سؤال صعب يشغل بال ملايين الأشخاص في العالم سواء من طرف الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة العقوبات الكبيرة على شركة هواوي، أو حتى من طرف المبرمجين وصناع الهواتف والمهتمين بشأن التكنولوجيا في كل مكان، وهو ما نحاول شرحه بطريقة مبسطة في هذا المقال.
هواوي والعقوبات الأمريكية
في البداية لا بد أن نفهم أن العقوبات الأمريكية كانت تستهدف تحويل شركة هواوي العملاقة إلى شركة ذات قدرات محدودة لا تستطيع منافسة الشركات الأمريكية والأوروبية في الأنشطة التكنولوجية المختلفة، وبذلك الحد من قدرات العملاق الصيني في السيطرة والتوغل الذي تقول الولايات المتحدة إنه يُستغل لأغراض التجسس.
من هنا بدأت أمريكا فرض حظر كبير على دخول كثير من وسائل التكنولوجيا وأدوات التصنيع المهمة إلى الشركات الصينية، حتى تحد من قدرات شركة هواوي على تصنيع معالجات أكثر قوة لهواتفها مع الوقت، وهو ما يضمن التفوق الأمريكي والأوروبي.
ويحتاج الأمر أن تفهم أن قوة المعالجات ودقة تصنيعها تُقاس بالنانوميتر، وكلما كان النانوميتر أقل فإن قوة المعالج تكون أكبر؛ لذا فإن مساعي أمريكا كانت إيقاف شركة هواوي عند مستوى تصنيع 14 نانومترًا، لكن هواوي دائمًا كانت تسعى للوصول إلى قوة 7 نانومترات لمنافسة أمريكا وأوروبا.
الأمر الأهم في مسألة العقوبات هو منع أمريكا الشركة الهولندية ASML التي تصنع الجهاز الرئيس المستخدم في صناعة المعالجات من تصدير أي نسخة من هذا الجهاز إلى الصين، وبذلك عجزت الشركات الصينية عن إنتاج المعالجات ذات القدرات العالية وهذا الجهاز يسمى (آلة الطباعة الحجرية) أو (آلة الطباعة فوق البنفسجية القصوى)، وهو ما طمأن أمريكا كثيرًا لعدم قدرة هواوي على إنتاج المعالجات العملاقة.
اقرأ أيضًا: بين هاتف هواوي وسامسونج.. أيهما أفضل؟
مفاجأة هواوي للعالم
بعد هذا الشرح المستفيض لفكرة العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية نعود بكم إلى شركة هواوي التي بدأت في الاعتماد على نفسها، وعلى الشركات الصينية الأخرى مثلSMIC في إنتاج معالج عملاق يصل إلى دقة 7 نانومترات، وهو ما ظنه الجميع ضربًا من ضروب المستحيل، لكن شركة هواوي أعلنت عن سلسلة هواتف Mate 60 ذات المعالج العملاق كيرين 9000s الذي يتميز بدقة 7 نانومترات، وكذلك فهو يدعم تقنية عمل الجيل الخامس من الهواتف المحمولة، وهو ما مثل صدمة كبيرة بالولايات المتحدة ولكل المهتمين والمتابعين والمتخصصين بأمور التكنولوجيا في العالم.
اقرأ أيضًا: الفرق بين نظام 32بت ونظام 64بت
كيف استطاعت شركة هواوي أن تصنع هذا المعالج العملاق داخل مختبراتها وبالتعاون مع الشركات الصينية الأخرى؟
هذا هو السؤال الذي أرهق كثيرين في البحث عن إجابات عنه، إذ وضع هذا الإنجاز العقوبات الأمريكية في مهب الريح كما وضع شركة هواوي الأمريكية في مصاف الشركات الأمريكية والأوروبية، فهل وجدت شركة هواوي بديلًا ناجحًا عن جهاز الطباعة الحجرية الذي لا تصنعه إلا الشركة الهولندية المذكورة؟ أم أن الشركة الهولندية سربت أحد أجهزتها بطريقة أو بآخر إلى شركة هواوي أو إلى إحدى الشركات المتعاونة مع شركة هواوي؟
الأغرب من ذلك أن الرد الأمريكي قلل كثيرًا من قدرات شركة هواوي على إنتاج كمية كبيرة من معالجات كيرين 9000s العملاق، لكن الأغرب كان في أرقام مبيعات هواتف هواوي التي تعتمد على المعالج نفسه، إذ وصلت في الأسابيع الأولى إلى أكثر من 300 ألف نسخة من جهازMate 60 مع زيادة أعداد النسخ المباعة بالتدريج، حتى وصلت إلى نحو مليون نسخة حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
يرى كثير من المحللين والخبراء أن قدرة الشركات الصينية على تصنيع الشرائح الإلكترونية بهذه القوة والدقة قد يؤدي إلى الاستغناء عن الآلة الهولندية، والطريقة القديمة في صناعة الرقائق، وبذلك سيؤدي إلى تحول الصين عمومًا وشركة هواوي خاصة إلى عملاق يصعب منافسته في المرحلة القادمة.
ثم إن أمريكا ستراجع مسألة العقوبات والقيود، والبحث عن وسائل أكثر قوة وتشددًا وفاعلية في حصار الشركات الصينية العاملة في مجال الرقائق والشرائح الإلكترونية عمومًا وشركة هواوي خاصة.
اقرأ أيضًا: أفضل 5 أنواع هواتف بكاميرا عالية الجودة والدقة
الجدير بالذكر أن شركة هواوي لم تستسلم للعقوبات الأمريكية، وهو ما ظهر في تحركات الشركة على مستوى البحوث والابتكارات والإنفاق الذي تجاوز 140 مليار دولار في السنوات الأخيرة، من أجل أن تضع قدمًا بجانب الشركات الأمريكية والأوروبية، وهو ما يمنحنا رؤية واضحة عما يمكن أن تصل إليه شركة هواوي في المرحلة القادمة.
إذ يؤكد كثير من الخبراء أن هواوي لن تكتفي بصناعة الرقائق الإلكترونية، ولكنها ستتجه إلى مجالات عدة، مثل أجهزة الحاسوب والسيارات والطائرات وأنظمة الصواريخ التي تعتمد جميعها على تكنولوجيا الرقائق، وهو ما يمثل السبب الرئيس في قلق وخوف الولايات المتحدة من تطور هواوي والشركات الصينية منذ سنوات عدة.
وشاهدنا فصلين في قمة الإثارة من قصة الصراع الصيني الأمريكي في صناعة الرقائق، إذ كان الفصل الأول بعنوان العقوبات والثاني بعنوان عودة العملاق هواوي، فإننا بصفتنا مشاهدين في انتظار الفصل الثالث، وما يحمل معه من مفاجآت وإثارة وربما تغيير كبير في خريطة التكنولوجيا.
وفي الأخير يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات في ما يخص الصراع الكبير بين أمريكا والصين وكذلك أداء شركة هواوي في ظل العقوبات الكبيرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.