تُعد لامية العرب قصيدة فريدة من عيون الشعر الجاهلي، وصاحبها هو الشاعر الصعلوك الشنفرى، فاشتهرت هذه القصيدة على مر العصور، وحظيت باهتمام بالغ من الأدباء والنقاد، ليس فقط في العالم العربي، بل امتد تأثيرها ليجذب انتباه المستشرقين في أنحاء العالم، وعلى الرغم من وجود عدد من اللاميات في الشعر الجاهلي، فإن لامية العرب انفردت بهذه التسمية، وقد يعكس ذلك مكانتها الفريدة ومحتواها الاستثنائي الذي يجسد قيم الفروسية والصعلكة والاعتزاز بالنفس.
يكشف هذا المقال عن الشنفرى وحياته الغامضة، أسباب تسمية قصيدته، اهتمام الأدباء والمستشرقين بها، وتحليل لأبرز القيم والمعاني التي تناولتها هذه اللامية الخالدة.
الشنفرى الشاعر الغامض صاحب اللامية
صاحب لامية العرب هو الشنفرى، والشنفرى هو ابن الأوس بن الغوث بن شيت بن زيد بن كهلان، قالوا: إن الشنفرى لقبه، لكنهم لم يذكروا اسمه، فقد كان عرف بالشنفرى اسمًا، ومعنى الشنفرى البعير الضخم، وقيل هو الرجل عظيم الشفتين.

لماذا سميت لامية العرب بهذا الاسم؟
أما لماذا سميت قصيدته (لامية العرب) مع أن الشعر الجاهلي فيه عدد كبير من اللاميات؛ أي القصائد التي يكون رويّها لامًا، مثل معلقة امرئ القيس، وقصيدة كعب بن زهير بن أبي سلمى (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)، فليس من تعليل وسبب يمكن الركون إليه في تسمية قصيدة الشنفرى لامية العرب دون غيرها من قصائد الشعراء الجاهليين اللاميات، إضافة إلى أن التسمية ليست حديثة أو ناشئة من غرض التفريق بينها وبين لامية العجم للطغرائي التي ظهرت بعد لامية العرب بخمسمئة عام تقريبًا، ولا شك في أن الطغرائي قد نظمها معارضة لقصيدة الشنفرى.
اهتمام الأدباء والمستشرقين بلامية العرب
إذا كانت هذه اللامية للشنفرى قد حظيت بعناية الأدباء القدماء، فشرحها أبو العباس المبرد في القرن الثالث الهجري، ثم شرحها العلامة الزمخشري في القرن الخامس الميلادي، فإن ما حظيت به عند علماء الاستشراق من العناية بنقلها إلى الألمانية والإنجليزية والفرنسية والبولونية والإيطالية، ثم بشرحها شرحًا وافيًا ودراستها دراسة متعمقة يؤكد أنها العمل الأدبي الضخم، ويستحق أن يعنى به عشاق الأدب الرفيع في هذا العصر، وفي كل عصر.

وقد عني بها عناية خاصة فشرحها وحققها الدكتور محمد بديع شريف من أكابر أدباء العراق عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين، وتمتاز دراسة هذا الأديب الكبير لها بمحاولة رائعة رائدة، هي ترتيب أبياتها ترتيبًا بربط بعضها ببعض في المعاني، بغرض إبراز الصور التي جاءت فيها على ما يجب أن تكون عليه، وذلك كما يقول الدكتور محمد بديع شريف؛ لأن الحافظة والرواية فرقت بين البيت وأخيه، وفرقت بين الأبيات والصور المكتملة التي كان الشاعر يريد رسمها.
يقول الدكتور محمد بديع شريف عن الشنفرى: «إن سيرته غامضة، وزمان ولادته مبهم، ومكان وجوده لا يتبين المرء فيه إلا بصيصًا من شعاع يضيء بما جاء إلينا عن شراح قصيدته والمعنيين بشأنه من رواد الأدب والرواية، ذلك لأن تاريخ فتيان الجاهلية لم ينقش على الأحجار، ولم يكتب على الرقوق، بل كان يحفظ في الصدور».
كان يضرب به المثل في العدو، فيقال: (أعدى من الشنفرى)، وكان معاصرًا لتأبط شرًا الذي عاش قبل مبعث النبوة بقليل، والحديث عن سيرته طويل وعريض فيه طرافة، وفيه ضرب من خرافة.
من الخرافة في أخباره، أو مما يدخل في بابها ومفهومها أنه في أيام صباه أو طفولته وقع أسيرًا في بني شبابة من بني فهم، ثم حدث أن فدت قبيلة بني شبابة هذه أسيرًا من رجالها لدى بني سلامان بالشنفرى، فبقي عند بني سلامان معتقدًا أنه منهم، وكان في كنف رجل له خلطة بأهله وولده، لكن إحدى بنات هذا الرجل لطمت الشنفرى وأنكرت أنه أخوها، فعزت الإهانة عليه، فذهب إلى أبيها، وسأله: ممن أنا؟ فلما قال الرجل: أنت من الأوس بن حجر من الأزد، توعده الشنفرى قائلًا: سأقتل منكم مئة رجل جزاء فعلتكم معي، ثم بدأ بالرجل أبي الفتاة فقتله، وظل يترصد ويتصيد رجال هذه القبيلة، فقتل منهم تسعة وتسعين إلى أن ترصد له اثنان منها، فأسراه وأخذا سلاحه وقطعا يده، ثم قتلاه، لكن بقي واحد من العدد الذي حلف الشنفرى أن يبلغه من قتل رجالهم حيًا، لكن جمجمته بعد موته أكملت العدد، إذ ضربها رجل من القبيلة بقدمه، فعقرته ومات، وبه تم العدد الذي عزم على قتله الشنفرى.
ويقول الدكتور محمد بديع شريف عن هذه الخرافة وعما عرف به الشنفرى من القدرة الفائقة على العدو، وعن القصص التي تروى عن هذه القدرة، وقدرة أمثاله من العدائين المشهورين: «هذه قصص وروايات، تكتب تارة وتروى، وتارة أخرى تنقش على الصخر أو الفخار، وأحيانًا لا تكتب ولا تنقش، لكن تتناقلها الألسن مما حفظ في الصدور، وفي كثير من الأحيان تكون شعرًا صرفًا، أو تكون شرحًا لشعر، وفي بعضها تكون نثرًا وشعرًا، وغاية كل هذه الروايات والأشعار تربية أجيال تلك الأمم على القوة والعزم».
قيم ومعاني في لامية العرب
الشنفرى في لاميته كما يراه الدكتور محمد بديع شريف: «يطلب من قومه الجد في عظائم الأمور، فإن لم يفعلوا، فهو يهجرهم إلى وحوش الفلا، إلى الذئب والنمر والضبع، إلى هذه العشيرة التي يقول إنها تحمي الجار، وترعى الذمة، وتحفظ السر، إلى هذه المرابع التي تعيش فيها هذه الكائنات القوية، التي يجد فيها الحر الكريم منأى عن الأذى والذلة، إذ فيها متسع لحفظ كرامته، وفيها مواطن عزه بين إباة بواسل يرى نفسه فيهم أشد إباء، وأكثر شجاعة وإقدامًا عند الكر، وهو أليف هموم، وهو مهزوم عريان حاف لا يخشى حرًا ولا بردًا، يتزمل بالصبر مع حزم في قلب تغيره الإرادة مثل قلب الذئب».

ثم هو رجل لا يستبد به الخجل، وليس همه أن يتدهن ويتكحل ويتلهى مع الحسان بالغزل، فإذا أصابه الجوع طوى أمعاءه عليه، حتى يميته فتذهل نفسه عنه، ولا تمتد يده إلى أحد ولو أدى به الألم من الجوع أن يستف تراب الأرض، فإذا مدت موائد بالطعام فإن يده آخر ما تمتد إليه لسعة فضله على الغير، وعنده أن الغنى ليس صعب المنال على من يضرب في الأرض، والثروة والفقر عنده أمران عارضان يذهبان ويجيئان.
وهو سريع العدو، يسابق القطا إلى الماء على أنها أسرع الطير وردًا، وهو يغزو أعداءه في الليلة شديدة البرد، فلا تثنيه عقبة، فيقاتل ويقتل، ويترك وراءه الأرامل والأيتام، ويعود من غزوته والليل لا تزال فحمته في لمة الفجر.
أهمية دراسة لامية العرب (نشيد الصحراء)
المستشرق جورج يعقوب أحد المستشرقين الذين عنوا عناية كبيرة بدراسة لامية العرب والشنفرى يسمي هذه اللامية : (نشيد الصحراء)، ويذهب إلى أن مواطنها، تلك المرابع من جنوب مكة، بين الجبال التي تقع في شمال اليمن، حيث مضارب الأزد عشيرة الشاعر، فهي نتاج ابن الجبال، الذي يقطع المفاوز ويمشي في القفار، ويتخذ من الوحوش الضواري عشرة يحط رحاله عندها، بل من قومه الذين لا يحذرون الأخطار ولا يتوقعون الشرور، والمستشرق جورج يعقوب -فيما نقله عنه الدكتور محمد بديع شريف- يرى أن هذه القصيدة أصدق قطعة شعرية في أغاني الصحراء.
ويقول:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن *** بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
ويقول:
أديم مطال الجوع حتى أميته *** وأضرب عنه الذكر صفحًا فأذهل
وأستف ترب الأرض كيلا يرى له *** علي من الطول امرؤ متطول
ويصف ليلة من ليالي غزواته فيقول:
وليلة نحسٍ يصطلي القوس ربها *** وأقطعه اللائي بها يتنبلُ
دعست على غطش وبغش وصحبتي *** سُعار وإرزيز ووجر وأَفكلُ
فأيَّمت نسوانًا وأيتمت إلدة *** وعدت كما أبدأت والليل أليلُ
ولا شك أنه مما يحجب لامية العرب عن مدارك الناشئين مفردات اللغة فيها، وهي في هذا لا تختلف عن الشعر الجاهلي كله الذي أصبح يندر أن تجد من يحفظ شيئًا من نصوصه بين أبنائنا من الجيل الصاعد، ولذلك فإن ما يتطلبه التعلق بالتراث، لا سيما هذا النوع الذي يذكي مشاعر العزة والاعتزاز، وينعش حوافز الطموح أن تُعنى دوائر التعليم في العالم العربي عامة وفي المملكة العربية السعودية خاصة بدراسة هذه النصوص، وشرح مفردات اللغة التي تحجبها عن مدارك الناشئة.
ولعل اهتمام الغرب بقصيدة (لامية العرب) إلى حد نقلها إلى أكثر من سبع لغات حية، يلفتنا إلى ما فيها وفي أمثالها من مكامن القوة والجمال، فنوليها بعض ما تستحق من عناية بالدراسة والشرح والتناول القوي حتى في الطباعة والنشر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.