كيف تكون سعيدا في السجن؟

 

يبدو العنوان غريبا لأول وهلة، فالسجن من أضداد الحرية، والحرية هي رمز السعادة، فكيف يمكن لشخص محبوس أن يكون سعيدا؟ هذا ما سنكتشفه في هذه المقالة الفريدة والرائعة التي أعتقد أني أول من ألف فيها.

قبل أن نغوص في حيثيات هذا المقال الشيق والجميل، لا بأس ان نسأل أنفسنا لماذا يعاقب الانسان بالسجن؟ لماذا يعتبر السجن من أقصى العقوبات على الانسان؟ فقد يقبل الانسان أن يضرب او يعنف ويسب ويفقد ماله وجاهه لكنه لا يقبل إطلاقا أن يسجن.

قد يكون الجواب هو في فهم أن مضاعفة العقوبة لدى السجين عند عدم التزامه أو مشاغبته بوضعه في السجن الانفرادي ليبقى وحيدا.

أعتقد أن الفكرة بدأت تتضح، فليس المقصود بالسجن معاقبة الجاني بتقييد حركاته أو منعه من الاستمتاع بحياته، وإن كانت هذه الأشياء هامة، لكن الأصل في العقاب بالسجن هي منع الشخص من الحديث أو التقليل وحصر حديث السجين مع قلة قليلة من السجناء الآخرين، وفي حالة عدم التزامه يضاعف عقابه بمنعه من الحديث مع غيره في السجن الانفرادي.

يبين علم النفس وعلم الاجتماع الحديث ان أقصى عقوبة على النفس البشرية هي منعها من الحديث، لذلك كان من أساليب التربية والعقاب للأبناء عدم الحديث معهم وتجاهلهم، ونفس الشيء يحدث مع الأزواج فعندما يغضب أحد الزوجين فإنه يمتنع عن الكلام مع زوجه.

تحدث الكثير من حالات الطلاق نتيجة الزوج الصامت قليل الكلام حيث أن الكثير من الزوجات وبطبيعتهن فهن يحببنا الثرثرة والتدقيق في التفاصيل والاطالة في الكلام، عكس الرجال الذين يكونون في الغالب صامتين قليلي الكلام.

فعندما تقول الزوجة لزوجها: كيف كان يومك؟

فإن الزوج قد يبتسم أو قد يهز رأسه أو ربما قد يقول "كالعادة".

وقد يدفع فضول الزوجة لإطلاق وابل وكم هائل من الأسئلة ولا تلقى إلا نادرا القليل من الأجوبة، وقد يغضب الزوج من كثرة الأسئلة فيجيب بكلام عنيف تتسبب عنه معركة كلامية، قد ينجر عنها ضرب وتعنيف في بعض الأحيان، وهذا كله ناتج عن طريقة التفكير لدى كل من الزوجين كما أسلفنا سابقا.

فالزوجة بطبعها فضولية، تحب التفاصيل، التطويل الممل والقدرة على الكلام ربما طول اليوم وطرح الأسئلة البديهية وانتظار الإجابة من الزوج وقد يكون العكس في بعض الحالات القليلة عموما.

أما الزوج فعدما يسمع الأسئلة فإنه يجيب عليها في دماغه دون أن ينطقها ودون ان يرد باعتبارها أسئلة بديهية (فعندما تطلب الزوجة من زوجها مثلا زيارة أهلها غدا ولم يجبها، فهذا يعني انه قبل طلبها، وإلا فإنه كان يرفض طلبها بقوله لا) وأحيانا يأخذ وقتا في التفكير في السؤال وقبل أن يجيب تكون الزوجة قد انتقلت إلى سؤال أو أسئلة أخرى، مما يعطي الانطباع بأن الزوج غير مهتم بحديث زوجته، رغم ان الحقيقة ليست بهذا الشكل الظاهر.

السؤال الذي يجب أن نطرحه، هل بإمكان الانسان أو بالأدق النفس البشرية الكف عن الكلام (الحديث)؟ أو هل بإمكان الانسان الصمت؟ وقد قيل في الأمثال "الصمت حكمة وقليل فاعلها" وقيل أيضا "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب" وحكم وأقاويل كثيرة تمدح الصمت والسكوت، فهل الصمت يريح الانسان حقا؟

ستفاجئك الإجابة، أن الانسان لا يمكنه الانقطاع عن الحديث، فأكثر من 80 بالمائة هي نسبة حديث الانسان مع نفسه وحوالي 15 بالمائة تفكير، والباقي أي من 5 إلى 7 بالمائة هي فقط الذي يتحدثه الانسان مع غيره، فالإنسان كما لا يستطيع التوقف عن التنفس، فإنه لا يستطيع التوقف عن الحديث، ويقال عنه "حديث النفس"، فالإنسان دائم الحديث، حتى وأنت تكلم الناس أو تقرأ هذه المقالة فأنت تحاور نفسك وتتحدث معها باستمرار، فأنت ونفسك تتحدثان باستمرار ودون انقطاع تقريبا.

الآن فهمنا لماذا يعاقب الناس بالسجن الانفرادي، لمنعهم من الحديث مع الناس، وهو عقاب أليم على النفس البشرية، وإطالة هذا النوع من العزل يعتبر تعذيبا نفسيا قادر على الذهاب بعقل الانسان ودخوله في الهذيان ومنه إلى الجنون.

بعد هذه المقدمة التوضيحية، سنتحدث الآن كيف تكون سعيدا في السجن، ولن أطيل هنا في تعريف معنى السعادة، إلا في عبارة مختصرة: "السعادة هي راحة البال والطمأنينة النفسية والأمل بقادم أفضل".

أخي السجين، أختي السجينة:

الدنيا ليست عادلة، وإن كانت عادلة فنحن لا يسعنا فكرنا فهم هذه العدالة.

إن كنت أخي السجين، أختي السجينة مؤمنة بالله، ومؤمنة بقضاء الله، فالله سبحانه وتعالى هو المدبر لكل شيء، فهذا أمر سيساعدك كثيرا في إعادة بناء نفسك والتغلب على مصاعب السجن.

أما إن كنت أخي السجين وأختي السجينة غير مؤمنين بالله فسوف تجدون الله معكم، يرعاكم في سجونكم.

يذكر أن عالما مسلما يدعى أحمد بن تيمية، دعاه سلطان البلاد التي يقطنها لقصره في أن يفتي في مسألة ما، رأى فيها الشيخ العالم رأيا غير الرأي الذي يريده السلطان، فغضب عليه السلطان وقضى إما أن يقر برأي السلطان أو يعاقب العالم، فأجابه العالم بهذه الكلمات:

إن قتلتني، فقتلي شهادة (أي أموت على كلمة الحق ولا أقبل بالباطل، وسيجازيه الله بالجنة حسب اعتقاد المسلمين).

وإن نفيتني، فنفيي سياحة (سائح في أرض الله الواسعة).

وإن سجنتني، فسجني خلوة.

وهنا مربط الفرس، فالخلوة تعني الاختلاء بالنفس، والجلوس مع نفسك هادئا متأملا فيها، مراجع لها، تراجع ما فعلت من قبل وما ستفعله مستقبلا.

يختلي الكثير من الناس مع أنفسهم عندما تصيبهم مصائب، وتكثر عليهم المشاكل والهموم، حتى ما يعرف بـ" اليوغا" هي في الأصل طريقة للاختلاء بالنفس، وهي تعطي راحة نفسية هائلة وطاقة إيجابية مذهلة تجعل الانسان وكأنه يولد من جديد.

أخي السجين، أختي السجينة

قد قدر الله وما شاء فعل، أو شاءت الأقدار، أو هكذا الدنيا.

ربما أنت مظلوم، سجنت ظلما وزورا.

وربما أنت ظالم وأخطأت وسجنت، وفي كلتا الحالتين أنت اليوم سجين.

فماذا يجب عليك فعله لتكون سعيدا أثناء فترة عقوبتك بالسجن؟

أول شيء يجب أن نبدأ به، هو أنك اليوم مسجون، فلا داعي للضغط على نفسك أو لوم المجتمع أو الأهل أو أي شيء كان سببا في دخولك السجن، يجب أن تتقبل وضعك كسجين (قبول الوضع الراهن)، لتبدأ رحلة إنهاء العقوبة بأقل الخسائر (النفسية والجسدية) وأن تعود لحياتك وأهلك سالما معافى، وأن تعود بأكثر قوة وإرادة.

ثانيا: أن تندم على أفعالك المشينة التي أوصلتك إلى السجن، أطرد الضغينة والكراهية والحقد على من تعتقد أنهم أعداء أو من تسببوا في إيصالك إلى هنا، أبكي على أخطائك وجرمك إن كنت مذنبا، وأبكي كثيرا إن كنت أزهقت روحا، فلا يجوز لأي إنسان إزهاق روح، لآن الأرواح من أمر الله، والله وحده القادر على اخذها أو بعثها.

تعلم الحب، فالله خلقنا لنكون سعداء، أحب الناس يحبوك الناس، ارضى عن نفسك وأملئ قلبك بالحب يكون أول بلسم لنفسك.

ثالثا: أطلب إماما او قسيسا يزورك في السجن، ينصحك ويوجهك ويبين لك طريق الايمان، ونهج العودة إلى الله، العودة إلى سلامة الروح وطهارتها، فهذا سيخفف عنك الكثير وسيحرر نفسك ويخرجها من ظلمتها ومن ظلمها إلى طريق الخير والحب والإنسانية.

رابعا: حافظ على حسن السلوك، باحترام الأنظمة المعمول بها داخل السجون، فحسن السلوك يخفف من فترة العقوبة، وستربح أعواما ثمينة بدلا من إتمام مدة عقوبتك كاملة في السجن.

خامسا: تجنب مخالطة الأشرار والمجرمين، فكثير من المسجونين الأبرياء أو الذين أخطاؤ بسرقة صغيرة أصبحوا لصوصا ومجرمين كبار وحتى سفاحين بعد مخالطتهم لمثل هؤلاء المجرمين، فاعرف من تصاحب واعرف من تخالط.

الآن سنتطرق إلى أهم شيء يمكن من تحويل سجنك إلى فرصة كبيرة لتطورك وسعادتك، فانتبه وركز جيدا لما سيأتي لاحقا.

الكثير من الناس يحاول تعلم لغة جديدة، لكنه لا يستطيع لأنه لا يملك الوقت الكافي لذلك، فمشاغل اليوم وواجباته كثيرة، والنفس البشرية تبحث دائما عن الراحة والكسل.

نعم كثير من الناس يريدون تعلم أو إتقان علوم أو لغات أو فنون وغيرها، لكنهم لا يجدون الوقت لتحقيق أهدافهم، أما انت فيا لحظك السعيد، تملك كل الوقت فاستغله، نعم استغل وقتك ولا تدعه يذهب سودا، حتى لا تقول يوما "أعوام من حياتي ضاعت في السجن".

إذن فحجر الزاوية في سعادة السجين هي "استغلال وقته"، فيما ينفعه بعد خروجه، فطالع الكتب لتجد فكرة تنطلق منها، فإن كنت أمي، فانظم إلى دروس محو الأمية، وإن كان مستواك ضعيفا فحسنه بالتسجيل في الدروس الخاصة في تطوير المستوى وفي البرامج التعليمية المعتمدة بشهادات والمتوفرة في السجون.

أخي السجين، أختي السجينة:

تخيل نفسك وأنت تحصل على شهادة كبيرة، أو أنك تتقن لغة جديدة، أو أنك تجيد مهنة أو سلوكا يمكنك من تحسين مستواك بعد خروجك، تخيل نفسك حافظا لكتاب الله، شرف وأي شرف اكتسبته، سيجلب لك تقدير واحترام الناس، تخيل نفسك الانسان الذي تريد أن تكون، إنسانا صالحا مفيدا لنفسه وأهله ومجتمعه ووطنه، كن أحسن مما كنت عليه وأفضل، كن إنسانا.

كثيرة هي التجارب الحقيقية لمسجونين تحولت حياتهم نحو الأفضل واكتشفوا أنفسهم، وأصبحوا من النخبة في كل المجالات.

فهذا أحمد من مصر، يذكر أنه دخل السجن ظلما لانتمائه إلى جماعة إسلامية محظورة، وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وعند وضعه في المعتقل تعلم القراءة والكتابة، ثم داوم على حلقات العلم التي كان ينظمها العلماء المسجونين لينهل منهم العلم الكثير، ويصبح كاتبا ومؤلفا معروفا بيعت كتبه بالآلاف، وهو يحمد الله ويشكره على "نعمة السجن" كما يقول.

مصطفى هو مواطن جزائري تم سجنه لأنه قام باقتحام وسرقة منزل، وأدين بعشرة سنوات سجن، عند التحاقه بالسجن وجدا محمود، الشيخ محمود وهو إمام مسجد مدان بـ 20 سنة سجنا لمعارضته للنظام وانتمائه إلى حزب محظور، حيث تعلم مصطفى على يديه وحفظ القرآن كاملا أحكاما وتجويدا، وأخذ منه الفقه والسيرة النبوية، وتم إطلاق سراحه قبل إتمام العقوبة بسنتين لحسن سلوكه، بعدها مباشرة التحق مصطفى بمدرسة تكوين الأئمة وها هو اليوم إمام خطيب مجتهد تملء خطبه أرجاء المدينة التي يقيم فيها، وهو يقول" لم أحلم يوما ولم أعتقد في حياتي أني سأكون إماما، لكنه قضاء الله وقدره، ولله الحمد والمنة من قبل ومن بعد".

جون من مدينة فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية تم إدانته خمس سنوات سجن بارتكابه محاولة سرقة محل تجاري باستخدام السلاح، تعلم جون في السجن فن الطبخ، وبعد خروجه فتح مطعمه الخاص، مطعما فريدا اشتهرت مأكولاته في فلوريدا وفي كل الولايات المتحدة، وهو يقوم اليوم بدعم جمعيات إعادة تأهيل وإدماج المساجين، ويقدم نصائح للمساجين لتجاوز محنهم.

فرنك جامعي كانت هوايته القرصنة المعلوماتية واختراق الشبكات والابتزاز، تم مطاردته والقبض عليه من طرف المباحث الفيدرالية للولايات المتحدة وبعد قضائه فترة عقوبة سنتين، تام إطلاق سراحه، وقام فرنك بإنشاء مؤسسة خدمات معلوماتية، أصبحت تنافس كبرى المؤسسات المعلوماتية في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه بعض الأمثلة القليلة التي أردنا ذكرها، ولو أردنا الغوص أكثر لما وسعنا تأليف عشرات الكتب ولن ننتهي.

خلاصة قولي، أن سعادتك وأنت سجين بيدك، فارضى عن نفسك، واملأ فراغك بشيء مفيد، قرر واعزم وسترى أن السجن أصبح بالنسبة إليك وسيلة لتحقيق أهدافك وأحلامك وطموحاتك، فكن كما تريد، لأنك قادر عليه.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب