كيف يُمكن "ترويض" مرض السكري للمحافظة على صحة الكبد؟

في العقود الأخيرة.. ازداد مُعدل انتشار مرض السكري، وأمراض الكبد المزمنة والمتنوعة. وكثيراً ما يُلقى الضوء على مضاعفات السكري على العين، والقدمين، والأعصاب، والقلب، والأوعية الدموية، والكلى، والجلد، والجهاز التناسلي الخ. لكن هذا الأمر لم يتحقق بالأمر الكافي بالنسبة للكبد. وما أدراك ما الكبد، ومشكلاته؟ فما العلاقة بين هاتين المُشكلتين الصحيتين.. الأوسع انتشاراً؟ وكيف يُمكن "ترويض" مرض السكري، فضلاً عن المحافظة على صحة الكبد، وعافيته؟

يُعدّ السكري من أسرع الأمراض انتشاراً في العالم. فمن كل خمسة وعشرين شخصاً يوجد مصاب واحد به. وقد بلغ عدد مرضاه نحو 230 مليون شخص، ويتوقع أن يزداد العدد إلى 370 مليون عام 2030م. وحسب الجمعية الأمريكية للسكري.. يوجد نحو 24 مليون أمريكي مصابون بالنوع الثاني من السكري. وعربياً.. تتراوح نسبة الإصابة في بلدان مجلس التعاون الخليجي على سبيل المثال بين 15 -20% من السكان.

فهناك شخص بين كل خمسة أشخاص في دولة الإمارات مصاب بالمرض، وتحتل الإمارات المرتبة الثانية عالمياً في نسبة الإصابة بالسكري (19.5%)، ثم المملكة العربية السعودية (16.7%)، فالبحرين (15.2%) والكويت (14.4 (%. أمّا معدل انتشاره في مصر فمن 5- 8%، ويتراوح عدد المصريين المصابين به ما بين 4-6 مليون شخص على الأقل.

وعلى الجانب الآخر.. تُشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية WHO إلى أن أمراض الكبد تهدّد أكثر من 170 مليون شخص في العالم. وتعتبر من الأمراض المنتشرة في المنطقة العربية. حيث تصل نسبة حاملي فيروس الكبد (ب) إلى 10% ونسبة انتشار الفيروس (ج) إلى 15%. وتتحوّل نسب كبيرة من هذه الحالات إلى تليف وسرطان وفشل كبدي. وهذه الأرقام العالمية والمحلية تنذر بخطورة كبيرة.

والسكري داء يعجز فيه الجسم عن التكيُّف والتعامل طبيعياً مع السكر. ومنذ العام 1959م تم التعرُّف على نوعين منه: الأول يظهر غالباً في فترة الطفولة/ المراهقة، وينتج عن قلة أو انعدام إفراز هرمون الأنسولين في الجسم. وغالباً تعتمد السيطرة على هذا النوع (الفئة 1) على حقن الأنسولين.

وهناك (الفئة 2) الذي غالباً ما يحدث بعد سن الأربعين. وفيه يفرز الجسم الأنسولين بكميات غير كافية، أو لا يستطيع أن يستخدمها الاستخدام الأمثل. ويمكن السيطرة على هذا النوع بواسطة الحمية أو تناول الأدوية الفموية أو الاثنين معاً، وقد تتطلّب بعض الحالات استخدام حقن الأنسولين.

بينما يؤكّد الطب الحديث على دور الكبد، و"مكابدته" من أجل عافية البدن: فهو أكبر عضو غددي في جسم الإنسان، ويزن في البالغين حوالي ثلاثة أرطال. ويقع في الجانب الأيمن العلوي من البطن أسفل الحجاب الحاجز. ويقوم الكبد بالكثير من الوظائف الهامّة، والعمليات الحيوية.

فهو “مصنع" كيميائيّ يعمل ليل نهار ليقوم بتخليق وتنظيم وإفراز العديد من الكيماويات اللازمة لاستمرار وظائف البدن في أفضل صورة. فيصنع البروتينات مثل الألبومين Albumin، والذي عندما تقل كميته يتمّ احتجاز الماء بأنسجة الجسد فتتورم، كما ينتج بروتينات تجلط الدم كالفيبرينوجين، والتي عند نقصانها يتعرّض المريض للنزف الدموي. ويصنع الكبد البروتينات الدهنية Lipoprotein، والجليسردات الثلاثة  Triglycerides والدهون الفسفورية Phospholipids.

ويفرز السائل المراري، الصفراء Bile، الذي يذيب الدهون أثناء الهضم بالأمعاء (راجع د. ناصر أحمد سنه: أكبادنا تكابد من أجلنا.. فكيف نحافظ عليها؟، مجلة العربي، العدد:585، رجب 1428هـ ـ أغسطس 2007م، ص:158-163 الكويت).

ويُساعد الكبد على فتح الشهية للطعام، كما يقوم بتنظيم والمحافظة على مستوى الكولسترول "منخفض الكثافة HDL، وعالي الكثافة HDL "والجلوكوز بالدم، وما يزيد عن الحاجة من الأخير يخزنه كنشا حيواني Glycogen ليحوله لسكر عند الحاجة. كما يمكنه تخزين البروتينات والدهون وتحويلها إلى سكر.

وله أهميته في تخزين الفيتامينات التي تذوب في الدهون (Vitamins A, D, E and K) والفولات، وفيتامين ب 12 والأملاح المعدنية والنحاس والحديد. والكبد "مصفاة" هامّة ومرشح قدير للتخلُّص من نفايات وسموم الجسم مثل الأمونيا "النشادر"، فيحولها لبولينا Urea ومن ثم تفرز بالكلى مع البول، وفي حالة اعتلال الكبد تتراكم الأمونيا بالدم. ويعاني الكبد من أمراض متنوعة وشائعة من أهمّها: اليرقان بأنواعه، التهاب كيس المرارة والحصيات المرارية، احتقان الكبد، الكبد الدهني، الالتهاب الكبدي بأنواعه.. الفيروسي والتسممى، وتليف الكبد.                                                      

الدائرة المُفرغة

في النوع الأول من السكري تكون الأعراض واضحة: زيادة إفراز البول والشعور بالعطش، وفقدان الوزن، والشعور بالإرهاق. وهذه الأعراض أقل وضوحاً/ ظهوراً في النوع الثاني من السكري، فقد يتمّ اكتشاف المرض بعد سنوات من الإصابة به، ممّا قد ينعكس على حدوث المضاعفات الخطيرة. وغالباً.. ما تحدث أمراض الكبد التي تصاحب وجود مرض السكري ببطء، ودون أعراض واضحة. وقد تُكتشف مصادفة عبر فحوص مطلوبة من مريض السكري. وقد يحدث العكس.. حيث يُطلب من مريض الكبد، عند زارته لطبيبه المُعالج، إجراء تحليلاً لنسبة السكر بالدم، فيتبين ارتفاع مستواه. وبذلك تجتمع المشكلتان.. مشكلة مرض السكري، ومشكلة أمراض الكبد، وكأنهما في "دائرة مُفرغة".

وتنقسم هذه "الدائرة" لنصفين. النصف الأول، وفيه تحدث أمراض الكبد نتيجة للسكري. حيث يتسبّب النوع الثاني من مرض السكري في نحو 80 % من هذه الحالات. بينما يحدث تراكم للدهون في خلايا الكبد (الكبد الدهني). ممّا يسبب التهابات الكبد الدهنية (غير الكحولية) في نحو 40-70 % من مرضى السكري. ولا يوجد ارتباط وثيق بين تدهن الكبد ودرجة انضباط مستوى سكر الدم. ومع تراكم الجليكوجين في خلايا الكبد (بسبب التفاوت الكبير في مستوى السكر بالدم).. قد يتسبّب في تضخم الكبد واضطراب وظائفه.

أمّا تليّف، وسرطان الكبد، والبنكرياس، فقد يحدث في نحو 4- 8% من مرضى السكري. وخطر الإصابة بهما أعلى بثلاث مرّات مقارنة بغيرهم من غير المرضى بالسكري. كما يُشار إلى أن مرض السكري قد يقف وراء ارتفاع نسب حدوث التهابات مزمنة بالحويصلة المرارية، والمساعدة على حدوث حصيات بها.

ولوجود عوامل أخرى كالبدانة وارتفاع مستوى دهون الدم. هذا.. فضلاً عن أن الكبد قد يعاني من بعض التأثيرات الجانبية السلبية لأدوية علاج السكري عبر الفم. وخاصّة إذا كانت هناك أعراض كبدية غير ظاهرية (انظر د. أسعد الدويني: مرض السكر، وحش يُمكن ترويضه، مكتبة الهلال، للنشر والتوزيع، ط 1، 2010م، ص: 185- 186). وبالنسبة لمتعاطي حقن الإنسولين.. فاستخدام سرنجات الحقن المتكرر والمتبادل (خاصّة مع مصاب بعدوى فيروسية كبدية) قد يؤدّي إلى الإصابة بها. كذلك الاستخدام المشترك لأجهزة تحليل السكر؛ لذا يجب مراعاة الحرص والحذر في هذه الجوانب.

والنصف الثاني من الدائرة: عندما يحدث مرض السكري نتيجة لأمراض الكبد، وذلك في نحو 25% من المصابين بفيروس التهاب الكبد الوبائي (س). وقد يؤدّي العلاج بالإنترفيرون لدى بعض هؤلاء المرضى إلى الإصابة بالسكري. كما قد تؤدّي الإصابة بتليّف الكبد Liver Cirrhosis، وأورامه إلى ظهور مرض السكري عن عدد من المصابين. ذلك لأنه مع حدوث التليّف الكبدي تحُل أنسجة متليّفة محل أنسجة الكبد السليمة وتحيط بها كالعقد. ممّا يعيقه عن وظائفه سابقة الذكر. وهذا التليّف يظهر بعد سنوات من الالتهاب الكبدي المزمن.

كيف يُمكن "ترويض" مرض السكري؟

اتباع العلاج الطبيّ اللازم للسكري حسب حالة كل مريض، وللرياضة فوائدها مثل: تحسين نمط الحياة، والمحافظة على الوزن الصحي، والتخفيف من الضغوط النفسية، وممارستها بشكل منتظم ومعتدل وفعّال تسيطر على السكري، وضغط الدم المرتفع، ومضاعفاتهما؛ لذا فتدريب بدنيّ وعلاج طبيعيّ معتدل ومنتظم (مثل 45 دقيقة ثلاث مرّات أسبوعياً.. من الجري على دواسة متحرّكة، أو سلم صاعد، أو ركوب دراجة، أو المشي، إلى جانب 20 دقيقة من رفع الأثقال) يساعد على خفض دهون الكبد. ومن ثم يعرقل الإصابة بفشل كبدي لدى مرضى النوع الثاني من السكري؛ لذا يجب على مرض السكري اتباع كلّ ما من شأنه حماية "أكبادهم" من أي ضرر قد يلحق بها.

كيف نحافظ على صحة أكبادنا، وعافيتها؟

يراعي تجنب المشاركة في استخدام شفرات الحلاقة، وفرش الأسنان، أو مقصات الأظافر، مع العناية الهامّة بالجروح إن حدثت لفرد من أفراد الأسرة، والتخلُّص من الإفرازات بطريقة صحية، واستخدام الحقن المعقمة ولمرّة واحدة فقط، والتخلُّص منها بطريقة صحية.

ومن الأفضل استعمال العازل الطبي عند مباشرة الزوجة، كما أن إصابة السيدة لا تحول دون حدوث الحمل، لكن حوالي 6% من المواليد يصابون بالعدوى أثناء الولادة. ولا يوجد ما يؤكّد انتقال الفيروس عبر لبن الأم. لكن من الأهمية إجراء تحاليل لهؤلاء الرضع بعد عام من الرضاعة. ولا مجال للتأكيد على منع المريض من التبرع بالدم أو الأعضاء أو الأنسجة.

ويبقى أن التحاليل الطبية للكبد هامّة لمن يتعرّض لوخز الإبر عند التعامل مع المرضى ويخالطهم، ولمن أجري عملية نقل دم ملوّث، أو جراحات الأسنان باستخدام أدوات غير معقمة. ويستلزم العلاج السريع والفعّال حال حدوث وتشخيص أيّ مشكلة بالكبد.

ويبقى أن العيش في بيئة صحية ونظيفة، والمحافظة على نمط حياة وغذاء صحيّ وسليم ومتوازن وبعيد عن الإسراف، من أهمّ أسس الوقاية من العلل والأمراض وبخاصّة علل الكبد وأمراضه.

يقول تعالى: "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين"(الأعراف: 21)، فأصل الأمر في إصلاح الجسد ـ كما يقول ابن المقفع ـ ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب إلا خفافاً، وإن قدر المرء على تعلم جميع منافع الجسد ومضارّه والانتفاع بذلك فهو أفضل".

ويبقى التأكيد على أن كفاءة جهازنا المناعي ـ والذي يحمي علينا صحتنا وعافيتنا ـ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحالتنا النفسية وعللها. فهذه العلل، وغيرها، تسبب مزيداً من المكابدة النفسانية والجسمانية، وهي ليست مؤازرة.. لا لمريض السكري، ولا لصحة وعافية الكبد في شيء. 

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة