كيف يخدعك صناع الإعلانات من الباز أفندي وكباريه المكتب وحتى كبدة حاحا؟

لم تكن اللافتة التي تحمل إعلانا للباز أفندي في الفيلم المصري الكلاسيكي "ابن حميدو" هي الأولى من نوعها التي تلفت الانتباه إلى طرافة التفكير في الإعلان كفكرة، فجاءت معبرة عن شخصية الباز أفندي في الفيلم، والتي أداها "توفيق الدقن"، فظهرت تحمل "الباز أفندي.. ساقط توجيهية.. وكيل أعمال وسمسار مراكب وقباني وبالعكس".

اختصر الباز أفندي في تصميم هذه اللافتة عدة وظائف صارت رئيسة في عالم الإعلانات فيما بعد..

لكن هل تطور حقا عالم الإعلانات العربي وصارت به أفكار جديدة أم أنها كلها أفكار مكررة!

اقرأ أيضاً اللوحات الإعلانية

دور الإعلانات المبدع

منذ وقت مبكر قامت أفكار الإعلانات على تلبية الرغبات الحقيقية للمستهلكين، وبعض هذه الإعلانات كان مرتبطا بكذبة تتردد كثيرا في الأفلام العربية، ومنها الكذبة الشهيرة التي يتبناها معظم الأزواج حين يسهرون في ملهى ليلي بأنه كان في المكتب..

أحد أصحاب هذه الملاهي التقط الفكرة، وراهن على مقدار الإبداعية creativity فيها، فجاء إعلان لأحد الكباريهات في الخمسينيات باسم "المكتب"، حتى يستطيع أن يقسم الزوج لزوجته حين يتأخر أنه كان في المكتب؛ لأنهم يخشون عليه بالطبع من تحمل إثم الكذب!!!

لم تكن هناك وظيفة وقتها اسمها ماركتير، لكنهم كانوا يمارسون الماركتنج بالموهبة؛ العجيب حقا أنهم كانوا يحققون كل ما يتطلبه الإعلان الناجح ليكون كاتشي catchy ويحقق الرسالة المرجوة منه بشكل إبداعي وجديد..

منذ البداية استند أصحاب الأعمال إلى حس فكاهة فطري موجود لدى الإنسان، لكن بمرور السنوات لم يعد الحصول على الفكرة سهلا وصارت بعض الشركات تقع في فخ تكرار أفكار قديمة.

وكانت أشهر هذه الإعلانات تلك التي تعتمد على رد فعل المستخدمين على هذا المنتج، من بينها فيديوهات أدوية وأحزمة التخسيس السريع السهل، لنسمع في نهاية الإعلان صوتا مدبلجا تم تركيبه على صورة فتاة صينية وتقول مثلا: "يا إلهي، لقد خسرت ثلاث إنشات"، أو عمل استفتاء يبدو وكأنه مفاجئا لبعض الناس في الشارع، أو في زيارات للبيوت..

في الحقيقة لم تستحدث هذه الإعلانات أسلوبا جديدا، ولم تمثل نقلة في مستوى أفكار الإعلانات.. فهذه الأفكار تم تنفيذها في عام ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين 1938..

اقرأ أيضاً الإعلانات التجارية وآثارها الواضحة على دعم النزعة الاستهلاكية للأطفال

دواء البرد والإنفلونزا "إسبيرو"

في الثاني والعشرين من 22 أبريل عام ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين 1938 نشرت مجلة المصور إعلانا لعلاج جديد لنزلات البرد والإنفلونزا والصداع يسمى "إسبيرو"، وكانت الفكرة الأساسية في الإعلان تقوم على نشر رد الفعل feed back الخاص ببعض العملاء.

ولم يكن الأمر عشوائيا بالطبع، فاستهدفت الشركة المصنعة نشر آراء عميلين من "الوجهاء" بمفهوم تلك الفترة، فكان الرأي الأول للأستاذ محمد محمود، وهو مفتش بحركة التليفونات بالقاهرة، فكتب رسالة للشركة جاء فيها: "أصبت بالزكام الشديد فطاح بي الفؤاد إلى تناول بعض الأقراص من "إسبيرو" ذلك الدواء الناجع الفعال، والآن قد أصبحت في قوة عظيمة وصحة جيدة من مفعول تلك الأقراص ذات الفعل الجبار.

ولا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير لشركة (إسبيرو) والقائمين بها على ما يؤدونه من خدمة للجمهور من عناية تعود عليهم بالصحة والعافية".

ربما هذه اللغة الكلاسيكية تضحكك الآن، لكنها في الحقيقة كانت تحمل الأفكار نفسها، التي تنفذ الآن والتي يسميها خبراء التسويق.

في الصفحة نفسها كانت هناك رسالتان أخريان تدعمان الأولى، الرسالة الأولى من (عبد القادر محمد، ناظر محطة) وأخرى من فؤاد رزق سمير- دبلوم التجارة العليا..

في الثمانينيات صارت المسابقات التي كانت تقيمها شركات المياه الغازية جزءا من ذاكرتنا حتى اليوم، ثم تبعها في ذلك عدد من شركات الحلويات ثم شركات المنظفات، لكن الحقيقة أن تلك الشركات أيضا لم تبتدع هذه الفكرة أيضا.

اقرأ أيضاً الترويج وعناصر تطوير برنامج الإعلان

فكرة معجون الأسنان في الإعلانات

ففي أحد أعداد جريدة المصور في عام ألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين 1937م، تم الإعلان عن مسابقة تعلنها الشركة المصنعة لمعجون الأسنان "الدكتور وست" من خلال البحث عن ثلاثة عشر 13 خطأ في الصورة، وتشير بعض هذه الأخطاء إلى أمور لها علاقة بترويج المنتج، وأهمها إمساك إحدى الضيفات لفرشاة تنظيف الأسنان أثناء وجودها بداخل ما يشبه صالونا في الحفل الذي تصوره اللوحة.

الأهم أن القارئ بعد أن يستخرج الأخطاء الثلاثة عشر 13 عليه أن يرسل الحل بداخل إحدى علب معجون الأسنان "الدكتور وست"، ولكي تشجع الشركة زبائنها الحقيقيين أو المحتملين على شراء أكثر من علبة؛ فقد فتحت الفرصة لأن يرسل المتسابق أكثر من حل بشرط أن يرسل كل حل بداخل إحدى نشرات معجون أسنان الدكتور وست، وهو تطبيق للمبدأ الذي ظهر في إعلانات الثمانينيات "كل ما تشتري أكتر فرصتك في الفوز تكبر".

ولأن التجارة في بعض الأحيان تكون مثل السياسة ولا تعرف المبادئ فقد انتشرت في التسعينيات وبداية الألفينيات دعوات لمقاطعة المنتجات الأمريكية لدعمها لأسباب سياسية؛ انتشرت دعوات أخرى لمقاطعة البضائع الدنماركية على خلفية نشر رسوم كاريكارتورية مسيئة للإسلام، ما ترتب عليه استفادة بعض الشركات المحلية أو الشركات التي لا تحمل جنسية أمريكية من تلك الدعاية.

حملات إعلانية من قبل شركة ريفو 

لكن قد تندهش عزيزي القارئ من أن هذه الفكرة أيضا لم تكن جديدة بأي حال، حيث أسست الشركة المنتجة لأقراص "ريفو" لعلاج الصداع إحدى حملاتها الإعلانية منذ سنوات طويلة على استغلال الحس الوطني لدى البسطاء، فيوضح أحد الإعلانات أن "ريفو" شركة وطنية بديلة عن منتجات الأعداء.

فجاء في الإعلان "إلى أمة العرب.. أموال العرب للعرب.. الدواء العربي بدلا من دواء الأعداء.. ريفو عربي 100%.. وإسبرو إنجليزي 100%" وبخاصة أنه كان من إنتاج الشركة (العربية) للأدوية".

بالطبع كانت طريقة تسويق ريفو وقتها مناسبة لخطاب مصر العروبي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وبخاصة في مواقفه المناهضة للاستعمار وتوابعه بكل أشكاله".

وكما يمكننا الآن استقراء عادات وتقاليد وقيم مجتمعاتنا في هذه الفترة، يمكن كذلك قراءة درجة وعيه وثقافته، فمؤخرا نشر الصحفي بشري محمد عبر صفحته على فيسبوك صورة لإعلان قديم من مجلة المصور عن شركة تبيع منتجين بالتقسيط، أولهما الراديو، والآخر هو (البيانو)؛ ما دفع عديد من الصحفيين والكتاب لاعتبار ذلك مقياسا لمدى إيمان الناس في هذا الوقت بالثقافة وحب المعرفة والفنون.

ومع دخول العالم حقبة كورونا اعتمد بعض المعلنين على صيغ مبتكرة من خلال الأفكار، إذ استغلوا طغيان الحديث عن "كورونا" حتى يحولوا إعلانهم إلى مادة للسخرية من منتجاتهم ذاتها، في حين عمد آخرون إلى الترويج لمنتجات تخص شركات منافسة إلى جانب منتجات شركاتهم في الإعلان ذاته!

صيغة إعلانية غريبة لمطعم يسمى "حاحا"

"لو النهاردة والأيام الجاية طلبتم الأكل دليفري وحسيتم إن طعم السندوتشات متغير.. ما تقلقوش، ده نتيجة إننا بقينا بنغسل إيدينا". هذه الصيغة لإعلان مطعم يسمى "حاحا" للكبدة في مدينة أسيوط المصرية، أحدثت إعلاناته رواجا كبيرا في الأيام الأولى لانتشار كورونا في البلاد، وزاد عدد متابعي صفحة المطعم على فيسبوك كثيرا؛ خاصة أنهم اكتشفوا أن معظم منشوراته، والتي تحث على الابتسامة بطبيعة الحال، كالمنشور الذي يشير إلى رفع مستوى قائمة الطعام (المنيو).

لم تتوقف السخرية عند هذه الحدود، لأنها وصلت إلى درجة التمليح بأن المطعم قد يقدم لحوم كلاب وقطط عبر عديد من الكوميكسات، تسيطر الكوميديا على صفحة المطعم الذي يتضح من خلال الردود على المتابعين أنه مملوك لشاب مصري بسيط، وأنه هو نفسه من يقوم بكتابة محتوى الإعلانات والمنشورات والرد على التعليقات. إذ يمكنك أن تقرأ مثلا "بوست" لأحد زبائن المطعم بعد فرض حظر التجول يقول فيه: "كان نفسي آكل كبدة وسجق عند حاحا قبل نهاية العالم"، ليأتي رد الصفحة: "الحمد لله ربنا نجدك".

وبعد أسابيع من الإعلان عن انتشار "كورونا" كوباء عالمي تداول رواد التواصل الاجتماعي فيديو لإعلان غريب في المضمون لم نعتد عليه أبدا في عالم الدعاية.

الإعلان كان لشركة الصابون العالمية "لايف بوي"، مقطعا يختتم بتوجيه الناس إلى استخدام أي نوع من أنواع الصابون الذي يواجه الجراثيم بفاعلية.

وتقول العبارة التي ختم فيها الإعلان بوضوح صادم "يرجى استخدام أقرب صابون إليك مثل لايف بوي أو ديتول أو جونسون أو لوكس".

وقتها حظي الإعلان بانتشار واسع وتفاعل جيد على اعتبار أن هذا "ليس مجرد إعلان للايفبوي، وإنما دليل بسيط لمحاربة فيروس كورونا".

لكن البعض رأى أن الدعاية وفق هذه الصيغة مجرد دهاء تسويقي من "لايف بوي"، التي تريد أن تظهر الشركة التي يهمها صحة الإنسان أولا، وهو ما يدفع الزبائن إلى مكافآتها عبر شراء منتجاتها؛ لأنها اختارت أن تنحاز إلى الحد من انتشار "كورونا".

في تلك الفترة نفسها كانت منصة "يوتيوب" قد أثارت جدلا واسعا حول سياساتها تجاه وضع أرباح الإعلانات على المواد التي تتناول معلومات خاصة ب"كوفيد 19"..

في البداية قام يوتيوب بمنع منشئي المحتوى من تحقيق أرباح من المواد المرتبطة بكورونا، ثم تراجعت عن قرارها جزئيا، فسمحت بتحقيق الربح خاصة لصالح ما أطلقت عليه (القنوات الموثوقة) لكي تحافظ على الحد من نشر معلومات خطأ عن كورونا.

التشكيك في مصداقية يوتيوب

البعض شكك في مصداقية يوتيوب؛ لأنها في الوقت الذي منعت فيه تحقيق أرباح من الإعلانات على فيديوهات كورونا، قامت بتفعيل ربح الإعلانات في بعض فيديوهات علاج الكورونا بالموسيقى التأملية..

وتكرر الأمر في فيديوهات أخرى عرضت علاجا للفيروس بالأعشاب ووصفات عصائر الفواكه والخضراوات ظهرت فيها إعلانات حملة إعادة انتخاب ترامب لفترة رئاسية جديدة..

وكذلك احتوت المقاطع ذاتها على إعلانات لفيسبوك، رغم أن "جوجل" وفيسبوك ومنصات إعلامية تقنية شهيرة كانت تعمل وقتئذ على إزالة الأخبار المزيفة حول الأمر.

في الفترة نفسها هاجمت ال"ديلي ميل" منصة يوتيوب، وورد في تقريرها الصحفي أن موقع يوتيوب قد يكون "قدم حوافز اقتصادية للناس (أي عن طريق السماح بتفعيل ربح الإعلانات) لإنشاء وتوزيع معلومات كاذبة ومضللة حول الوباء على منصته، والتي لها نطاق لا مثيل له تقريبا حول العالم"، إضافة إلى ظهور إعلانات تخص "ليبرتي موتشوال إنشورانس" وشركة Quibi الناشئة، و"ماستركلاس.كوم"، وهو ما ورد أيضا في تحقيق الجارديان.

وفي رد فعل من يوتيوب، قامت المنصة بإزالة أربعة من مقاطع الفيديو المعنية لانتهاك سياساتها ضد المعلومات الخاطئة عن "كوفيد-19".

وأبقت ثلاثة مقاطع فيديو فقط لا غير؛ لأنها لا تروج للمعلومات الخاطئة مباشرة بل تقدم نصائح صحية.

وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه يوتيوب انحسارا لأرباح منشئي المحتوى، كانت نتفليكس تجمع ملايين الدولارات من توافد طلبات الإعلانات عليها بكثرة، نتيجة إجراءات الحجر الصحي وتوقف الأنشطة الترفيهية لكثير من الناس واضطرارهم للبقاء في بيوتهم فترات طويلة..

زادت أسهمها في البورصة العالمية بنسبة تخطت 15% نتيجة لازدياد طلبات المعلنين..

حينها قررت نتفليكس تخفيض جودة الصورة في موادها لكي تسطيع تلبية زيادة طلب المشاهدات على ما تقدمه من أفلام وبرامج ومسلسلات..

أنت أيضا يمكنك أن تكون وسيلة إعلانية إذا أحببت أن تقدر جهدنا في إخراجه بأن تشاركه مع أصدقائك..

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة