كم مرة توقفت في منتصف يوم عادي، ربما في أثناء قيادتك، أو أمام مرآة المصعد، أو في تلك اللحظة الصامتة قبل النوم، وسألت نفسك سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه يزن قلبك: هل هذه الحياة التي أعيشها تشبهني فعلًا؟
هذا ليس سؤالًا عابرًا. إنه أشبه بأن تقف أمام لوحة رسمتها بيدك… لكنك لا تتذكر متى ولا كيف رسمتها. ألوانها زاهية، إطارها أنيق، والجميع يمدحها، لكنك تشعر بشيء ناقص… كأن روحها لا تنتمي إليك.
وصفة الحياة المقبولة واغتراب الروح
نحن لا نُولد بهذا البعد عن أنفسنا. نحن نتعلمه… خطوة بخطوة. ننمو ونحن نحفظ وصفة «الحياة المقبولة»:
- وظيفة محترمة.
- زواج في التوقيت المناسب.
- منزل لائق، حياة مستقرة.
نتبع التعليمات بإتقان… ثم نصحو يومًا لنكتشف أن النتيجة لا تحمل توقيعنا. نشعر كأننا نرتدي بدلة ليست على مقاسنا، لكننا نخشى خلعها… لأن الجميع اعتاد رؤيتنا بها.
الحياة التي تشبهك… ليست حياة مثالية، ليست خالية من التعب أو الأخطاء، بل هي حياة لا تحتاج فيها أن تتظاهر، وثمة فرق عميق بين أن تكون ناجحًا، وأن تكون حاضرًا.
كثيرون ينجحون في أدوارهم، لكنهم يغيبون عن أنفسهم، يمضون سنوات طويلة وهم أبطال في مسرحية كتبها المجتمع، وعندما يُسدل الستار لا يجدون في الكواليس إلا سؤالًا واحدًا: «وأين كنت أنا طوال هذا الوقت؟»
لماذا نعيش حياة لا تشبهنا؟
إن الوقوع في فخ «الحياة المستعارة» لا يحدث فجأةً، بل هو تنازل تدريجي عن أصالتنا مقابل القبول الاجتماعي. نحن نتبنى أحلامًا ليست لنا ظنًّا منا أن مسايرة الجمع أمان مطلق، فتتراكم الاختيارات الخاطئة لتصبح جدارًا يفصلنا عن حقيقتنا. هذا الاغتراب ينبع من جذور عميقة تجعلنا نفضل ارتداء القناع على مواجهة العالم بوجهنا الحقيقي، وإليك هذه الأسباب إجمالًا:
أولًا: الخوف من الرفض
فمنذ الطفولة، نتعلم -على نحو غير مباشر- أن الحب مشروط:
كن كما نريد… تُحب، فنُتقن ارتداء الأقنعة، ونختار ما يُرضي الآخرين، ونُجيد التكيف… حتى ننسى حقيقتنا.
ثانيًا: الخوف من المجازفة
أن تعيش حياة تشبهك، يعني أحيانًا أن تخالف التوقعات:
- أن تقول «لا» حين ينتظر الجميع «نعم».
- أن تختار طريقًا أقل أمانًا… لكنه أكثر صدقًا.
وهذا يتطلب شجاعة… والشجاعة ليست سهلة.

كيف تعرف أن حياتك لا تشبهك؟
- تشعر بإرهاق عميق ليس من العمل، بل من التظاهر.
- تنتظر الإجازات… فقط لتشعر أنك حي.
- تحقق إنجازات… لكنها لا تمنحك معنى حقيقيًا.
- تسأل نفسك: «ماذا أريد؟»… فلا تجد إجابة.
- تشعر أن هناك نسخة منك… ما زالت محبوسة، تنتظر أن تُرى.
كيف تعود إلى نفسك؟
ليس بثورة مفاجئة، بل بصدق صغير… يتكرر.
ابدأ بأسئلة هادئة:
- متى شعرت أنك «حقيقي» آخر مرة؟
- ما الذي يجعلك تنسى الوقت؟
- من كنت… قبل أن يخبرك أحدهم بما يجب أن تكونه؟
ثم خذ خطوة بسيطة:
- قل «لا» لشيء لا يشبهك.
- قل «نعم» لشيء تخافه، لكنه يشبهك.
- امنح نفسك وقتًا يوميًا -ولو قليلًا- لتفعل شيئًا تحبه… دون مبرر.
الحياة التي تشبهك لا تُبنى دفعة واحدة، بل تُصنع من اختيارات صغيرة… صادقة.
في النهاية، الخسارة الحقيقية ليست أن تعيش حياة بسيطة، بل أن تعيش حياة لا تخصك. أن تمر السنوات وأنت حاضر في عيون الناس، وغائب عن نفسك. لذلك لا تكن ضيفًا في عمرك، لا تعش بدور كُتب لك.. اخلع القناع، واختر نفسك… حتى لو كان الطريق أصعب، لأن الحياة التي تشبهك تقف دائمًا هناك على الجانب الآخر من الخوف.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.