التناص هو مصطلح أدبي يشير إلى استخدام الكاتب نصوصًا أخرى، سواء كانت سابقة أو معاصرة، داخل نصه عن طريق التفاعل والاقتباس والحوار والنقد؛ من أجل إنتاج علاقات ودلالات جديدة وإضفاء أبعاد ثقافية وجمالية للنص، وهو ما يخدم العمل الأدبي بطرق عدة على مستوى تعميق الدلالة وتفعيل القراءة الواعية وخلق الحوارية.
وفي هذا المقال نشرح لك مفهوم التناص، وكيف يخدم العمل الأدبي، وكيف يتقارب مصطلح التناص مع المصطلحات التراثية العربية، وما التقنيات التي يستخدمها الكاتب لعمل التناص الواعي.
ما التناص وما أبرز أشكاله؟
رغم أن استخدام الكاتب نصوص الآخرين وحتى للأساطير والنصوص الدينية يعد أمرًا قديمًا، فإن ظهور مصطلح التناص كمصطلح أدبي جاء على يد الناقدة واللغوية الفرنسية جوليا كريستيفا عام 1966، والتي قالت إن أي نص عبارة عن لوحة فسيفساء من الاستشهادات، وأنه امتصاص وتحويل لنصوص أخرى.
أما عن مفهوم التناص، فيمكن القول إنه إعادة تدوير إبداعي لنصوص أخرى في ذهن وثقافة الكاتب، حيث يستدعي منها ما يتناسب مع فكر نصه ويتفاعل معها بأشكال عدة مثل الحوار والاقتباس والاستشهاد والتضمين، بغرض خلق تجربة فكرية وجمالية تكسر حد النص الواحد.
من أبرز أشكال التناص ما يلي:
- التناص الديني: حيث الاقتباس من النصوص الدينية أو استخدام القصص الدينية في النصوص الأدبية مثل قصة يوسف أو قصة أيوب.
- التناص الأسطوري والتاريخي: أكثر أنواع التناص شيوعًا، حيث يلجأ الكتاب إلى استدعاء الشخصيات التاريخية واستخدام الأحداث التاريخية والأسطورية، وربما التداخل والتفاعل مع القصص المستقرة في الأذهان بالنقد أو التحليل أو التفكيك وإعادة البناء.
- التناص الأدبي: عن طريق استخدام الأعمال الأدبية الأخرى سواء المعاصرة أو القديمة، وسواء بالتضمين أو الإشارة أو الرد، كما يحدث في القصائد التي يكتبها أصحابها ردًا على قصائد أخرى.
- التحويل والمحاكاة: أحد أشكال التناص التي تعتمد على إعادة صياغة الأعمال الأدبية مرة أخرى بأشكال جديدة تتناسب مع العصر أو مع فكر الكاتب.

كيف يخدم التناص العمل الأدبي؟
التناص هو أحد أشكال التفاعل الإبداعي التي ترفع من القيمة الجمالية للعمل الأدبي إذا تم تنفيذه بحرفية ووعي وثقافة عالية من الكاتب لتحقيق المكاسب التالية:
- تعميق الدلالة: لا شك أن التفاعل الذي يشعله التناص في العمل الأدبي يضيف طبقات من المعاني التي لا يمكن إدراكها في القراءة السطحية.
- تعزيز الإبداع: يمنح التناص الكتاب والمبدعين فرصة لإعادة قراءة التراث وتجديده والتفاعل معه وإعادة صياغته بشكل معاصر.
- إثراء النص: يستفيد الكاتب كثيرًا من النصوص الأخرى والمرجعيات الثقافية في إثراء نصه عن طريق تقنيات التناص، بشرط القدرة على استخدامها بوعي كبير.
- تفعيل دور القارئ: يعد التناص من التقنيات التي تخدم عملية القراءة الواعية وتدعو القارئ للمشاركة في التفسير والتحليل واتخاذ موقف، وبالتالي تحتاج تلك النصوص إلى نوعية معينة من القراء.
- خلق الحوارية: من أهم أدوار التناص أنه يخلق حوارية جدلية أو توافقية مع النصوص القديمة، وهو ما يكسر عزلة النص ويجعله يتضافر مع الإبداع الإنساني والتراكم الثقافي.

ما الفرق بين التناص والسرقة الأدبية؟
يختلف التناص تمامًا عن السرقة الأدبية، ويكمن الفرق الجوهري بينهما في عملية الإضافة الإبداعية، وهو ما يظهر في النقاط التالية:
من حيث المفهوم
- التناص تقنية أدبية يستخدمها الكاتب للتفاعل مع النصوص الأخرى داخل نصه ليخلق حالة إبداعية وجمالية متفردة مع الاعتراف الكامل والضمني بوجود النص السابق والاتكاء عليه في بناء النص الجديد.
- السرقة الأدبية عملية سطو يقوم فيها السارق بتقديم النص القديم باعتباره نصه دون أي إضافة فنية أو تغيير جوهري، وهو ما يعد خداعًا وتزييفًا.
من حيث القيمة الفنية
- على المستوى الفني فإن التناص يؤدي إلى ذوبان النص القديم في بناء النص الجديد بمهارة عالية يستمتع بها القراء ويشيدون بالكاتب.
- أما السرقة الأدبية فلا تشهد أي تغيير فني للنص القديم، وبالتالي لا توجد أي إضافة أدبية من السارق، وإنما تجميل النص يأتي على حساب الكاتب الأصلي.
من حيث الموقف النقدي
- يعد التناص ميزة وتقنية إبداعية كبيرة تشير إلى الكاتب المبدع صاحب الثقافة الواسعة وقدرته على التفاعل مع النصوص الأخرى والتراث.
- أما السرقة الأدبية فهي لا شك جريمة أخلاقية تشير إلى وجود سارق بلا ضمير وربما تنهي مسيرته الأدبية إذا تم اكتشافها.
مثال للتوضيح
- في التناص قد يستخدم الكاتب قصة سيدنا يوسف ليصف معاناة إنسان معاصر تم خيانته من قبل إخوته أو أصدقائه، وبالتالي تكون معاناة يوسف مادة تخدم فكر الكاتب في قصته الحالية.
- في السرقة الأدبية يقوم الكاتب بأخذ وصف دقيق لمشهد من رواية أو قصة عالمية ويضعها في قصته أو روايته باعتبارها جزءًا من خياله أو إبداعه الخاص.
ما الأصول العربية لمفهوم التناص؟
عرف العرب التناص منذ قرون طويلة قبل ظهور المصطلح الحداثي على يد جوليا كريستيفا، وقسموا المفهوم إلى 3 دوائر أساسية كالتالي:
الدائرة الجمالية
- الاقتباس: يعتمد على تضمين النص جزءًا أو شيئًا من النص القديم دون التصريح بذلك، ومن أشهر الأمثلة على ذلك تضمين شيء من القرآن أو الحديث.
- التضمين: يختلف التضمين عن الاقتباس في أن الشاعر أو الكاتب يضع ما تم تضمينه بين قوسين، وربما يشير إلى النص الأصلي، ويتم استخدام ذلك لغرض بلاغي.
- المعارضة: ذروة الإبداع العربي القديم في التناص الواعي، حيث يكتب الشاعر قصيدة أخرى على نفس الوزن والقافية للقصيدة القديمة كنوع من التحدي أو الإضافة.
الدائرة الجدلية
- المواردة: أُطلق هذا المصطلح على النصوص التي كانت تتفق مع بعضها في اللفظ والمعنى، إلا أن الشاعرين أو الكاتبين لا يعرفان بعضهما ولم يلتقيا، وبالتالي يتم اعتباره توارد خواطر.
- السلخ والمسخ: من الأشكال غير المحمودة في التناص، إلا أنها كانت موجودة حيث كان الكاتب يأخذ المعنى من النص ويعيد صياغته، إما بلفظ جديد تمامًا أو بأخذ المعنى وتشويهه بلفظ أضعف.
- الاهتدام: أحد أشكال السرقة الأدبية القديمة، والتي كان يقوم فيها الشاعر بسرقة البيت الشعري بالكامل مع تغيير كلمة أو كلمتين فقط.
الدائرة الفلسفية
- المثاقفة: بما أن التناص هو تفاعل بين النصوص وبعضها، فإن العرب قديمًا عرفوا المصطلح حيث كانوا يفرضون على الشاعر قراءة آلاف الأبيات ثم نسيانها وكتابة شعره الخاص بعد ذلك.
- التناص غير الواعي: تلك الأبيات والقصائد التي كان يحفظها الشاعر كانت تتحول دون قصد إلى جزء من ثقافته وإلى مادة خام في لا وعيه لإنتاج النصوص الجديدة، وهو ما يُطلق عليه اليوم التناص غير الواعي.
أخيرًا نخلص إلى أن التناص ليس تكرارًا للنصوص فحسب، بل أداة حية تمنح النص الأدبي أبعادًا لامتناهية من القراءة والتأويل. ومن خلال فهم أشكال التناص والتفريق بينه وبين السرقة الأدبية، يستطيع القارئ تذوق الفن الأدبي بعين ناقدة وواعية، ويستطيع الكاتب مد جسور الحوار بين الماضي والحاضر ليصنع إبداعًا يتجاوز حدود الزمن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.