كيف ساهمت الروايات المترجمة في تغيير نظرتنا للعالم؟

تُغيّر الروايات المترجمة نظرتنا للعالم عبر كسر الصور النمطية وتوسيع فهمنا لثقافات أخرى، كما تؤثر مباشرة في لغة الكتاب المحليين من خلال إدخال مفردات وأساليب سردية حديثة مثل الرمزية وتيار الوعي واللغة الوظيفية. ويعود تركّز الترجمة على اللغات الأوروبية إلى عوامل اقتصادية وثقافية وهيمنة مؤسسات النشر والجوائز العالمية، بينما يمكن لترجمة الآداب الإفريقية والآسيوية أن تمنح القارئ العربي رؤى بديلة للتاريخ والجمال والإنسان بعيدًا عن المركزية الغربية.

وفي هذا المقال نشرح كيف ساهمت الروايات المترجمة في تغيير نظرتنا للعالم، وكيف أثرت الرواية المترجمة على لغة الكاتب المحلي، ولماذا نترجم من اللغات الأوروبية أكثر من لغات إفريقيا وآسيا.

ما أبرز جوانب تأثير الروايات المترجمة على نظرتنا للعالم؟

  • هدم الحواجز الثقافية: بالطبع ساعدت الترجمات على كسر الصور النمطية للمجتمعات لدى المجتمعات الأخرى، مساهمة في إظهار المشاعر الإنسانية والتحديات والآمال المتشابهة، مما قلل من الغربة الثقافية.
  • توسيع الآفاق الإنسانية: من خلال الروايات المترجمة، تعرف القراء على الشعوب الأخرى من حيث طرق التفكير والعادات والتقاليد، وهو ما منحهم فهمًا أعمق للحياة والعلاقات الإنسانية من منظور الثقافات الأخرى.
  • التأثير في الهوية والثقافة العربية: استطاع العرب الاستفادة كثيرًا من الروايات المترجمة لتطوير أعمالهم الأدبية من خلال التعرف على أساليب وتقنيات الكتابة العالمية، وهو ما ساعد على تشكيل الهوية العربية الثقافية، كما ساعد على ترجمة أعمال عربية إلى لغات غربية.
  • خلق وعي مشترك: من خلال الروايات المترجمة وجد القراء من كل مكان في العالم ما يجمعهم من قضايا عالمية تخص الإنسان والبيئة، كما ساعدتهم تلك الترجمات على إيصال أصواتهم الثقافية المحلية إلى المشهد العالمي.

كيف أثرت الروايات المترجمة على لغة الكتاب المحليين؟

كان للروايات المترجمة تأثير كبير على الكتاب المحليين ليس فقط في الأفكار والرؤى الجديدة وإنما في القوالب اللغوية والأسلوبية، وهو ما يظهر في المستويات التالية:

  • القاموس اللغوي: أدخلت الأعمال المترجمة مصطلحات جديدة للغة العربية في مجالات عدة عن طريق تعريبها وجعلت اللغة العربية أكثر واقعية في التعامل مع الحياة اليومية، وهو ما جعل الكاتب المحلي يتخلص من جمود القوالب التراثية القديمة.
  • الأساليب السردية والبنية الفنية: تعلم الكاتب كثيرًا من الأعمال المترجمة على مستوى التقنيات الجديدة، حيث الأنماط السردية التي لم تكن مألوفة مثل الرمزية والتيار الواعي، بالإضافة إلى تغيير بناء الجملة ومعرفة تراكيب لغوية مهجنة، وهو ما يتناسب مع الكثير من الأعمال الأدبية.
  • الانزياح نحو اللغة الوظيفية: مع الوقت أصبحت الاستعارات الأدبية والصور البيانية التي نقلتها الروايات المترجمة جزءًا من الحصيلة الخيالية والمعرفية لدى الكاتب، والتي ظهرت في أعماله بعد ذلك، بالإضافة إلى دفع الكتاب المحليين إلى استخدام اللغة الوظيفية بدلًا من اللغة المزخرفة المليئة بالسجع.

ما الفرق بين قراءة الرواية المترجمة كوثيقة اجتماعية وقراءتها كعمل فني؟

كثير من الروايات المترجمة تجمع ما بين التجربة الجمالية والتوثيق الاجتماعي والتاريخ، أما الفرق فيكمن في هدف القارئ والزاوية التي ينظر منها إلى النص، وهو ما يمكن شرحه كالتالي:

قراءة الرواية كوثيقة اجتماعية

  • هنا يحاول القارئ رؤية المشهد في مكان أو بلد ما ويتعرف على العادات والتقاليد، مثل ما يحدث في قراءة روايات الأدب الروسي التي تصور حياة الفلاحين في القرن التاسع عشر.
  • يركز القارئ كثيرًا في هذه الحالة على الحقائق التاريخية وطريقة تعامل البشر مع تلك الثقافة.
  • عندما يكون منظور القارئ وثائقيًا، تصبح لديه الرواية بديلًا عن كتب علم الاجتماع أو التاريخ ووسيلة لاستكشاف المجتمعات الأخرى والثقافات البعيدة.

قراءة الرواية كعمل فني

  • من هذه الزاوية، يتعامل القارئ مع الرواية كبناء إبداعي دون قيود للانتماء الجغرافي أو الزمني، بهدف الاستمتاع باللغة والسرد والابتكار في الحبكة ورسم الشخصيات.
  • يركز القارئ في هذه الحالة على الكيفية والتقنيات التي اعتمد عليها الكاتب، مثل الرموز والاستعارات والموسيقى اللغوية والصور واللغة الشعرية.
  • بهذه الطريقة، تصبح الرواية تجربة شعورية وذهنية دون الاهتمام بمكانها أو تاريخها، حيث يكون التركيز على الصراع الداخلي للشخصيات الذي يلامس الإنسانية أكثر من الإناء المعرفي.

لماذا نترجم من اللغات الأوروبية أكثر من لغات إفريقيا وآسيا؟

ربما يكون السبب الرئيسي سببًا سياسيًا بعيدًا عن الأدب، حيث تحكم موازين القوى العالمية الترجمة كما تحكم عددًا من الأمور الأخرى، وبالتالي تميل الكفة لصالح اللغات الأوروبية للأسباب التالية:

  • مركزية الغرب: حتى الآن ما زال العالم يعيش تحت تأثير مركزية الغرب الأوروبي، حيث تظل الثقافة الأوروبية هي المعيار العالمي، وبالتالي اللغات الأوروبية مثل الإنجليزية والفرنسية هي اللغات الوسيطة بين جميع الشعوب.
  • الهيمنة الاقتصادية: عملية الترجمة والنشر والتنقل من مكان إلى آخر في الأساس هي عملية اقتصادية تحتاج إلى الدعم المالي، وهو أمر تفتقر إليه دول إفريقيا والكثير من دول آسيا، وبالتالي تتحكم الدول الغنية في سوق النشر والترجمة العالمي.
  • نقص المترجمين: لا نقصد نقص المتحدثين باللغات المختلفة، وإنما تحتاج الترجمة إلى مترجم متخصص يستطيع أن ينقل من اللغات الإفريقية والآسيوية بأسلوب أدبي يتناسب مع المنتجات الإبداعية، حتى لا تفقد النصوص الأصلية أصالتها وروحها.
  • عالمية الجوائز الأدبية: حتى الآن ما زالت الجوائز الغربية الأدبية هي الأكبر والتي يتم منحها لأعمال مكتوبة باللغات الأوروبية أيضًا، وبالتالي يبحث الأدباء والنقاد من كل مكان عن ترجمة أعمالهم للغات الأوروبية للحصول على الجوائز وتحقيق الانتشار.
  • نظرية الاستشراق المعكوس: نظرية طريفة إلا أنها حقيقية، حيث ينتظر الناشر والقارئ نجاح إحدى الروايات في الغرب حتى يبدأ في الاهتمام بها وترجمتها، فننتظر جميعًا نجاح رواية نيجيرية أو صينية في أمريكا حتى نترجمها إلى العربية.

هل يمكن لترجمة الآداب الإفريقية والآسيوية أن تعيد تغيير أفكار القارئ العربي؟

بالطبع، يمكن لترجمة الآداب أن تقوم بعملية تصحيح مسار في وعي القارئ العربي وتفتح له آفاقًا جديدة عن طريق المحاور التالية:

  • الخروج من سجن المركزية الغربية: يستطيع القارئ العربي أن يرى ويتعلم ويستلهم مفاهيم جديدة عن النجاح والجمال والتقدم وكل الأمور، بدلًا من المفاهيم التي رسختها الآداب الأوروبية، ويرى نماذج بديلة للحياة في آسيا وإفريقيا بعيدًا عن الحياة الأوروبية.
  • فهم التاريخ الحقيقي: ذلك التاريخ الذي نقرؤه من خلال الروايات والمترجمات الأوروبية له أوجه أخرى لا نعرفها بشكل كامل، ويمكننا الاطلاع عليها من خلال أصحابه في إفريقيا وآسيا.
  • اكتشاف جماليات لغوية جديدة: كل ما تتميز به آداب إفريقيا وآسيا من طرق سردية وجماليات لغوية يمكن أن تثري الذائقة العربية وتجعل القارئ العربي أكثر وعيًا وإدراكًا لتنوع الإبداع وقدرته على التجاوز.
  • أنسنة القضايا: كثير من الشعوب في إفريقيا وآسيا التي لا نسمع عنها إلا من خلال نشرات الأخبار نستطيع أن نتعرف عليها جيدًا من خلال الأعمال الأدبية المترجمة لنرى الإنسان وليس الرقم أو المساحة أو الموقع الجغرافي في تلك الشعوب.

في الختام، ستبقى الرواية المترجمة نافذتنا الأرحب لإعادة اكتشاف الذات عبر مرآة الآخر، وأداة حية لتفكيك الأفكار الجاهزة حول مجتمعات لطالما حُجمت في قوالب ضيقة. وسيغدو الانتقال بالترجمة من فلك المركزية الغربية نحو فضاءات آسيا وإفريقيا خطوة جوهرية لصناعة وعي إنساني متوازن يتجاوز لغة الأرقام ونشرات الأخبار الجافة.

ما هي الرواية المترجمة التي غيرت نظرتك نحو شعب أو ثقافة معينة؟ ولا تنسَ مشاركة المقال عبر منصات التواصل لتعم الفائدة للجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.