ملاحظة هامة قبل البدء: هذه المراجعة تحتوي على حرق للفيلم.
أعترف أننى لستُ من محبي المخرج والمنتج وكاتب السيناريو الأمريكي الشهير كوينتين تارانتينو. صحيح أني شاهدتُ له Kill Bill بإصداريه الأول والثاني، والذي أعجبني جدًا، وكذلك فيلمه الأشهر الذي أطلق نجوميته كمخرج وكاتب سيناريو متميز Pulp Fiction، وقد اكتفيت بهذين الفيلمين، ولم أسع حتى لمشاهدة بقية أفلامه. لكن منذ أن صدرت أخبار عن تجهيزه لفيلمه التاسع Once Upon a Time In Hollywood وأنا متحمس لمشاهدته لعدة أسباب:
الأول: الفيلم بطولة نخبة من نجوم هوليوود، على رأسهم ليوناردو دي كابريو، الذي أحمل له إعجابًا خاصًا. هذا الرجل الوسيم الذي "سفَّ" التراب حرفيًا حتى يثبت أهليته كممثل مجتهد، وقبل أن يُتوَّج تعبه هذا بالحصول على جائزة أوسكار أحسن ممثل عن فيلمه The Revenant، بغض النظر عن ملابسات هذا الفوز، ويكفي أن نرى عمل دي كابريو مع مخرج مخضرم مثل مارتن سكورسيزي، حيث قدما مجموعة من الأفلام المتميزة معًا، وكذلك فيلمين مع تارانتينو، هذا الفيلم الذي نتكلم عنه الآن، والفيلم الناجح جدًا Django Unchained، وكذلك عمله مع المخرج الإنجليزي الشهير كريستوفر نولان في فيلمه المتميز Inception
سأعود للحديث عن دي كابريو مجددا خلال هذه المراجعة.
أما بالنسبة لبراد بيت؛ فلستُ من محبيه على الإطلاق، لكنى اهتممتُ بوجود قامة عظيمة مثل آل باتشينو.
الثاني: متعلق بالحقبة الزمنية التي يتناولها تارانتينو 1969، والتي كانت تشهد أول العهد الذهبي للسينما الأمريكية، وظهور سينما أخرى بمفردات جديدة، صنعتها نخبة "العيال فيما بعد" كما يُطلق عليهم في أمريكا، من ضمنهم ستيفن سبيلبيرج، وجورج لوكاس، وفرانسيس فورد كوبولا، وغيرهم، والذين أعادوا تشكيل السينما الأمريكية بشكل مختلف تمامًا عن ذي قبل.
الثالث: هناك واقعة حقيقية يتكئ عليها الفيلم، وهى حادثة مقتل شارون تيت، زوجة المخرج البولندي اليهودي الأشهر رومان بولانسكي، والتي بُقرت بطنها وهي حامل، وأعتقد أن هذه الحادثة قد أثرَّت وجدانيًا على بولانسكي، وربما إلى الآن، والحادثة مشهورة جدًا، حيث برز اسم تشارلز مانسن الذى قامت عصابته بقتل شارون تيت وهي حامل في الشهر الثامن، وقد طُعنت بستة عشر طعنة، وحينما أسمع أن كوينتين تارانتينو سوف يقوم بصناعة فيلم يتكئ على هذه الحادثة فلابد أن أعتدل في مقعدي باهتمام بالغ؛ لأنى أحب تيمة "العالم البديل"، حيث يتم التلاعب بحادثة حقيقية بشكل مختلف، وقد فعلها تارانتينو من قبل في فيلمه Inglourious Basterds.
كل شيء مبشر؛ فلم الانتظار؟
الصدمة الأولى
كانت الصدمة الأولى عندما دخلت قبل عرض الفيلم بدقائق، وكانت القاعة شبه خالية. قلت لنفسي لا بأس. هذا الفيلم ليس تجاريًا، ولابد أن قاعات فيلم ولاد رزق 2 تمتلئ بالمشاهدين الآن.
بعد بدء الفيلم شعرتُ بحماس بالغ. صحيح أن إيقاع الفيلم كان بطيئًا لكن لا بأس. بعد ساعتين و45 دقيقة تقريبًا، وددتُ لو قامت نسختي المشابهة في عالم موازٍ بقتل تارانتينو نفسه!
سأترك عنصر القصة للنهاية لغرضٍ ما في نفسي، سيُفصح لكم عن نفسه في نهاية هذه المراجعة، وسأبدأ بــ...
التمثيل
التمثيل ممتاز. ليوناردو دي كابريو في أحسن حالاته. في البداية لابد أن تعرف أن دي كابريو يقوم بدور ممثل تليفزيون مشهور يُدعى ريك دالتون، ويشهد تراجعًا في مسيرته كممثل، وهو ما يُشعره بالرعب. هل هذا هو المبهر؟ لا، ليس هذا. المبهر أن دي كابريو كان مصابًا بتأتأة جعلته يتلعثم كثيرًا في حواره. في الواقع هو يقوم بعدة أدوار داخل الفيلم، ومشهده الأعظم من وجهة نظري هو ذلك الذي يمثل فيه بفيلم رعاة بقر، ويقوم بدور الشرير، ويحتجز فتاة صغيرة طالبًا الفدية. وله أيضًا مشهد آخر مع نفس الفتاة الصغيرة، وهي تُحضّر لمشاهدها، ويدور بينهما حوار جميل حقًا.
بالنسبة لبراد بيت فقد كان مفاجأة بالنسبة لي. يؤدي دور كليف بوث، الدوبلير الخاص بصديقه، والذي يدعمه ويساعده. كاريزما بيت كانت حاضرة بشكل عجيب، وكان يمثل بشكل يتسق تمامًا مع شخصية رجل لا يهاب الأخطار ولا يخشى المجازفة.
مارجوت روبي كانت باهتة، ربما لأن السيناريو لم يسمح لها بأن تُمثل أصلًا.
بالنسبة لآل باتشينو فكان مخيبًا للآمال. في الواقع كان عاديًا، ومشاهده قليلة، ولم يضف شيئًا للفيلم، ولو تم استبداله بعم عبده مسئول مراجيح مولد النبي فربما أدي الدور أفضل منه.
التصوير والإخراج
التصوير رائع. يبدو جليًا في اللقطات الواسعة للشوارع، والمحال الخارجية، حيث ينقل لنا تارانتينو تلك الحقبة القديمة، وأظن أن من عاصروها فعلًا شعروا بحالة نوستالجيا جارفة. الإخراج ممتاز، لكن هل هذا كافٍ؟
القصة، ثم القصة، ثم القصة.
عندما تشاهد فيلمًا؛ فأنت في الواقع تشاهد قصة، تثير اهتمامك، وتدفعك لأن تُكمل الفرجة، مشهدًا تلو الآخر، حتى تصل للذروة، حيث يقوم الفيلم بشحنك تدريجيًا، وهذا الشحن يكتمل في النهاية، بحيث تسيل دموعك، أو تنفجر من الضحك، أو تشعر بالبلبلة، وتغرق في تساؤلات فلسفية، تفتح لك أبوابً جديدة من التفكير.
هل فعل فيلم Once Upon a Time In Hollywood طوال ثلاث ساعات إلا ربع؟ من وجهة نظري: لا. الفيلم غرق في حالة من الرتابة والملل، بأحداث باهتة لا طعم لها، وبرغم التمثيل الممتاز للنجمين، لكنى لم أتعاطف مع أبطال الفيلم ذرة واحدة، اللهم إلا في عدة مشاهد قليلة راح فيها ريك دالتون يبكي، خوفًا من ضياع مستقبله كممثل، لكن حتى هذا التأثر كان محدودًا وزال سريعًا. ما هو الهدف من صناعة الفيلم يا تارانتينو؟ أعرف أنك تعلمت الإخراج من مشاهدة الأفلام على شرائط الفيديو، وأنك علمت نفسك بنفسك، وتُعدُّ من أعمدة هوليوود، حيث تسبح عكس التيار، وتريد تقديم ما تود أن تقدمه، لكن ما هي رسالتك التي تود إيصالها إلينا في هذا الفيلم؟ دعك من الرسالة: ما رأيك لو تقدم لي فيلمًا ممتعًا. أنت تستطيع فعل ذلك، وقد رأيتك من قبل تفعلها؛ فلماذا خابت معك هذه المرة؟
لقطات طويلة بدون داعٍ، وحوار تقليدي، وكل هذا حتى يقوم تارانتينو بدمج الخطّ الواقعي بخطّ متخيل، حيث تهاجم عصابة مانسن كليف بوث بدلا من شارون تيت، ويلقون مصرعهم بطريقة بشعة تليق مع تاريخ تارانتينو الدموي في أفلام سابقة، ثم تحدث المعجزة التي لم تحدث في الواقع ويلتقي ريك دالتون مع شارون تيت زوجة رومان بولانسكي، وهذا يوحي لنا بأن ثمة ازدهار فني قادم لحياة هذا الممثل المجتهد.
حسنًا، ما الذي يجعلني أهتم بقصة كهذه؟
لهذا عندما تسألني عن رأيي في هذا الفيلم؛ فلا تستغرب عندما اٌقول لك: لا تشاهد Once Upon a Time In Hollywood؛ فهذا الفيلم فيه مللٌ قاتل!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.