لا تحمل همّ الدنيا فإنّها لله، ولا تحمل همّ الرزق فإنّه من عند الله، ولا همّ المستقبل فهو بيد الله، هذه حقائق ينبغي ألا تغيب عن ذهنك وتفكيرك يومًا ما.
فإذا ما غابت، صرت تحمل حملًا ثقيلًا وهَمّاً وكربًا عظيمًا، ليس لك منه انفكاك، ولا حيلة لك في ضمان ازدهار الدنيا ولا في ضمان رزقك أو رزق غيرك، ولا مستقبلك أو مستقبل غيرك، لأن كل هذه الأشياء هي بيد الله يصرفها ويقلبها كيف يشاء.
يعطي من يشاء وكيف يشاء، وفي الوقت الَّذي يشاء على الصفة والهيئة الَّتي يشاء، وإن أراد المريدون ما أرادوا فلن يخرجوا عن إرادة المريد، الفعال لما يريد.
هذه الحقيقة المطلقة ضعها نصب عينيك، وأرح نفسك من التفكير فيما أنت غير مسؤول عنه.
أولًا: الدنيا خالقها هو الله، وهو مدبر أحوالها والمتصرّف في برّها، وبحرها، وأرضها، وسمائها، وجوها، يكلؤها، ويحرسها، ويحفظها
يقول من قوله حق وصدق، في كتابة المنزل: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) الآية 41 من سورة فاطر.
وأنت أيُّها المتحسر على الدنيا الخائف عليها لو لم يحرسك الله بحراسة من عنده ويكلؤك بكلاءته ما كانت لتقوم لك قائمة.
يقول خالق الكون ورازقه وكالؤه وحافظه: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)، الآية 42/43 من سورة الأنبياء.
فإذا ما كان هذا حالك مع نفسك، والَّتي هي من الدنيا كحبة خردل في فلاة شاسعة، فلا تذهب نفسك على الدنيا حسرات، وأنت لست باستطاعتك أن تغيّر شعرة في جسمك، فدع الدنيا لخالقها واعتن بنفسك.
ثانيًا: لا تحمل همّ الرزق
فإن الرازق هو الله، وإن المطلوب منك أنت هو الأخذ بالأسباب، أما الرزق فإن مسبب الأسباب هو الَّذي يأتي به، وهو أرأف بك منك، يعلم سرّك ونجواك، ويعلم ما يكنّه صدرك وما يعلنه، يعلم ما يصلحك وما يفسدك، وخيبر وحكيم يعلم متى يبسط لك الرزق ومتى يقبضه، كل ذلك لحكمة قد أجهلها أنا وأنت لكنها أكيد هي لصالحك.
اعلم يا أخي المتحسر على رزقه أن جميع النصوص الدينية تؤكد المعنى الَّذي ذكرناه، بل ونحرص على التذكير به كلما أتيحت لنا الفرصة.
يقول سبحانه وتعالى، (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، الآية 6 من سورة هود.
إذن بناءً على هذا، فإن كل ما يدبّ على الأرض من إنسان وحيوانات وحشرات بل كل شيء تدبّ الحياة فيه فالله هو المتكفل برزقه، وأن الله لا ولن ينساك أبداً، فرزقك حتمًا سيصل إليك سواء كان قليلًا أو كثيرًا، لأنه سبحانه في كبريائه وعليائه لا يضل ولا ينسى، قال تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلِك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، الآية 64 من سورة مريم.
ويقول في موضعٍ آخر: (قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى الآية) 51 من سورة طه.
فرزقك الَّذي قدر لك أزليا، والَّذي كتبه القلم في اللّوح المحفوظ سيصلك حتماً، فأنت مسيّر فيه ولست بمخير، لن تزيد فلسًا على ما قدّر لك، ولن تستطيع أن تنقص فلسًا أو نصفه عمّا قدّر لك، يقول نبينا المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه في الأرض والسماء: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله واجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه فيما حرم الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته.
الحديث مروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وسنده حسن صحيح كما ورد في صحيح الترغيب والترهيب للمحدث الألباني رحمه الله.
وورد بنفس المعنى عن أبي أمامة الباهلي، وسنده صحيح أيضاً كما في الجامع الصحيح للألباني.
أخي المتحسر الخائف الوجل على رزقه، اعلم أنك مطالب بالأخذ بالأسباب، أما النتائج فتبقى من اختصاص مسبب الأسباب، لكن السؤال المطروح هو إذا كان الرزق مضمونًا فلماذا الأخذ بالأسباب؟ ما دام أنه مضمون... الجواب الأخذ بالأسباب هو من السنن الكونيّة الَّتي لا تحابي أحداً، يقول سبحانه وتعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)، الآية 62 من سورة الأحزاب.
وهذه السنن جاءت من أجل أن تبقى مصالح الدنيا محفوظة والمنافع مستمرّة وألا تنخرم حياة الإنسان، إذ إن طبيعتها هكذا، فلو جاء الرزق للإنسان بدون أخذه بالأسباب، لفسدت الحياة، ولما وجدنا أحداً يعمل ويكدح في هذه الحياة، ونتيجة لذلك لا يحدث عمران ولا تقدّم ولا ازدهار اقتصاديّ ولا غيره، ولما وصلنا إلى هذه اللحظة الَّتي نعيشها من التقدّم العلميّ والتكنلوجيّ الهائل وهذا هو السبب في جعل الأسباب مرتبطة بمسبّباتها وإن الإنسان ما لم يأخذ بالأسباب لا تكون هناك نتائج.
ثالثًا: لا تهتم للمستقبل فهو بيد الله، يقول القائل: ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة الَّتي أنت فيها
الغيب هو من ضمن المكنونات الَّتي استأثر الله بعلمها لا تتعب نفسك وتتحسر على المستقبل، بل خذ الحيطة والحذر واستعد وخذ بالأسباب، واعلم أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، الآية 33 من سورة لقمان.
إذا علمت هذا فارفع يدك عن هذه الثلاث، واشغل نفسك بأشياء أخرى، قد تكون لك علاقة بها ووكلت إليك فتريح نفسك وتستريح.
مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك
أكيد سأقرأها
شكراً جزيلاً على اهتمامك بالقراءة وبالكتابة والنشر
كلام جميل
وانت أجمل شكرا جزيلا على قراءتك واهتمامك بما كتنباه،
بارك الله فيكم
كلام جميل ومؤثر بارك الله بكم
كلام يسكّن القلب فعلاً، ويذكّر الإنسان بحدوده وبسعة تدبير الله، فيخفّ الحمل عن صدره. حين يوقن المرء أن الدنيا مدبَّرة، والرزق مقسوم، والمستقبل بيد العليم الحكيم، يتحرر من صراعٍ لا طاقة له به، ويتحوّل قلقه إلى سعيٍ هادئ وأخذٍ بالأسباب دون هلع، وخوف، وهذا الفهم لا يدعوه للكسل، بل يمنحه طمأنينة وهو يعمل، وثباتاً وهو ينتظر، ورضاً بما يأتي؛ لأنه يعلم أن ما اختاره الله له أرحم مما يختاره لنفسه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.