تتجاوز القراءة الصحيحة فك رموز الكلمات لتصل إلى الفهم العميق، وقسَّم مورتيمر أدلر مستويات القراءة إلى أربعة: الابتدائية، الفاحصة، التحليلية، والمقارنة. لكي تتذكر ما تقرأ، يجب أن تنتقل من القراءة السطحية إلى التحليلية عبر التساؤل وتدوين الهوامش؛ فهذا يحسن مهارات القراءة ويضمن لك استيعابًا كاملًا للمعلومات وتطويرًا حقيقيًا لوعيك المعرفي.
في هذا المقال، نقدم لك أهم نصائح للفهم والتذكر ونغوص في تفاصيل مهارات القراءة وكيفية الانتقال بين مستوياتها المختلفة لتحقيق أقصى استفادة ممكنة.
معظم الناس لا يهتمون كثيرًا بالطريقة التي يقرؤون بها، ولا يفكرون في كيفية القراءة، وبذلك يمارسون عملية المطالعة لأسبابٍ عدة، وفي النهاية تكون النتيجة عدم الفهم الكامل، وغالبًا عدم تذكر الأفكار والمعلومات والفقرات الواردة في الكتاب بعد فترةٍ بسيطة، وهو ما يحتاج إلى بعض الوعي في أثناء عملية القراءة.
بين المعرفة والفهم العميق.. كيف تعلمنا القراءة؟
معظمنا يتعلم القراءة في المدرسة، لذا فإنّ معظمنا يتعامل مع الكتب والمواد المعرفية بغرض الحصول على المعلومة، لا بغرض الفهم العميق. وعلى الرغم من ذلك، فإن معرفة الكيفية التي نقرأ بها هي ما يصنع فارقًا كبيرًا على مستوى التراكم المعرفي لدى كل منا.
فيوجد فرق هائل بين معرفة الشيء وفهمه؛ لذا فإن معظم المعارف التي نخرج بها من الكتب أو من عملية القراءة تظل مجموعةً من الحقائق والمعلومات بلا فهمٍ أو سياقٍ يمكن الاستفادة به في عملية التفكير أو في عالم الواقع.
ولكي يكون الأمر سهلًا ودون الدخول في شروح مطولة، توجد مقولة بسيطة يمكن استخدامها في عملية القراءة تقول: «كل شيءٍ يسهل فهمه فهو قراءة من أجل المعلومات فقط»، وهو ما ينطبق مثلًا على قراءة الصحيفة. فحين تسأل شخصًا: «هل تعلمت شيئًا من الصحيفة؟»، فغالبًا سيقول: «لا»، لذا فهي قراءة من أجل المعلومات وليس من أجل الفهم العميق. وعلى هذا الأساس، لا تكون الاستفادة كبيرة من هذا النوع من القراءة، إذ لا تصب في خانة الفكر، ولا تحسن من مهارات التفكير وأداء الوظائف.
وهكذا يتضح أننا نحتاج إلى تحسين المهارات المعرفية وزيادة الوعي بقراءة ما يفوق مستوانا الحالي؛ لذا يجب البحث عن الكتاب أصحاب الفكر والكتب التي تقدم الاستنارة وتجعلنا نبذل بعض المجهود في أثناء عملية القراءة والمناقشة والتحليل، وهو ما يؤثر في القارئ ليصبح أكثر ذكاءً واستنارةً واستفادةً من عملية القراءة.
مستويات القراءة الأربعة لمورتيمر أدلر
إذا كنت تتساءل: كيف تقرأ كتابًا قواعد وأساليب؟ فإن المرجع الأهم في هذا الباب هو كتاب (كيف تقرأ كتابًا) للكاتب والمفكر مورتيمر أدلر الذي قسَّم هذه العملية إلى أربعة مستويات تراكمية لا يمكن القفز فوقها، ويُشترط إتقان المستوى الأدنى للصعود إلى المستوى الأعلى:
ولكي نعرف الطريقة التي يجب استخدامها في عملية القراءة، يجب أولًا أن نحدد الهدف من القراءة. فعلى سبيل المثال، قراءة رواية من أجل الترفيه تختلف تمامًا عن قراءة الصحيفة من أجل الحصول على المعلومات، في حين يصبح الأمر أكثر صعوبة إذا كانت القراءة تتعلق بأهداف تحسين المهارات أو البحث بين الكتب من أجل المقارنة وجمع الأدلة في قضيةٍ ما.

ومع وجود المستويات الأربعة للقراءة، لا يعد الأمر اختيارًا من أجل التنقل بين هذه المستويات، وإنما يحتاج التحرك من مستوى إلى آخر إلى كثير من المجهود والتطور والفهم العميق للمستوى قبل الصعود إلى المستوى الأعلى؛ لذا فإن المستويات مرتبة ترتيبًا تراكميًا يتعلق بمستوى مهارات القراءة والوعي عند الأشخاص، فليس كل الناس يستطيعون ممارسة كل مستويات القراءة، وهو ما نحتاج إلى التفكير فيه والتدرب عليه من أجل اكتساب القدرة على ممارسة كل أنواع ومستويات القراءة.
1. القراءة الابتدائية
تُعد القراءة الابتدائية هي المستوى الأول الذي ينتشر بين معظم الناس؛ لأنه مستوى يتعلمه الناس في المدارس، ولا يحتاج إلى مهاراتٍ ذهنيةٍ كبيرة، فقدرة الشخص على جمع الحروف ومعرفة الكلمات وقراءة الجملة بعد الجملة فهو قادر على القراءة الابتدائية.
2. القراءة الفاحصة
هنا يبدأ التساؤل: ما الطريقة الصحيحة للقراءة؟ تتخطى القراءة الفاحصة المستوى الابتدائي لتسمح للقارئ بمعرفة أهداف المؤلف. تنقسم إلى قسمين:
- القراءة السريعة: يمكن للشخص فحص الكتاب أو المخطوط بصورة سريعة بقراءة المقدمة، والنظر إلى الفهرس وجدول المحتويات، من أجل الحصول على فكرةٍ عامةٍ والوصول إلى قرارٍ إذا كان الكتاب يستحق اهتمامًا أكبر وقراءةً أكثر عمقًا أم لا.
- القراءة السطحية: وهي قراءة الكتاب كاملًا دون التوقف للتأمل والتساؤل وكتابة الهوامش والتعليق على الأفكار والنظر في المعلومات؛ لذا فإن القراءة السطحية تكون قراءةً سريعة، فلا يتوقف القارئ عند فقرةٍ لا يفهمها، وإنما ينتقل لما بعدها، حتى يفهم الأغراض بوجه عام. وقد يعود بعد ذلك إلى قراءة الكتاب مرةً أخرى إذا كان الأمر يستحق، لكن الأمر يظل في خانة القراءة السطحية.
3. القراءة التحليلية
تُعد القراءة التحليلية من المستويات العليا والشاملة التي يمكن تشبيهها بعملية المضغ والهضم بالنسبة للطعام. فيقول فرانسيس بيكون عن القراءة التحليلية: «بعض الكتب يجب تذوقها، والبعض الآخر يجب بلعها، وبعضها الآخر يجب مضغها وهضمها»؛ لذا فإن القراءة التحليلية تحتاج إلى العقل والتركيز، والكتابة الهامشية وطرح الأسئلة، وكأن القارئ يمارس عملية نقاشٍ وجدالٍ وحديثٍ مع الكاتب في أثناء عملية القراءة.
الفرق بين القراءة السطحية والتحليلية
تُعد القراءة التحليلية من المستويات العليا التي يصفها الفيلسوف فرانسيس بيكون قائلًا: «بعض الكتب يجب تذوقها، والبعض الآخر يجب بلعها، وبعضها الآخر يجب مضغها وهضمها». القراءة التحليلية هي عملية الهضم؛ فهي تتطلب التركيز، وكتابة الهوامش، وطرح الأسئلة كأنك تحاور الكاتب.
تعتمد القراءة التحليلية على أربع قواعد متفق عليها:
- تصنيف الكتاب وفقًا للنوع والموضوع.
- ذكر ما يدور حوله الكتاب بإيجاز شديد.
- تحديد الأجزاء الرئيسية وترتيب علاقاتها ببعضها.
- تحديد القضية المركزية التي يطرحها الكاتب.
تطبيق هذه القواعد يضمن لك الانفتاح على قضايا أكثر اتساعًا، ويوفر الإجابة الحاسمة لمن يسأل: كيف تطور مهاراتك في القراءة؟

4. القراءة المقارنة: قمة الهرم المعرفي
ربما تُعد القراءة المقارنة هي المستوى الأكثر صعوبةً في مستويات القراءة الأربعة، وذلك لأنها تتضمن القراءة التحليلية في طياتها، وتحتاج إلى قراءة الكثير من الكتب والمراجع في الموضوع نفسه من أجل إجراء عملية المقارنة بين الحجج والبراهين والأفكار والمفردات.
ويجب تحديد الفقرات وكتابة الهوامش، وهو ما قد يحتاج إلى ترجمة المصطلحات ووضع الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات. كذلك تحتاج القراءة المقارنة إلى حوارٍ داخلي يدور بين القارئ ونفسه الذي قد يكون مرهقًا في كثيرٍ من الأحيان.
والهدف من القراءة المقارنة ليس فهم الكتب التي تتم قراءتها، وإنما يتعلق الأمر بالموضوع الذي تتناوله هذه الكتب من أجل الوصول إلى فهمٍ أعمق وأشمل، وتطوير المعرفة وتعميقها، وكذلك الوصول إلى إجاباتٍ للأسئلة وملء الثغرات المعرفية الموجودة فيما يتعلق بهذا الموضوع، وهو ما يُعد انفتاحًا كبيرًا على المعرفة بوجه عام، والمعرفة بموضوع القراءة بوجه خاص؛ لذا يكون القارئ الذي يقرأ في مستوى القراءة المقارنة هو أعلى مستويات القراء على الإطلاق.
وتوجد خطوات عدة يجب اتباعها في عملية القراءة المقارنة من أجل تنظيم الجهد والوقت والحصول على نتائج واضحة، وهي كالتالي:
أولًا: الحصول على الكتب المناسبة للموضوع محل البحث والمقارنة، وتحديد الفقرات الملائمة للاحتياجات؛ لذا يحتاج الشخص إلى ممارسة القراءة الاستقصائية من أجل الوصول إلى هذه الكتب والفقرات دون خسارة الكثير من الجهد والوقت.
ثانيًا: تأتي مرحلة بناء المصطلحات، وتحديد الكلمات الرئيسية، والتوفيق بين المصطلحات عند الكتاب والمؤلفين. وربما يخرج القارئ بمصطلحاتٍ خاصةٍ به بدلًا من تلك التي استخدمها المؤلفون والكتاب، إذ يستخدم كل منهم مصطلحاته ومفاهيمه الخاصة للتعبير عن الشيء نفسه. ورغم كون الأمر مرهقًا للقارئ، فإنه يساعده على بناء شخصيته المعرفية الواعية.
ثالثًا: يبدأ القارئ في الإجابة عن الأسئلة المطروحة، ويُنصح في هذه المرحلة بعدم التركيز على الأفكار والقضايا التي يحاول المؤلف طرحها، وإنما يجب على القارئ التركيز على الإجابات التي يبحث عنها داخل طيات الكتب والفقرات، إذ يتعلق الأمر بقضيةٍ معينةٍ هي محل البحث والمقارنة.
رابعًا: في هذه الخطوة من عملية القراءة المقارنة، يجب على القارئ تحديد القضايا بدقةٍ ووضوح، فغالبًا قد يطرح القارئ سؤالًا ويجد له إجاباتٍ متعددة، وهو ما يحتاج إلى فهم وجهات النظر المتعارضة وتكوين رأيٍ ذكي دون تحيز لكي تكون عملية القراءة المقارنة ناجحة.
خامسًا: الخطوة الأخيرة هي تحليل المناقشة؛ إذ يتوقع معظم القراء في عملية البحث الوصول إلى حقيقةٍ واحدة، إلا أن عملية القراءة المقارنة تقود القارئ غالبًا إلى تضاربٍ وتعارضٍ في الإجابات. لذا يجب إجراء مناقشة مع المؤلفين والكتاب بطرح الأسئلة وكتابة الإجابات والهوامش وممارسة القراءة التحليلية للفقرات التي تحمل هذا التعارض، وهو ما يمكن اعتباره أعلى درجةٍ من درجات القراءة الواعية التي يمكن بها الخروج برأيٍ مستنير.
إن القراءة تتعلق بأهداف القارئ، لذا يجب أن يكون هناك حوارٌ بين الشخص ونفسه حول متطلباته من هذه العملية، فإذا كان يقرأ من أجل الترفيه والتسلية، فلا عليه أن يشغل باله بعملية الفهم العميق أو أن يدعي أنه قارئٌ مستنير.
أما الأشخاص الذين يبحثون عن المعرفة العميقة والاستنارة وبناء الوعي، فنأمل أن يكون المقال قد قدم لهم بعض ما يبحثون عنه من نصائح وإرشادات.
بفضل ممارستي لإدارة المحتوى والتحرير، أدركت أن سرعة النسيان التي يشتكي منها كثيرون ليست خللًا في الذاكرة، بل خلل في منهجية التلقي. حين تمارس القراءة الفاحصة فقط، فأنت تأخذ قشور المعرفة. لكي تمتلك الفكرة، يجب أن تُتعب عقلك في تفكيكها ومقارنتها.
القارئ الحقيقي هو مَن يُحاسب الكاتب على كل فقرة، ويسأل نفسه دائمًا: كيف أستفيد من هذه السطور في سياقي العملي والثقافي؟ اجعل التدوين الهامشي (Annotation) عادتك الأولى، وستلاحظ كيف يتشكل وعيك من جديد.
ما مستويات القراءة الأربعة؟
حددها المفكر مورتيمر أدلر في كتابه (كيف تقرأ كتابًا) وهي بالترتيب: القراءة الابتدائية (فك الرموز)، القراءة الفاحصة (التصفح السريع لمعرفة الهيكل)، القراءة التحليلية (الفهم العميق وتفكيك الأفكار)، والقراءة المقارنة (دراسة مراجع متعددة في موضوع واحد).
كيف تقرأ كتابًا وتفهمه بعمق؟
بالانتقال فورًا إلى القراءة التحليلية التي تتطلب منك طرح الأسئلة في أثناء القراءة، وتلخيص الأفكار الرئيسية في الهوامش، وإيجاد العلاقة المنطقية بين فصول الكتاب، وتحديد القضية المحورية التي يحاول الكاتب معالجتها وإثباتها.
ما الفرق بين القراءة الفاحصة والقراءة التحليلية؟
القراءة الفاحصة هي قراءة سطحية وسريعة للفهرس والمقدمات لتحديد ما إذا كان الكتاب يستحق القراءة أم لا. أما القراءة التحليلية فهي الغوص العميق في النص لمضغه وهضمه، وفهم المعاني الضمنية، والحوار النقدي مع الكاتب.
كيف تستفيد من القراءة المقارنة في البحث؟
تستفيد منها في بناء رؤية شاملة لموضوع بحثك، فتمكنك من مقارنة الحجج، توحيد المصطلحات بين المؤلفين، ملء الثغرات المعرفية، والوصول إلى إجابات دقيقة لأسئلتك البحثية بدلًا من الانحياز لرأي كاتب واحد.
إن التساؤل عن كيف نقرأ كتابًا؟ هو الخطوة الأولى لتصحيح مسارنا المعرفي. بمجرد أن ندرك مستويات القراءة الأربعة التي طرحها مورتيمر أدلر، ونمارس مهارات القراءة بوعي، ستتحول تجربتنا من تصفح سريع إلى الفهم العميق والتراكم الفكري.
تذكر دائمًا إجابة سؤال: كيف تتذكر ما تقرأ؟ فالسر يكمن في القراءة التحليلية والمقارنة المستمرة. أي مستويات القراءة تجد نفسك تمارسه غالبًا؟ شاركنا رأيك وتجربتك في التعليقات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.