الحق فقد هرم لينال يومه، الجميع يبتسم ويضحك بعلو صوته على تصرفات الثنائي اللطيف، وكيف يزينهما الحب بعذوبة، وما الزواج إلا مُزيدهما جمالاً، وإيڤال تقهقه على صديقتها فهي تعلم كم أن دورا خجولة بشكل كبير، ولكن سعيدة لرؤيتها فرحة صديقتها حتى إنها ومن كثر فرحتها بكت، وتغيرت ردات فعلها اللطيفة بشكل مهلك لمن ترك العالم بشأنه يطالع بتيه فتنة محياها الذي يأسره أكثر فأكثر.
وقليلاً قليلاً ركدت ملامحه حينما تذكر رفضها لمشاعره المغايرة للصداقة نحوه، وتذكر ألمه آنذاك، هو لا يستطيع تخطي ذلك، لا يستطيع نسيان ما قالته بأنهما أصدقاء فقط، لكنه يطمع بأكثر من ذلك، يطمع بها كشريكة درب وحياة كاملة، لا مرحلة من أيامها، زفر بقوة لنغزات الألم التي داهمته فجأة، ولم يستطع عدم البوح بقليل من مكنون قلبه المتكسر ليدنو إليها هامساً بأذنها مرسلاً قشعريرة في كامل جسدها من هدوء صوته وعمقه لهذا القرب، لكن ما حملته كلماته ليس بهين:
- "أتعلمين، كان بإمكاننا أن نكون مثلهما، لا تسعنا الفرحة ليوم كهذا، ولكنكِ قاسية وبشدة إيڤال، وأنانية أنت يا صديقتي لقد خذلت قلبي".
**
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.