ثلاثية «ثلاثة ألوان» وعبقرية كييشلوفسكي في السينما الوجودية

يُعد كريشتوف كييشلوفسكي أحد أشهر المخرجين وكتاب السيناريو البولنديين، وأبرز مخرجي أوروبا في القرن العشرين، بدأ حياته الفنية بإخراج الأفلام الوثائقية، ثم انتقل إلى صناعة أفلامه الروائية الطويلة، وتميزت أعماله بمزجها الفريد بين البعد الإنساني والفلسفي.

نال كييشلوفسكي تقديرًا عالميًا بعد إنتاج ما كان في الأصل مسلسلًا تلفزيونيًا مكوّنًا من عشر حلقات مستقلة، تُعد كل منها فيلمًا قائمًا بذاته، ناقش كييشلوفسكي في مسلسله (ديكالوج) الوصايا العشر الواردة في الكتاب المقدس، وتميزت (ثيمات) الحلقات بالصراع بين الخير والشر، والإيمان والعقل، والإرادة الحرة في الاختيار، إضافة إلى المعضلات الأخلاقية في الحياة اليومية.

حظيت هذه الحلقات أو الأفلام القصيرة بإشادة واسعة على المستوى العالمي، فقد وصفها المخرج ستانلي كوبريك بأنها من الأعمال القليلة التي يمكن وصفها بـ"التحفة الفنية" في السنوات الأخيرة، وقد حصل مسلسل (ديكالوج) على جوائز في عدة مهرجانات عالمية، مثل مهرجاني فينيسيا وكان، إضافة إلى عدد كبير من المهرجانات الدولية، على الرغم من أنه لم يُنتج أصلًا للعرض السينمائي.

ناقش كييشلوفسكي  في مسلسله (ديكالوج) الوصايا العشر الواردة  في الكتاب المقدس وتميزت (ثيمات) الحلقات بالصراع

بعد الانتهاء من هذا العمل قرر كييشلوفسكي مغادرة بولندا والانتقال إلى فرنسا.

أسباب مغادرة كريشتوف كييشلوفسكي بولندا والانتقال إلى فرنسا

نستعرض أسباب مغادرة كريشتوف كييشلوفسكي بولندا وانتقاله إلى فرنسا، وأهمها:

التحديّات السياسية

لطالما اصطدمت أفلام كييشلوفسكي بالنظام الشيوعي السلطوي في بولندا، فقد منع أحد أفلامه من العرض بسبب محتواه السياسي الذي يدعم حرية الفرد ضد السلطة، حتى بعد سقوط النظام الشيوعي، ظل كييشلوفسكي يكافح من أجل تأمين تمويل إنتاج أفلامه، وكان هذا من الأسباب التي دفعته إلى البحث عن بيئة تعطيه حرية أكبر واستقرارًا ماديًا أفضل.

الإحباط من المشهد السينمائي المحلي

كان كييشلوفسكي يرى أن النقاد البولنديين أساؤوا فهم أعماله، فهم قد ركزوا على تفسيرات سياسية واجتماعية، في حين كان يسعى إلى استكشاف قضايا وجودية وأخلاقية أعمق، هذا الشعور بسوء الفهم كان أحد العوامل التي دفعته إلى البحث عن فرص فنية خارج بلاده.

الانفتاح على الإنتاج الدولي

بحلول أواخر الثمانينيات نالت أفلام كييشلوفسكي شهرة دولية واسعة، ما أتاح له فرصة التعاون مع منتجين واستوديوهات خارج بولندا، ومن أبرز أعماله في تلك المدة فيلم (الحياة المزدوجة لفيرونيك) و(ثلاثية "ثلاثة ألوان")، وهي صلب مقالنا.

بحلول أواخر الثمانينيات نالت أفلام كييشلوفسكي شهرة دولية واسعة ما أتاح له فرصة التعاون مع منتجين خارج بولندا

ثلاثية (ثلاثة ألوان)

استوحى كييشلوفسكي ثلاثيته من ألوان العلم الفرنسي؛ الأزرق والأبيض والأحمر، فجعل كل لون يمثل مبدأً من مبادئ الثورة الفرنسية، فالأزرق يرمز إلى الحرية، والأبيض يرمز إلى المساواة، والأحمر يرمز إلى الأخوة.

وكما هي عادة كييشلوفسكي لم يعالج أفكاره بأسلوب صاخب أو شعاراتي، بل بتجارب إنسانية وأسلوب هادئ متأمل، يمزج بين الصمت والموسيقى والتفاصيل اليومية.

تعدّ (ثلاثة ألوان) أكثر من ثلاثة أفلام فحسب؛ إنها تجربة فكرية وفنية متكاملة، اختزل فيها كييشلوفسكي نظرته إلى العالم، وودّع بها السينما قبل أن يعتزلها رسميًّا، ويفارق الحياة بعد ذلك بسنوات قليلة.

ثلاثة ألوان.. الأزرق

كان الجزء الأول من الثلاثية يحمل عنوان (الأزرق)، ويركز على معنى الحرية، يروي قصة (جولي) التي فقدت زوجها وابنتها في حادث سيارة، تشعر جولي بأنها فقدت ذاتها بعد خسارتها كل شيء، وانهيار حياتها السابقة، تبدأ رحلة (جولي) من الألم والبحث عن هويتها بعد أن انهار كل ما كان يمثلها، من كونها أمًا وزوجة، وترفض التعلق بأي شيء ظنًا منها أن عدم التعلق وعدم الحب يمنحها الحرية التي كانت تبحث عنها؛ أي الحرية من الألم الذي كانت تعانيه.

ويُعتقد أن هذا كان نتيجة لحياة كييشلوفسكي نفسه بعد هجْره وطنه بولندا بحثًا عن موطن جديد، تاركًا خلفه كثيرًا من التعلقات، لكن في نهاية الفيلم تدرك (جولي) أن الحرية الحقيقية تكمن في تقبل الألم الذي كانت تهرب منه، وفي تقبل ذاتها ومنحها فرصة للحياة والحب من جديد.

ويُعتقد أن هذا هو الدرس الذي وصل إليه كييشلوفسكي، فتركه حياته السابقة وأحباءه والأمكنة التي اعتاد عليها مكّنه من أن يبدأ حياة جديدة، مثل (جولي) بتقبل الألم الذي يعانيه، وفي الوقت ذاته تقبل ذاته ومنحها فرصة أخرى للحياة.

ثلاثة ألوان.. الأبيض

في هذا الجزء يتناول كييشلوفسكي موضوع المساواة، ويبدأ الفيلم بقصة مواطن بولندي يقف أمام المحكمة الفرنسية، وتطلب زوجته الفرنسية الطلاق بسبب عجزه الجنسي، يحاول (كارول) بطل الفيلم الدفاع عن نفسه، لكنه يجد صعوبة كبيرة في التواصل، كونه في بلد غير بلده، ولا يتقن لغتها، ما يزيد تعقيد موقفه أمام زوجته التي لا تقدر الصعوبات التي يواجهها في التكيف مع الحواجز الثقافية واللغوية.

يشعر (كارول) بعدم المساواة والذل، فينطلق في رحلة طويلة تعيده إلى موطنه، فيبدأ بصنع المال، ويقرر تزييف موته، ويضع كل ممتلكاته باسم زوجته، وعندما تحضر إلى بولندا، تفاجأ بأنها تواجه اتهامات بأنها من دبرت موته لكي ترث ثروته، فتجد نفسها مضطرة للدفاع عن نفسها بلغة ليست لغتها، وفي بلد ليس بلدها.

على الرغم من كل ما حدث، يقف (كارول) في نهاية الفيلم أمام زنزانة زوجته، وعيونه تفيض بالدموع والمحبة، ومع كل ما مرّ بهما يبقى حبّه لها حيًا في داخله.

يترك كييشلوفسكي في هذا الفيلم أسئلة عدة مفتوحة: هل كان كل هذا ليحدث لو شعر (كارول) بالمساواة من البداية؟ هل يمكن للانتقام أن يحقق المساواة؟ ماذا تعني المساواة دون غفران؟ هل نحن قادرون على أن نبدأ صفحة بيضاء جديدة؟

ثلاثة ألوان.. الأحمر

يُعد الجزء الثالث من الثلاثية (الأحمر) تعبيرًا عن الأخوّة والعلاقات الإنسانية، يحكي الفيلم قصة (فالنتين)، عارضة أزياء تواجه تحديات في حياتها المهنية تدفعها نحو البحث عن معنى أعمق للحياة، تكوِّن (فالنتين) علاقة صداقة بقاضٍ متقاعد يراقب جيرانه سرًّا عبر جهاز لاسلكي، يجمعهما فضول مشترك تجاه حياة الآخرين، لكنهما في الوقت ذاته يكشفان عن عمق الوحدة والانفصال في حياتهما.

يشهد الفيلم تحوّلًا كبيرًا في حياة (فالنتين) والقاضي، فهي تصبح أكثر وعيًا واتصالًا بذاتها ومسؤولياتها، وبفضل علاقتها بالقاضي يمر هو الآخر بمرحلة من كسر جدار العزلة الذي كان يعيش فيه، ليُظهر عاطفته وإنسانيته واستعداده للتواصل مع الآخرين مرة أخرى.

يُبرز الفيلم كيف يمكن لشخصين مختلفين في مراحل مختلفة من حياتهما، ومن خلفيات متباينة أن يجدوا نقطة التقاء إنسانية تُعيد تشكيل وجودهما، من الانعزال والسطحية إلى التواصل والعمق، يختبر كلاهما التحرر من الوحدة والاغتراب، ويجدان في علاقتهما ببعضهما بعضًا ومع المجتمع نوعًا من الأخوّة التي تملأ فراغ حياتهما.

نهاية الثلاثية

تُختتم الثلاثية بمشهد غرق مركب كبير كانت على متنه شخصيات الثلاثية جميعها، ينجو منهم أزواج الحب في كل فيلم من الثلاثة، كأن كييشلوفسكي يصور الحب مركب الإنقاذ للشخصيات جميعها في رحلاتهم المتنوعة من العزلة واليأس والظلم، نحو الطمأنينة والإنسانية وفهم الذات.

استوحى كييشلوفسكي ثلاثيته من ألوان العلم الفرنسي الأزرق والأبيض والأحمر فجعل كل لون يمثل مبدأً من مبادئ الثورة

وفي الختام أعلن كريشتوف كييشلوفسكي اعتزاله بعد انتهائه من ثلاثية الألوان، ولم يمضِ وقت طويل حتى وافته المنية إثر أزمة قلبية مفاجئة، كان كييشلوفسكي فنانًا شديد الحساسية، يعاني شعورًا دائمًا بالوحدة والاغتراب، حتى وهو صانع أفلام لم يجد دائمًا من يفهم عمق ما كان يحاول التعبير عنه، ومع ذلك لا يوجد أي شك في أنه مبدع فذ وملهم لكثيرين من معاصريه، ومن جاؤوا بعده، وقد لخّص إحساسه العميق بالعزلة بقوله: «في بعض الأحيان، أظن أن حياتي كلها مراقبة صامتة لأناسٍ لا يمكنني أن أصل إليهم». 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.