كيف علمتنا أم كلثوم الحب

عندما يشعر الإنسان بالحنين اللامتناهي لرؤية شخص ما، عندما تضطرب ضربات قلبه، حينما يفتقد الإحساس بالأمان إذا ما غاب عن ناظريه فاعلم إنه الحب ذلك المتسلل إلى خلجات صدرك لتتلاعب بها أمواج الشوق واللهفة إلى رؤياه، فاعلم أنه الحب  هذا الذي تغنى به الشعراء وفاضت به دموع المحبين وعلت آهاتهم، فمنهم من صاغها شعراً وفقد محبوبته لمجرد أنه أفرغ ما في مكنونات فؤاده المكتوي بالمحبوبة، فكان جزاؤه الفقد والعذاب مثل قيس بن الملوح الذي صاغ بعضاً من سيرته أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته مجنون ليلى حينما قال:

ملأت سماء البيد عشقاً                           وأرضها وحملت وحدي ذلك العشق يارب

ألمّ على أبيات ليلى بيَ الهوى                   وما غيرَ أبياتي دليل ولا ركب

وباتت خيامي خطوةً من خيامها            فلم يشفني منها جوار ولا قرب 

هذا الذي ملأ الأرض حباً وهياماً حتى يقال أنه فقد عقله هياماً بليلى مروراً بحكاوي العاشقين التي أججت فينا نشوة هذا الإحساس حتى لو لم نكن وقعنا فيه بالفعل، ولكن عشقنا لتجاربهم جعلنا نشعر كما لو كنا تبادلنا الأماكن، فنرى سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم حين تتغنى بمواجع وفيض فرح العاشقين فتارة نراها تتغنى في الحب وتجيد الوصف والتعبير حين تقول من شعر بيرم التونسي الحب كده.

(الحب كده وصال ودلال ورضا وخصام وأهو من ده ودا الحب كده مش عايزة كلام الحب كده) صاغت كل المعاني الجميلة فما بين الوصال والدلال تارة يكون الرضا وأخرى يكون الخصام، وما أصعب الوقت على المحب إذا خاصمه الحبيب، فنراها تقول حين يواعدها للقاء كيف يكون حالها حين تقول (حبيبي لما يوعدني تبات الدنيا ضحكالي ولما وصله يسعدني ما أفكر في اللي يجرا لي) وحين اللقاء تنسى الوجود كله ولا يخطر على بالها أحد.

وما أصعب الإحساس بتغير المحبوب حين تخبرنا بحالها عند تغير الحال، فتخترق بنا الأفاق مخبرة عن حالها فتقول: (ولما طبعه يتغير وقلبي يبقى متحير أبات في نار وفي حيرة تبكيني) ثم تطير بنا فرحاً حين يعود وتزول الغمة فتقول: (وبعد الليل يجينا النور وبعد الغيم ربيع وزهور) ثم تعود لتؤكد لنا أن الحب كده فتقول: (وأهو من ده ودا الحب كده مش عايزة كلام الحب كده). يا لها من مشاعر فياضة تجعل من الحياة لحظات جميلة ما بين قرب وبعد خوف وطمأنينة خوف عند البعد، وقلق واضطراب خشية البعد ،ولكن دائماً الحب هو المنتصر فنراها وهي تقول لكل من أحب بعدها واصفة الحب، فتقول وهي توقظ القلوب (يا سعده اللي عرف مره حنان الحب وقساوته ويا قلبه اللي طول عمره ما داق الحب وحلاوته تشوفه يضحك وفي قلبه الأنين والنوح عايش بلا روح وحيد والحب هو الروح).

وما أجمل قلب المحب حين يتغنى بمحبوبه في كل وقت وعلى أي حال فتقول: (حبيب قلبي وقلبي معاه بحبه في رضاه وجفاه)،  وما أجمل المشاعر حين يرق لها القلب فتقول عن رهافة الحبيب، فتخبرنا عن العتاب بينهما فتقول: (أوريه الملام بالعين وقلبي على الرضا ناوي) ثم تخبرنا أن الحب وإن جرح فهو الدواء فتقول: (بيجرح قد ما يجرح ويعطف تاني ويداوي وما دواء الحب إلا بالحب) وقديماً قالوا وداوني بالتي كانت هي الداء . ليس تحليلاً لكلمات صاغها شاعر كبير مثل بيرم ولكنها رؤية لمشاعر كل من له قلب أحس ونبض وتحركت مشاعره نحو حبيب حتى ولو لم يحب، فكفى أن يتأمل أحوال العاشقين على قلب ينبض يوماً.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب