لماذا يشعر بعضنا بالملل، بصوره المتعدّدة.. الشخصية والأسرية؟ وما هي طرق الابتهاج؟
على الرّغم من التطوّر السريع والملحوظ في أوجه حياتنا ومناشطنا، حيث لا يكاد يمرّ يوم دون أن يُضاف شيء حديث وجديد ومتطوّر ومبهر ومدهش ومتنوع، في طرائق العلم، وسبل التقنية والاستهلاك والترفيه، والتواصل والاتصال.. حلوة هي للحياة، فلماذا يشعر كثيرٌ منّا بالملل؟ ملل تتعدّد صوره، وتتوالى أعراضه.. من رتابة، وملل، وسأم، وضيق، وإحباط، وتوتر، وغضب، وضجر قد يفضي إلى قلق، فاكتئاب، فانهيار، فـــ... الخ. دائرة خبيثة مفترسة، كيف نكسرها، ونتغلّب عليه وعليها؟
"لم يترك البائع الجوال لابنته - عند موته - سوى عربة خشبية لبيع الفاكهة. حزنت الابنة لفقد أبيها، لكن الفقراء ليس لديهم كثير وقت للحزن، فسرعان ما امتهنت مهنته، فجرّت العربة الثقيلة، ليمر النهار ثقيلًا، ويسلمها لليل أشد ثقلًا ووحدة. وتـكرُ الأيام في رتابة مملة، فلا متعة، ولا راحة، ولا أمل، ولا حُلم. لكن لما أعجبه نضوجها وجمالها وعزة نفسها.. تقدّم أحد أغنياء القرية لخطبة الفتاة الفقيرة. وتم زفافهما، فعاشت الراحة والهناء بعد الشقاء والعناء، والإكرام والتدليل، بعد العوز والفاقة. وارتدت ثياباً مُرصعة بعد أخرى خشنة بالية، وتيسرت لها كل الطلبات، وأحيطت بالخادمات، في حياة رغدة هانئة حالمة، بعد كابوس الأيام الصعبة المُفزعة. وبمرور الشهور والسنين أحست صاحبة القصر أنها حبيسة هذا النعيم، وسجينة قفص ذهبي، فأوحشتها الأيام الخوالي التي كانت تطوف فيها الشوارع حافية القدمين. فأصابها الملل والضجر فاعتلت صحتها. فأحاطت نسوة القرية بسيدة القصر الصغيرة يقدمن لها الوصفات الشعبية، والنصائح السحرية، فأهل القرية لا يعرفون "الانهيار العصبي" الذي يصيب الناس حين يفترسهم الملل والضجر".
كما يملُّ كثيرون... ملّـت سيدة القصر الغني كما ملت الفقر، وسأمت النعيم كما سأمت العوز، وانسحبت فلم تخالط أحدًا. تعبت ولا سبب عضويًا لعلتها، وشعرت بأنها محاصرة، ومحصورة في زنزانة لا في قصر منيف، ومع كل صباح "لم يُعد هناك ما يثير اهتمامها، ويستحق بذل جهدها".
ملّـت سيدة القصر وأحبطت توترت وغضبت.. مشاعر تناقض ما عبّرت عنه الشاعرة "أدنا سانت فنسنت ميلاي" بقولها: "أيّتها الدّنيا الجميلة الرائعة، ليتني أستطيع أن أحيطك بذراعي هاتين، وأضمّك إلى صدري، وأنعم في أحضانك برائحة ترابك، وأريج زهورك، وخرير مائك، ولسعة شمسك، وصفاء سمائك في الربيع، ولحن رياحك في الشتاء، وابتسامة أطفالك" (بتصرف من مجلة العربي: العدد:235، يونيو 1978م، ص 124).
على جانب آخر هناك "الملل الأسري/ الخرس الزوجي/ الصمم العائلي" صورة عاكسة لما تعاني منه أسر وأزواج وعائلات. ممّا يجعل تلك الحصون الاجتماعية العتيدة - إن لم تتدارك سلبياتهاـ مهدّدة بتفاقم خلافاتها، وتنامي عوامل شقاقها وتفككها، فهناك نحو 20 مليون عربي يعانون من الإحباط والاكتئاب.
كما أن "الملل الاجتماعي/ الوطني" المفتقد إلى حسن الاستماع، والحوار الداخلي (قبل حوار الآخر) بين شركاء المجتمع/الوطن من عامة ونخب مثقفة، ومؤسسات معنية، يجلب الكثير من السلبيات وتظلّ قضايا هامّة مثل: الحريات العامة، والديموقراطية الحقيقية، وحرية الرأي والتعبير، وضوابط الإعلام وتدفق المعلومات، والإصلاح الداخلي، ومحاربة الاستبداد والفساد، و"أزمة" التعليم والبحث العلمي، ومشاريع النهوض العلمي والتقني الوطني، والتنمية الاقتصادية الحقيقية والمستدامة، ومشكلة الديون، والسكان والتغيرات الديموغرافية، والوحدة الداخلية والإقليمية والتهديدات الخارجية الخ. تراوح مكانها، دون حلّ أو حسم.
ولا شكّ أنها حياة واحدة عاشتها ـ فردياً ـ السيدتان، سيدة القصر، والشاعرة "أدنا"، كما تعيشها أسر وعائلات ومجتمعات. الأولي ملّتها، فرأت جانبها المظلم، ولم ترَ بهجتها، بينما عشقتها الثانية، واستمتعت بروعتها، وتغلّبت على مصاعبها، فانتقلت سريعًا إلى جانبها المضيء. فما هي أسباب ذلك الملل عند الأولي ومن شابهها، وكيف نتغلب على تلك الأسباب، لنبتهج مع الثانية.. فرادى وجماعات؟
أسباب داخلية
أسباب الملل قد تنبعث من داخلنا، لكننا نطعن في كل ما حولنا، كمن أصابته حمى، فيغضب من فراشه، الذي يتقلب فيه عبثًا، أن يجد بقعة تبرد جسده، لكن المشكلة ليست في الفراش، بل في الحمى التي تنبعث من داخله، فتلهب الجسد والفراش في آنٍ معًا.
1. الملل قد ينشأ عن "النظرة السلبية" للنفس، نقص "الثقة" بها، والإحباطات المتراكمة جراء الخوف من الفشل أمام "الجديد/ الحديث/ المتطور"، وتفضيل "انتظار" ما لا يجيء أبدًا، بدلًا من التحرُّك/ خوض تجربة/ الطموح نحو الجديد.
2. الإحساس بـ "عقم الحياة"، والاستسلام للهموم، وفقدان الحوافز القوية: الإحساس بالدوران في حلقة مفرغة "فلا شيء يثير الاهتمام، ويستحقّ النشاط من أجله"، فالجهود لا تسفر عن تحقيق فكرة، أو جني ثمرة، بل تذهب الأعمال أدراج الرياح.
3. التمركز حول الذات (شوفينية وتسلطاً) حيث الانشغال الدائم والوحيد بها، والنظرة إليها وإلى الآخرين بصورة ذهنية نمطية. ويتسرب الملل عندما لا تكون تلك الذات دائمًا وأبدًا محور الاهتمام ومحطّ الأنظار، فلا يتصرف الآخرون وفق ما نأمله منهم. إن التركيز على النفس، والاهتمام بالذات، دون الاهتمام بالآخرين.. يفقد المرء الإثارة، ويكف عن التطلُّع، ويضيق حلقة الملل والضجر أكثر فأكثر.
4. الملل الأسري "جرس إنذار"، إن لم يُسمع صوته فسيتفاقم الوضع، ويتهدّد مصير الأسرة. وهذا الملل له أسبابه وشواهده التي منها: الانشغال الدائم والطويل بالعمل والتجارة والأسفار، والاستغراق في أعباء البيوت التي لا تنتهي، واختلاف التوجهات الفكرية والثقافية بين أفراد الأسرة، واختلاق المشاكل والمنغصات، والسهر الطويل خارج البيت، والتنزه والرحلات مع الأصدقاء فقط، والعزلة وإدمان "الكومبيوتر" والإنترنت، وألعاب التسلية الخ.
5. عدم ضبط "جهازي الإرسال والاستقبال بين الزوجين": فزوجة تتوقع من زوجها أن يكون أكثر عطفاً ومودة، تجده ـ محتداً ـ يطالبها بالتخلص شعور "بالكآبة"، والظهور دوما "كأجمل الجميلات الباديات على شاشات الفضائيات". إن الرسائل بينهما قد ضلت طريقها وأجهزة الإرسال والاستقبال بحاجة إلى ضبط.
6. تحوّل بعض المنازل إلى "فنادق"، يعيش أفرادها - وبخاصّة الأبناءـ كحاضرين غائبين·· وحيدين منعزلين، يقول الشاعر:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلّفاه ذليلاً
إن اليتــيم هو الذي تلقى لـه أماً تخلت أو أبا مشغولاً
7. تشكو الزوجات: "لا نجد في البيت من يستمع إلينا، ونشعر بالضيق الشديد عندما نتحدّث دون إنصات من الزواج، فهم يسمعون فقط ما يودون سماعه". والأزواج بدورهم يُقلّلون من شأن أحاديث زوجاتهن:" فليس لديهن ما يقولنه سوى المزيد من النفقة، وافتعال المشكلات". فيهرب كلٌ ليبحث عمّن يسمعه خارج الأسرة، ويكثر تدخل الأمهات والحموات، والأصدقاء والزملاء ممّا يحول دون حلّ جذور المشكلات الأسرية.
8. كثيرًا ما يترك أبناؤنا الطلاب ـ على اختلاف مراحل تعلّمهم وتعليمهم ـ كذلك بعض المعلمين: التخطيط والتنظيم، والتنوع، وترتيب الأولويات في دراستهم وتدريسهم، ممّا يشعرهم بالملل من طول الدرس والتدريس، وثقل الفروض المدرسية، والشرود، والقلق، وضعفُ اليقظة عند المذاكرة، أو ضعف الرغبة والفتور خلال العملية التعليمية الخ.
9. ترك أمان البيت لأجل مغامرات تافهة: فعندما يشعر المرء ـ بخاصّة أبنائنا ـ بالأمان في البيت يتمنّى لو قام بمغامرة خارجه، وعندما يقوم بها يتمنّى لو عاد إلى بيته ليتدارك ما فاته من أمان.
10. الإحساس بموقف روحي ووجداني غير ممتلئ: فاللهث وراء الدنيا فقط لا يمنح راحة أو لذة أو شبعاً، فعالم "الواقع المحدود" غالباً لا يلبي كل "الحاجات النفسية والوجدانية والروحية"، حيث تبقى الحاجة ماسة ومستمرّة ومتطلعة إلى "عالم الروح غير المحدود".
أسباب خارجية
1. تكرُّر نفس المشاهد والأحداث اليومية.. مثل قراءة نفس الصفحات، والسير في نفس الطرقات، ومشاهدة ولقاء نفس الوجوه والأشخاص.. رتابة يومية "خانقة وقاتلة". حتى باتت فضائيات تتخذ شعارات "تتحدى الملل"!
2. الافتقار إلى مطابقة العمل مع ما يختار المرء ويحب، وتفشي "روتينيتها" التي تفتقد الجديد، والتجديد، والمثير، والمبهج، والممتع، والمتنوع. فيكون تأدية الأعمال اضطرارًا وإرضاءً لزملاء ورؤساء نمطيين، أحادي التفكير والتوجه، ويتمّ فعل ما يتوقعونه، لا ما نريده أو نحبه.
3. شيوع القيود المتنوعة، وفرض الأسلاك الشائكة، ممّا يجعل المرء يتحرّك ضمن إطار محدّد من الواقع والمألوف والمفروض، فلا مجال لتعبير حُر فضلًا عن اجتهاد أو إبداع.
4. عند الشعور بقتل الكفاءات، واغتيال الأحلام، وتوقع جني الكثير، فيتمّ فقد الدافعية للتعلُّم أو العمل، والعجز عن التخطيط للمستقبل المحفوف بالمخاطر (الحقيقة أو المفتعلة أو المتوهمة).
5. التأكيد والإلحاح المستمر على "الملكية العابرة، قصيرة الأجل"، للأشياء والسلع، ومن ثم تحت "سطوة" وإغراء الإعلان، "نملها"، فنسعى لاستهلاك "الأحدث" من السيارات والموبيلات والكومبيوترات الخ. ومن ثم خلق الحاجة إلى "منبهات جديدة تبز القديمة".. وتدور عجلة الرأسمالية.
6. التقلُّب العام وفقدان الأمن (على تعدّد أشكاله) جراء التغيّرات المعيشية، والصحية، والاقتصادية، والبيئية المتسارعة، والضاغطة. وتنامي الشعور بعدم الجدية لحلّ مشكلات: الجوع، والفقر، والإفقار، والمرض، والمخدرات، والديون، والجريمة المنظمة، والحروب، وسباق التسلح، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومشكلات الديموقراطية والعلم والبيئة الخ.
كيف نتغلّب على الملل بصورة المختلفة؟
1. تغلُّب معرفي، فالحياة فكر وتأمل، مع توفر الإرادة/ الإرادات العازمة الجازمة للخروج من تلك الدائرة الخبيثة بشتّى صورها. وبهذه الأمور يمكن التعرُّف على: متى ولماذا ينتابنا هذا الشعور؟ هل عندما نحزن، أم عندما نكبت مشاعر حقيقية؟ نتغلب على الملل بالوعي بأحلامنا وتصرفاتنا وخططنا وإنجازاتنا ومباهجنا في الحياة. نتذكر أحلامنا القديمة، ما تحقق منها، وما لم يتحقق، ونخلق أخرى جديدة، ونحاول تنفيذها بكل ثقة وثبات.
2. لنعش الحياة ببساطة، وندع الهموم خلفنا، والتحديات موجهة لنا إلى دروب النجاح. وإن كانت كل الأمور مملة فلنعمل أقلها مللاً، تتحطم دائرة الملل رويدًا رويدًا. عندما نتغلّب على الرتابة/ الروتين، ومع عدم الهروب من الحياة، بل مواجهة صعابها، بنفس الروح التي نستقبل بها أفراحها: “لِكَي ْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" (الحديد:23).
3. بإيقاظ شعورنا بالواجب، والقيام بدورنا المنوط بنا (في العمل/ البيت/ المدرسة/الجامعة/ المجتمع الخ) والذي لن يقوم به أحد غيرنا.. إنها رسالتنا ومسؤوليتنا. أكثر من العطاء، وتوقع المصاعب.
4. لنكن منفتحين.. عقلًا وقلبًا وروحًا على التجارب الجيّدة، والخبرات الجديدة، والأشخاص الجدد. لنتعلم شيئًا جديدًا واحدًا على الأقل يوميًا، فنتواصل معرفيًا ووجدانيًا مع العالم، تحدونا دوافع النمو، والتثقف، والذكاء العاطفي، وتنمية القدرات، وإصقال المواهب، وحبّ الاستطلاع، والاستمتاع بالحياة، وبهجة التعلم والمعرفة.
5. ننوّع أنشطتنا بين ما هو ممتع وذو معنى: نتحدّث مع شخص لم نعرفه من قبل، نحاول اكتشاف صديق قديم، ونفعل شيئا جيداً لآخر، ونهتم به كما لم نهتم به من قبل، القيام برحلة، الإبداع في الأعمال الثقافية والخيرية والاجتماعية، زيارة متحف، قراءة الجديد والممتع، كتابة مشاعرنا، قرض الشعر، أو تأليف قصة الخ.
6. من شأن التغيير الذي نحدثه في بيوتنا وأنفسنا، وبحل المشكلات العالقة.. أن يساهما في إبعاد شبح الملل عن حياتنا الزوجية والأسرية لتصل السفينة إلى بر الأمان. مع الوعي بأن "القوامة" لا تعني التسلُّط والقهر وإلغاء الكرامة، إنها “المسؤولية الطبيعية"·· إرشاداً وتوجيهاً وتعاوناً وتشاوراً وتقويماً لهذه المؤسسة الهامة من مؤسسات المجتمع، والحاضنة للتوافق النفسي والعاطفي والبدني.
7. كفى "صراع الأدوار" وآن الأوان لعودة الاعتبار لدور كل فرد من أفراد الأسرة، وترسيخ الاهتمام والتعاون بينهم في تسيير سفينتها بسلام.
8. لندع “الصمت والعزلة المنزلية"، فلا تستغرقنا المشاغل، دون توفير الوقت الكافي للتواصل والتلاقي (استثمار إستراتيجي سيعود بنفع أوفر من جمع المال). وليسمع بعضنا بعضًا (مهارات حسن الاستماع والتحاور تنمى: بالإنصات والصمت والإصغاء، وعدم المقاطعة والاهتمام بالآخر، والتركيز والتأمل والربط والمقارنة والاستعداد النفسي للاقتناع)، وتكوين واستحداث اهتمامات مشتركة.
لنتحدّث عن مشاعرنا، دون تذرع بكبرياء، وتطلّعاتنا مع حسن إصغاء، ومشاكلنا تتحسن بالحوار والاهتمام. وهناك نعمة كبيرة تسهم وتسد ثغرة في هذا المجال عندما تتوافر "الأسر الممتدة" من أجداد وجدات وإخوة وأخوات وأعمام وعمّات يحملون جزءًا من عبء مهمّة "دفع الملل" وإثراء التواصل، والاستماع الأسرى.
9. لنسبغ التقدير فلكلٍ أوجه كمال، فكم مضى من وقت دون إبداء إعجاب بجمالها أو بطعامها اللذيذ؟ وبالمقابل كم مضى من الوقت منذ عبَّرتِ فيها عن تقديرك لمدى جهده وكفاءته في إدارة شؤون الأسرة. لقد كان امتداحكما قبل الزواج ميلاً وتأليفاً أما بعده فضرورة، فلا تنسوا رقة العبارات، وليقتد بكم الأبناء، فالنفس الإنسانية مجبولة على حبّ المدح، وكراهية القدح.
10. ليكن النقد ـ إذا ما جد أمر يستلزمه - نقداً هادفًا بناءً، دون كثرة لوم أو تأنيب، أو عقد المقارنات مع الآخرين، مع التركيز على السلوك الخاطئ دون التعميم. كما ينبغي أن يكون النصح والتناصح بهدوء وفي الخفاء، وعلى انفراد دون نشر أنباء الخلاف أو إشراك الأهل والأقارب كي لا ينحازوا لأيّ منكما، وتجنبا وجود الأطفال أو الخادمة، حتى لا تهتز صورتكما. وليكن الاعتذار عند الخطأ فهو من الشجاعة، ودليل الأخلاق السامية.
11. لا إهمال للفتات البسيطة المؤثّرة التي تنم عن مدى الاحترام والتقدير، وتذهب بالملل: كالاتصال الهاتفيّ للاطمئنان في الحل والسفر، والابتسام والبشر الدائم، والودّ واللطف، والمصارحة والصدق، والنداء بأحبّ الألقاب، وتبادل الهدايا والأزهار، وتنمية الهوايات المشتركة، والقيام بالرحلات، والخروج في نزهات، وتذكر ما نحب من الأمور والذكريات.
مداومة التجديد - المعنوي والمادي ـ في طريقة حياتنا كلّما أصابها الملل، مع صقل الشخصية لتكون جذابة دواماً، كذلك عبر تغيير الديكور والجو المنزلي العام. كما أن الإجازة التي ينفرد فيها كل من الزوجين بنفسه لمدة محدّدة في السنة تساهم في كسر الملل، وتجدّد الحياة الزوجية.
12. ولمغالبة مشكلة الملل عند طلابنا ومدرسينا: يجب توفير جو أسريّ هادئ خالٍ من المشكلات، مع الإلمام بالقواعد الصحيحة للتعلم والتعليم، وبالخصائص النفسية المؤثّرة في العملية التعليمية، وتحسين كفاءتها وجودتها، وتحديد الأهداف من المذاكرة، والتنويع في المذاكرة والمواد التعليمية، والقراءة المتأنية، والتركيز والانتباه والفهم الجيّد، والتمييز بين الأفكار، ومعرفة العلاقات بينها، ومناقشة المعلومات مع النفس أو مع الغير مناقشةً علميةً نقديةً، ونيل قسط من الراحة أثناء الدرس لتنشيط الذهن، وإزالة المعوقات من مرض أو ضوضاء وغيرهما، مع الصبر والمثابرة في كلتا الحالتين.. تعلمًا وتعليمًا.
13. الحوار الفعّال بين مختلف فئات الوطن الواحد من أهم الوسائل لتحقيق التعايش، والتفاهم، والاحترام المتبادل، والتقارب، وعدم الإقصاء والأنصاف، وتكريس الشرعية والعدل، ونبذ التعصب والكراهية وصولًا للمواطنة الحقيقة، والتماسك والإنجاز التنموي، والنهوض الحقيقي على كافة الصعد، ممّا يحصن الداخل ليحسن الاستماع/ الحوار مع الخارج.
14. الاستماع والتحاور مع (الآخر).. تنوعًا إنسانيًا وعلميًا وتقنيًا ومصيرًا مشتركًا فوق كوكبنا، ينبغي له كي يحدث أثره موازاته مع تنفيذ "مشروع للنهوض الحضاري" ومن ثم يكون التدافع بالتي هي أحسن: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" (فصلت: 43)، ويكون الاستماع والتحاور ليس من قبيل الهزيمة الثقافية أو الدونية الحضارية والخضوع للهيمنة والقولبة، بل حوار الأنداد حول: مشكلات الجوع، والفقر، والمرض، والمخدرات، والديون، وتوزيع عادل للموارد والثروات، والجريمة المنظمة، والحروب، وسباق التسلح، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومشكلات العلم والبيئة الخ.
15. إن الوضع العالمي يشهد انقلابات جذرية في كل المرجعيات القيمية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية الخ. لكن سمة العصر أنه يشهد عودة قوية وجادة "للمقدس الروحي". عودة تبغي التوازن مع ما كان شططاً مادياً، و"سعاراً" استهلاكياً، وانقلاباً أخلاقياً وسلوكياً.
على أية حال فالذي يركن إلى ربه، آخذاً بكل الأسباب الفاعلة التي في يده، متوكلًا عليه، ومطمئناً لعدالتها تزعزعه مجريات الأمور، ولا يتمركز حول ذاته، ويهتم بالآخرين، وتتجدّد حياته، وتتسع دنياه لارتباطها بأبعاد متعدّدة ومتنوعة، وتصبح غنية لأنها تهدف لتحقيق مقاصد سامية، فكلّ دقيقة تصبح ذات قصد وهدف.. فأين الملل والضجر؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.