كيف يفكر الدماغ؟ وما حقيقة شريحة نيورالينك لاختراق الدماغ؟

تظل كيفية نشوء الأفكار داخل الدماغ البشري لغزًا علميًّا وفلسفيًّا معقدًا، فعلى الرغم من التطور المذهل في علم الأعصاب، لم يُحسم الجدل عن كيفية إنتاج الدماغ (المادي) لشيء غير مادي كالفكرة.

في هذا المقال، نستكشف العلاقة بين العقل والمادة، ونحلل قوة الأفكار وتأثيرها على الجسد عبر ما يُسمى صيدلية الدماغ، ونكشف حقيقة شريحة نيورالينك لاختراق الدماغ، ونجيب عن التساؤل المخيف: هل يمكن اختراق الدماغ في المستقبل؟

سؤال حير الجميع: كيف ينتج الدماغ الأفكار؟

يجب أن ندرك أن الدماغ المادي يفرز أفكارًا غير مادية تؤثر بعمق في وظائفنا الحيوية. ويتجلى تأثير الأفكار الإيجابية على الجسم بتحفيز كيميائية الدماغ (دوبامين وسيروتونين)، ما يدعم الاستشفاء الذاتي للدماغ.

يتجلى تأثير الأفكار الإيجابية على الجسم بتحفيز كيميائية الدماغ

في الصباح والمساء تدور أفكار الدماغ في عقلنا، منها من يدق الباب لفتح التساؤلات، ومنها من هو مندك بتفكيك هذه الأسئلة، منها من يقرع مساعر الحرب، ومنها من هو منشغل بإخمادها.

أفكار لا تنطفئ ولو أُسدل الستار وغط النائم واستثقل، فتجدها تقفز حتى في أحلامنا. حتى عندما نحاول الهروب من الأفكار، أو أن نمنع أنفسنا عنها، فإننا أيضًا نفكر.

كيف يفكر الدماغ؟ المعضلة الفلسفية

مع كل محولات النوع الإنساني لمعرفة كيف نفكر، إلا إننا لم نصل إلى إجابة علمية واضحة تبين لنا كيف تنشأ الأفكار في الدماغ البشري؟ فضلًا على أن نصل إلى كُنه وماهية الفكرة كفكرة.

إن الدماغ هو صندوق مادي، لكن الفكرة ليست مادية، لا حدود أو قياس لها، فلا يمكنك لمس الفكرة، أو وضعها في مختبر على منضدة التنقيب والتحليل.

وحينئذ تثور جملة من الأسئلة عن العلاقة بين العقل والمادة: «كيف يمكن للمادة أن تنتج كُنهًا غير مادي؟ كيف يمكن للدماغ توليد الصوت أو الصورة؟ كيف لنسيج من البروتين والفيتامينات والدهون والكولسترول والماء أن يتحكم في العالم؟ كيف له أن يسيطر على التكنولوجيا ويوجه الصواريخ؟

وهل الأفكار هي نتاج المادة كما قال الفيلسوف الواقعي أرسطوطاليس؟ أم أن المادة هي نتاج الأفكار كما قال أستاذه الفيلسوف المثالي أفلاطون؟

وهل نحن من يتحكم بأفكارنا؟ أم أن أفكارنا هي من تسوق حياتنا؟

النهضة الطبية

كيف يفكر الدماغ الذي يحتوي على 86 مليار خلية، وأكثر من ترليون نقطة اشتباك عصبية؟! إلى الآن لا يوجد تشخيص علمي حقيقي حول كيفية تفكير هذا العضو الصغير.

المصريون القدماء كانوا يعتقدون أن القلب هو من يفكر، وأن الدماغ هو كتلة فقط، والفلاسفة الإغريق كانوا يعتقدون أن الغدد هي من تفكر، وأن الدماغ هو محل للتبريد فقط؟!

قبل 200 عام من وقتنا الحالي وصل العلماء إلى أن هناك آلة هي من تنتج الأفكار، حيث وجدوا أن الأفكار هي نتاج عملية ما داخل شبكتنا العصبية، ومع تقدم العلم على المستوى البيولوجي العصبي، أصبح الآن هناك نهضة طبية للتعرف على الظواهر الدماغية، لكن لم يصل العلم إلى جواب حقيقي عن فهم كيف ينتج الدماغ الأفكار؟ حتى هذه اللحظة!

ما هو التفكير؟ كيميائية الدماغ (دوبامين وسيروتونين)

التفكير هو حالة حيوية ونمط نشاط يتجلى ويختفي، وعند موت الإنسان يتوقف الإنسان عن التفكير، وهذا يؤشر إلى أن غير المادي مربوط بالمادي، فهذه الأفكار مربوطة بالدماغ، وعند موت الدماغ تموت الافكار.

التفكير هو حالة حيوية ونمط نشاط يتجلى ويختفي

إن الفكرة لا تغير البنية المادية للدماغ بشكل مباشر وقتي، وإنما تؤثر على كيميائية عمل أجسامنا بالكامل عبر النواقل العصبية (Neurotransmitters). فمثلًا يتجلى [تأثير الأفكار الإيجابية على الجسم] في استخدام [كيميائية الدماغ (دوبامين وسيروتونين)] (Dopamine and Serotonin)، في حين أن الأفكار السلبية تستخدم (النورأدرينالين، الأدرينالين)، وهي التي تؤثر في شكل حياتنا، فإما أن نكون فرحين وسعداء، أو مكتئبين وتعساء.

عالم الأعصاب (ميغيل نيكوليليس) يقول إن الدماغ يتكيف باستمرار مع ما يحدث من حوله، مستشهدًا أن الكلاب المسنة تتعلم حيلًا جديدة في حياتها، ولا تتوقف على طريقة تفكير واحدة أو حيلة واحدة.

صيدلية الدماغ وقدرة الاستشفاء الذاتي للدماغ

لإدراك قوة الأفكار وتأثيرها على الجسد، يجب أن نعلم أن الدماغ يحتوي ترسانة هائلة من الأدوية التي تؤثر في أجسامنا، فإما تجعله كسولًا أو نشيطًا، مرتاحًا أو قلقًا.

وإلى الآن لم يتم نبش صيدلية الدماغ للاستشفاء الذاتي للجسم بالكامل دون الحاجة إلى العقاقير أو الحقن، على الرغم من أنه ثبتت قدرة الاستشفاء الذاتي للدماغ عبر ما يُسمى العلاج الوهمي (Placebo) والخداع الدماغي في بعض الحالات التي شُفي فيها الجسم من بعض الأمراض، كتحسين حالات داء السكري وتسكين الآلام.

هل يمكن للأفكار الإيجابية أن تعالج الأمراض؟

للإجابة عن هذا التساؤل، ذكرت عالمة الأعصاب الألمانية (أولريكه بينغيل - Ulrike Bingel) أن بعض مرضى القلب الذين خضعوا لعمليات جراحية، وفكروا بطريقة إيجابية بعدها حول أنهم سيسافرون إلى البلدان التي يحبونها، شُفوا تمامًا وبسرعة مذهلة، في المقابل تُوفي الذين كانوا يفكرون بطريقة سلبية. ولقد قيل في الأثر: «لا تمارضوا فتمرضوا».

بفضل متابعتي المستمرة للأبحاث العصبية (Neuroscience)، يمكنني التأكيد على أن العلاج الوهمي ليس خداعًا عابرًا، بل هو تدخل بيولوجي حقيقي. عندما يقتنع العقل الباطن بفكرة الشفاء، يقوم الدماغ حرفيًّا بصرف وصفة طبية داخلية من الإندورفين (مسكنات الألم الطبيعية) ومضادات الالتهاب الذاتية. هذا يثبت قوة الأفكار وتأثيرها في الجسد، وأن الوعي قادر على توجيه المادة الخلوية.

عام 2004 وصل باحثون أمريكيون إلى أن الإنسان يمكنه بناء العضلات بقوة التفكير عبر خداع الدماغ؛ لأنه لا يميز بين الخيال والتصور العميق وبين الواقع، لذلك يمكنك تكرار الفكرة حتى تصبح واقعًا.

وحينئذ نستذكر قصة طالب الطب والعداء (روبرت بانستر - Roger Bannister)، فقال خبراء الرياضة عقود: إنه يستحيل فسيولوجيًّا للإنسان أن يقطع ميلًا واحدًا جريًا خلال 4 دقائق، حتى جاء بانستر وتدرَّب في عقله مرات عدة على كسر المسافة، وفعلًا كسرها في الواقع المادي ليثبت سيطرة العقل.

ولقد أكدت الطبيبة النفسية (إيلين لانغر - Ellen Langer) أن الخلايا العصبية تنشط مجازيًا وحقيقيًا عبر تقنية الإيحاء والتخيل الموجه؛ فالتفكير بالطريقة الإيجابية قد يطيل العمر، ويقي من الأمراض التنكسية مثل ألزهايمر.

اختراق الأفكار وشريحة إيلون ماسك

في تجربة سابقة، تم وضع بعض الأقطاب على دماغ فأر، ثم جعله يحرك مقبضًا، وتم وصل ذلك بجهاز ثم بيد آلية، لتقوم اليد الآلية بالتحرك عبر قوة الإشارة الكهربائية (الذهنية) لدى الفأر. وأُعيدت التجربة لاحقًا على قرد، ونجحت أيضًا في تحريك روبوت آلي بقوة الذهن.

رجل الأعمال (إيلون ماسك) أراد أن ينقل ذلك على البشر لتنمية القدرات الذهنية، ما فتح باب الجدل في حقيقة شريحة نيورالينك لاختراق الدماغ (Neuralink).

حقيقة شريحة نيورالينك لاختراق الدماغ (Neuralink).

ولكن، يجب توضيح فشل هذا الهراء المبالغ فيه علميًّا! فتلتقط الشريحة إشارات حركية (Motor Signals) صغيرة كالضغط على فأرة الكمبيوتر، ولكن لا يمكنك وضع شريحة محمل عليها اللغة الصينية في دماغ رجل عربي، ثم تنزيلها ليتكلم الصينية على الفور؛ لأن اللغة والوعي أفكار مجردة معقدة وليست إشارات حركية.

لذلك، لا يمكن اختراق محتوى أفكارنا حتى الآن. التكنولوجيا تقرأ متى تومض الخلية، لكنها لا تقرأ «بماذا» تفكر الخلية. يظل الدماغ البشري هو الحصن الأخير للحرية المطلقة. وحينئذ أترككم مع سؤال مخيف أختم به للتأمل: هل يمكن اختراق الدماغ في المستقبل؟ وهل يأتي اليوم الذي تُقرصن فيه أفكارنا كما تُقرصن حواسيبنا؟

كيف تنشأ الأفكار في الدماغ البشري؟

علميًّا، تنشأ الفكرة نتيجة لتواصل كيميائي وكهربائي معقد بين مليارات الخلايا العصبية عبر المشابك (Synapses)، ولكن الكيفية التي تتحول بها هذه الإشارات المادية إلى وعي وصورة ذهنية لا تزال لغزًا فلسفيًّا وعلميًّا كبيرًا.

هل يمكن للأفكار الإيجابية أن تعالج الأمراض حقًّا؟

نعم، أثبتت الدراسات أن الإيحاء والتفكير الإيجابي العميق يحفزان صيدلية الدماغ الداخلية لإفراز هرمونات ومواد كيميائية تساعد على تخفيف الألم، تقليل الالتهاب، وتقوية جهاز المناعة فيما يُسمى العلاج الوهمي.

ما حقيقة شريحة نيورالينك لاختراق الدماغ؟

تعمل شريحة شركة Neuralink التابعة لإيلون ماسك واجهة دماغ-حاسوب (BCI)، تلتقط الإشارات الكهربائية المسؤولة عن الحركة لتمكين المصابين بالشلل من التحكم بالأجهزة، لكنها عاجزة تمامًا عن قراءة محتوى الأفكار أو زرع معلومات معقدة كاللغات داخل الدماغ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.