كيف نُحسن التعامل مع الطفل العنيد؟

يضرب ويعتدي على إخوته ويركلهم، ويصرخ ويغضب، يحطم أثاث المنزل، ويرطم رأسه بالحائط، ويخطف أغراض زملائه ويتعارك معهم، ويستخدم ألفاظًا سيئة، ويهينهم ويقاطعهم.. كيف نُحسن التعامل مع مثل هذ الطفل العنيد العدواني؟ 

الحياة الانفعالية والسلوكية والاجتماعية لطفل ما قبل المدرسة هي أشد مراحل عمره اتسامًا بالتناقض.. تناقض واقع بينه وبين محيطه البيئي والتربوي والثقافي، ومرده تنازع جانبان هامان أولهما: شعوره بالاستقلالية والذاتية.. لكنه ما زال معتمدًا كليًا على من حوله، وثانيهما: موقف الآباء الذين يعاملونه "كراشد" يعي الضوابط والتعليمات، الأوامر والنواهي.. مع أنه في الواقع ما زال طفلًا غير كامل النضج.

ويولد ذلك التناقض تذبذب الكبير لانفعالات وسلوكيات الطفل، وعدم استقراره وشدة تأثره، وتنعكس في نوبات غضب متشنجة، مظاهر عنيفة وعدوان وتحطيم، وغيرة وخوف وذعر، بل وحزن قد يصل إلى الاكتئاب، ثم تتناوبها مظاهر فرح وابتهاج ونشوة وسعادة (عماد الدين إسماعيل، عالم لمعرفة العدد:99، مارس 1986م،الكويت،ص243)

بيد أن التحديد النوعي للمظاهر السلوكية العدوانية وليس التعميم أمرًا ذا بال في تقويم هذه المظاهر وفهمها، وكيفية التعامل معها؛ فأطفال الثانية والثالثة من العمر (الروضة): ينتابهم نوبات غضب، وصياح، ودفع للآخرين وضربهم وركلهم،عند تكدسهم في مكان ضيق للعب، فيشعرون بالإعاقة لحركتهم عن الاستطلاع والتعرف على البيئة، أما من في الرابعة والخامسة من العمر فعدوانهم بدني ولفظي معًا، وميلهم للاستيلاء على ممتلكات الآخرين ولعبهم أكبر، شعورهم بأنهم مهددون آكد فيردون بعنف، لكن ما هي دوافع هذه السلوكيات العدوانية وغير المتسامحة؟

السلوك العدواني ودوافعه:

تشير الدراسات إلى أن السلوك العدواني قد يكون استجابة طبيعية لمواقف إحباط خارجية وداخلية لطفل هذه المرحلة، فالموانع الخارجية تكون إجبارًا وقهرًا، أمرًا ونهيًا من تحقيق إشباع دافع ما، أو الحصول على هدف تحقيق رغبة، أو الإجبار على عمل لا يرغب فيه، وهناك موانع داخلية تولد سلوكًا عدوانيًا كشعوره بالعجز عند رغبته ـمثلًاـ في الاقتراب من هرة مستأنسة لكنه لا يملك شجاعة كافية للقيام بذلك، مما يؤثر على احترامه لذاته وشعوره بكفاءته وقدرته واستقلاليته (السمات الأساسية لهذه المرحلة).

كذلك ينشأ السلوك العدواني بسبب ظروف التنشئة الاجتماعية: من حيث الملاحظة والتقليد لنماذج غير متسامحة.. مواقف أسرية (فالأبوان المتعبان من أعمالها.. سريعا الانفعال والغضب.. يصرخان في وجه طفليهما في كل وقت وحين يجعلانه يقلد مثل هذا السلوك)، ولعب مزدحم، وعلاقات أقران متوترة، وبرامج وقصص وأفلام تلفازية وألعاب حاسوب عنيفة، فيلجأ الطفل لهذا السلوك تقليدًا وحصولًا على إشباع رغباته.

كذلك وسائل التدعيم الخارجي لسلوك النموذج العدواني.. تدعيمًا صريحًا: "اللي يضربك اضربه"، فتشجيع العدوان كوسيلة لحل المشكلات بين الأطفال يحدث كثيرًا في الفئات الأقل حظًا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية مقارنة بالطبقة المتوسطة، مما يهيئ الطفل لاحقًا للعدوان على المجتمع، أما تحريم العدوان كأسلوب لحل المشكلات، وتدعيم السلوك التعاوني غير العدواني، مع الكثير من الحب والاهتمام يقللان كثيرًا من جنوح الأحداث.

وهناك تدعيم خارجي غير مباشر: رضوخ وتغاضٍ، ابتسامة ومكافأة، أو عقوبة مؤجلة، "إذا ضربت أختك سأتركك تنام دون عشاء.. فيرد الطفل: حسنًا سأضربها بعد العشاء"، وقد ينجح العقاب البدني في كف العدوان ولكن لفترة قصيرة، فقد يدعم الوالد ـسلبًا وتحت تأثير القدوة والتقليد والمحاكاةـ السلوك العدواني لدى طفله، كذلك عدم رد "الضحية" المستهدفة قد يدعم تكرار السلوك العدواني.

وينبغي لفهم السلوك العدواني السلبي تحديد سوابقه ولواحقه، فهو يهجم على الأم عند انشغالها بالطعام أو بأخته الصغرى، أو بدأ يبصق على الآخرين عندما لاحظ والده يضحك عندما بصق أخوه الصغير على طفل في الشارع.

وأطفال المدرسة قد يشبعون حاجتهم لجذب الانتباه بسلوك أساليب عدوانية كي يتكرر تأنيبهم من معلميهم، فيحظون بالصدارة وجذب زملائهم أو آبائهم (حين تحال الشكوى إليهم).

كذلك تأثير المحيط البيئي والتربوي والثقافي الذي قد يجعل من"الخشونة" صفة لازمة من لوازم الذكورة، بينما "النعومة" صفة ملازمة للأنوثة، فلا يتوقع من البنت العدوان، وإذا ما حدث ذلك على ولد فإن ذلك يعد "سُبة له وإهانة".

ماذا أفعل؟

وراء السلوك السلبي دوافع خارجية وحوافز داخلية، كذلك هناك نتائج مترتبة ومؤثرة عليه، بيد أنه لكن بداية تحديد نوعه بعناية ودقة ومن ثم تعديله.

لغة الطفل هي طريق المعرفة والفهم والتواصل.. فعلميه كيف يتكلم ويحسن انتقاء وتوظيف الألفاظ بصورة مباشرة، فتتكون لمن يستمع إليه علاقات ود وحب، فتبادل الحديث حبًا وودًا وتوادًا، مع الابتعاد عن لوم الآخرين أو توجيه الاتهام لهم، أو  تصعيد الخلاف بلا مبرر بينه وبين الآخرين، يوجد خيوط الترابط معه ويدعم من علاقاته الجماعية والتفاعلية البناءة، لتختفي تلك العدوانية غير المتسامحة.

دربيه على الاحتكاك البصري الملائم، وصوت مناسب معتدل، ووضع بدني يتسم بالثقة ويبتعد عن الانفعال وإذا ما لزم أمر ما بعض التوضيح فليكن دون سلسلة من الاعتذارات أو التبريرات (العلاج السلوكي للطفل: مجموعة من المؤلفين، سلسلة عالم المعرفة: 180، ديسمبر 1993م، ص 115).

احترام تصرفاته وخياراته وهواياته وتوجيهه بإيجابية لتحمل مسؤولياته، مع عدم المدح والتدليل الزائدين ما يدفعه للغرور وعدم التسامح مع الآخرين ومعاملتهم بقسوة، والاعتراف بقدراته دون التقليل من شأنها، وتنمية ما لديه معرفة قدراته ويتقبل النقد ويعرف العيوب ويتداركها فهذه هي الحياة النشطة وقيمتها وقيمها.

لا تحسبن المجد تمرًا أنت آكله         إن المجد أن تلعق الصبر

كما أن حرية الطفل المسئولة والمنضبطة تدعم شعوره بالتسامح.. مما يحقق دوام التواصل بين الطفل وبين المحيطين به.. أسريًا ودراسيًا واجتماعيًا، كما أن طبيعة لم تعتد على التسلط والقهر والقسوة والعنف لن تمارسه على الآخرين.

تنمية ضميره وسلوكه الخلقي المتوازن وترسيخ ذلك قدوة وحبًا وتوحدًا ومشاركة لأطفالنا، كما من الأهمية بمكان مطابقة الأقوال للأفعال.. إبعادًا للتناقض الذي قد يعيشه الطفل، مع تعليمه الدفاع عن حقوقه دون التحول لشخص عدواني مندفع، ومقدرته على التمييز الواضح بين العدوان ـالتحديـ توكيد الذات، والتمييز بين الانصياع أي الخضوع وبين تأكيد الذات السوية (العلاج السلوكي للطفل، ص 113).

تعويده وإعلامه بأهمية التسامح وترسيخ معانية ووسائله فينمو مشبعًا به.. فهو يحقق كينونة الطفل ككائن اجتماعي كما يلبي ثقته بنفسه ويعينه على الإنجاز السليم البعيد عن الأنانية وتضخم الذات، وهو يحقق التعايش والتعاون البناء ويبادل الخبرات بين الطفل وبيئته فيتقدم نموه العلمي والمعرفي والسلوكي، ويبعده عن العزلة والانعزال والقلق والاكتئاب، ويحرره من الخوف من الفشل والخوف من الآخرين.

تدريبه على أن التسامح يساعده على حل مشكلاته مع الآخرين، وتعلم المقدرة على إنشاء علاقات سليمة وحسن الانتفاع بخبرات الآخرين والاستفادة منها دون حرج، ومن ثم يعلمه السلوك الابتكاري.. نقدًا وتقويمًا وإبداعًا وتقديرًا، وأخيرًا يحقق الأهداف المشتركة والتفاهم لتكوين لغة علمية إنسانية: "لتعارفوا"، يزيح التعصب والجمود والتحجر الذي يمنع من صوابية الرؤية انضباط المسار.

كما إن التسامح ليس تهاونًا وتجاوزًا للحقوق أو انسحاب من عمل جاد بل طاقة وعمل وإنتاج، وهو رديف العطاء والوفاء الذي يشيع جوًا من الأمان والدفء والهدوء والتقبل الأجتماعي: "حسنًا فعلت بمعونة صديقك المريض على تحصيل الدرس"، "لماذا تأخرت في السؤال والاطمئنان على جارك الذي ألمت به مُلمة؟".

التشجيع على التنافس المحمود الموضوعي وليس البغيض الشخصي الذي يسوده الحقد والكراهية والتأخر، ومعرفة قدرات الآخرين، وتهنئة الفائزين والمتفوقين في الصف والنادي والمجتمع مما يشيع جو الألفة وتبادل الخبرة (راجع: د. سيد صبحي،العدوى الوجدانية، 1998م،ص 134).

قد يكون من المفيد إبعاد الطفل لخمس دقائق عند نوبات الغصب العدوان، وتحويل اهتمامه بأمور أخرى  وتشجيع تعاونه في نقل أدوات المنزل وترتيب سريره ومساعدة الأم على العناية وتنظيف أخيه الأصغر، ومساعدة على التحكم في الرغبات والميول وتوجيهها نحو الخير للنفس وللآخرين (فالقلق والتوتر الناجمان عن عدم التسامح يهددان المرء ويمرضانه أولًا قبل انعكاسه على الآخر).

معالجة سلبيته المتكررة وقوله لا دومًا، إذ لا يمكن أن تكون موقفًا طويل الأمد، فيقطع أواصر التواصل مع من يحيطون به، بل لا بد لهذا الموقف أن يكون منتجًا بناءً فعالًا يشير إلى "نعم"، ونقاط التوافق وحرصه على إبقاء الروابط والصداقة، فلا غناء له عن جماعة الأقران الصالحة دعمًا اجتماعيًا وتأثيرًا وتأثرًا ولا غنى للصداقة عن التسامح لاستمرارها، يقول الشاعر:

  إذا كنت في كل الأمور معاتبًا        أخاك لم تلق الذي لا تعاتبه.

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة