كيف عرفنا كروية الأرض قبل ألفي عام؟
اليوم لدينا الآلاف والآلاف من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض والتي من خلالها عرفنا شكل كوكبنا الأزرق حيث قدرنا حجمه وحسبنا محيطه؛ محيط كوكبنا الأزرق يمتد لأكثر من أربعين ألف كيلو مترا (٤٠,٠٠٠ كيلو مترا)، من شرق الأرض إلى غربها؛ هذا الرقم الذي ساهم فيه الآلاف من المندسين من عقودا طويلة في تطوير التقنيات اللازمة لحسابه وتطويره.
اكتشفه واحد في مصر قبلهم، قبل أكثر من ألفي عام.
القصة تبدأ في مدينة الإسكندرية قبل قرنين من الزمن، رجل ليبي من أصل يوناني اسمه "إرتوسثنيس "، سمع عن ظاهرة غريبة حيث وصله خبر أن في ظهر كل يوم ٢١ جوان من كل سنة في مدينة أسوان (مدينة جنوب الإسكندرية في مصر) أن ظلال المباني والأشخاص تختفي تماما من الأرض أو بالأصح فإن الظلال تتراجع وتتراجع باتجاه المبنى إلى أن تختفي؛ معنى أن تكون عمودية تماما فوق المباني وتطابق الزاوية ال٩٠ من شكل المباني.
هذه الظاهرة تحدث في كل يوم يطابق ٢١ جوان من كل سنة وتعرف هذه الظاهرة بالانقلاب الشمسي الصيفي، تعرفون ما معنى الانقلاب الشمسي صحيح؛ لا تعرفون!
والله إنكم ناس لا تتعلم ولا تقرأ ولكن حتى أنا لم أكن أعرف ما معنى الانقلاب الشمسي حتى يوم بدأت أبحث في الموضوع.
باختصار يوم الانقلاب الشمسي الصيفي هو يوم يصادف منتصف فصل الصيف؛ الشمس تصل إلى قمتها ويمكنك أن تقلي بعض البيضات اللذيذة على الأرض. المهم لنعد إلى موضوعنا" إيرانوس ثنيس " بدأ يتساءل: إذا كان الظل يختفي يوم ٢١ جوان في مدينة أسوان فأيضا هل يختفي ويذهب في هذه المدينة مدينة الإسكندرية؟ إذا كانت الأرض مسطحة؛ فمن المنطق أن يختفي أيضا في مدينة الإسكندرية. "أرتوي ثنيس" قال: أنا ليس لدي عمل في يوم ال٢١ من جوان فلنقم تجربة. "أرتوي ثنيس" في يوم واحد وعشرين ركز عصا على الأرض وقت الظهيرة وبدأ يراقب ظل العصا ورأى أنه للعصا ظل خفيف يسقط منها بالتحديد ظل يسقط منها ب٧,٢ درجة من الأرض. "أرتوي ثنيس" غضب وقال: هذا الشيء مستحيل؛ العصا في مدينة أسوان ليس لها ظل فكيف يكون لها ظل هنا في مدية الإسكندرية؟ (أي شخص آخر سيتوقف هنا ويقول: عصا لها ظل أم ليس لها، من هذا الذي يهتم بعصا مثل هذه).
أرتوي ثنيس ما كان مثل عامة الناس، صديقنا أبو عصا كان من فئة مزعجة وغير مهمة تسمى العلماء، لم يقدموا شيئا للبشرية سوى يوتيوب والطائرة والتشفير والكثير الكثير.
أرتوي ثنيس بدأ يفكر بأن زاوية الظل استحال تكون مختلفة إذا كانت الأرض مسطحة إلا إذا كان سطح الأرض منحنٍ ونعم استنتاج حبيبنا أبو عصا كان في محله فإذا كانت الأرض مسطحة فالأشعة التي تبعثها الشمس تأتي عمودية على كل من المدينتين والظلال ستختفي عند كلاهما أما إذا كان سطح الأرض منحني فستختلف زاوية الظلال في كل من المدينتين لأن أشعة الشمس تضرب العصي من زوايا مختلفة.
أرتوي ثنيس استنتج: إذا كانت الأرض كروية والفرق بين زاوية الظلال تختلف بمقدار ٧.٢ درجة بين المدينتين فإذا رسمنا خط من أسوان إلى مركز الأرض ونفعل نفس الشيء مع مدينة الإسكندرية حيث نرسم خطا من الإسكندرية إلى مركز الأرض فالزاوية بين المدينتين سيكون مقدارها ٧,٢ درجة.
لو فقط أعرف المسافة بين أسوان والإسكندرية فأستطيع أن أحسب محيط الأرض بأكمله، قال صديقنا أبو عصا؛ لكن صديقنا لم يكن يعرف المسافة ولم يبرد قلبه ودفع لرجل فقير مبلغا وطلب منه أن يحسب ويحضر له المساحة بين مدينتي أسوان والإسكندرية.
في الحقيقة فعلها الرجل وقاس الأرض وفي الأخير استطاع أن يحسب المسافة؛ ووجد أن المسافة بين المدينتين هي ٨٠٠ كيلو متر تقريبا.
الآن أرتوي ثنيس عند كل المعطيات، كيف يمكنه الآن أن يحسب محيط الأرض؟
المحيط، (لو لم تكن تركز في السنة الخامسة ابتدائي) هو المسافة حول الدائرة بمعنى لو أخذ حبل ووضعته حول الأرض فطول الحبل الناتج يساوي محيط الأرض.
أرتوي ثنيس يعلم أن الأرض فيها ٣٦٠ درجة والمدينتين يبعدون عن بعض مسافة ٧,٢ درجة ويعلم أن المسافة التي تغطيها سبع درجات هي ٨٠٠ كيلو متر، إذا نستطيع أن نضع هذه المعطيات في عملية نسبيا والناتج هو محيط الأرض والناتج الذي تحصل عليه صديقنا أبو عصا هو ٤٠,٠٠٠ كيلو متر.
محيط الأرض الفعلي هو ٤٠,٠٧٥ كيلو متر لكن لنسامحه على هذا الخطأ البسيط لأنه في ذلك الوقت الإمكانيات محدودة جدا.
هذه هي قصة أرتوي ثنيس الذي غرس عصا في الأرض ولم يعجبه طولها واستنتج أن الأرض ليست مسطحة بل كروية وفي الطريق حسب محيطها وهذه هي قصة أرتوي ثنيس وكيف عرفنا أن الأرض كروية قبل أكثر من ألفي سنة.
هذه قصة لنا كيف بإمكانيات محدودة مع القليل من التفكير تصنع المستحيل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.