لا يزال الفيلم الوثائقي الذى انتقل من عالم السينما إلى عالم التليفزيون مادة ثريَّة للقنوات الفضائية، إضافة إلى عالم (الإنترنت)، خاصة بعدما استطاعت شركات إنتاج المعدات التليفزيونية إصدار كاميرات عالية الجودة.
فكاميرات (full hd) المستخدمة حالياً في التصوير التليفزيوني تمنحنا درجة عالية من الجودة في الصورة، فلا يمكن معرفة إذا ما كانت المادة المُقَدَّمة قد صورت على أشرطة سيللويد أو أشرطة ممغنطة؛ فالتطورات التقنية الهائلة في معدات التصوير التليفزيوني، والمونتاج، والإضاءة، والصوت.
دعت الكثيرين من أصحاب المواهب إلى الولوج إلى عالم الفيلم الوثائقي الذي لم تعد تكلفة إنتاجه معضلة كما كان من قبل.
قد يعجبك أيضًا الفيلم الوثائقي "أبكالبيس".. ضع الحرب العالمية الأولي بين يديك
صناعة الأفلام
أظهرت التطورات التقنية مصطلحاً جديداً وهو صانع الأفلام، وهذا المصطلح الذي ينظر إليه البعض على أنه مخرج العمل، لكن الأمر يختلف إذا ما نظرنا إلى تاريخ السينما الوثائقية.
فلا يمكننا النظر إلى مخرج فيلم "أرض إسبانيا" 1937 للمخرج (جوريس إيفن) على أنه صانع أفلام.
فالسيناريو كتبه مجموعة من المثقفين الأمريكيين، أما كتابة التعليق فكانت للأديب (أرنست هيمنجواي)؛ أي إن كاتب السيناريو يختلف عن المخرج، ويختلف أيضاً عن كاتب التعليق.
على عكس ما يقوم به المخرج الأمريكي (مايكل مور) الذي يعد واحداً ممن يشملهم مصطلح (صانع الأفلام) لكونه القائم بعملية ما قبل الكتابة، والتي سنتناولها بالتفصيل في متن الكتاب.
إضافة إلى أنه القائم بكتابة السيناريو، والتعليق، والحوارات داخل أفلامه، كما يعمد (مايكل مور) دائماً إلى تصوير أفلامه بنفسه، وإن كان في بعض الأعمال يستخدم مُصوراً محترفاً، حينما يظهر (مور) داخل العمل.
فصانع الأفلام إذا ما نظرنا إليه من هذه الزاوية يمكننا تعريفه على أنه ذلك الشخص المؤسس للفكرة (ما قبل الكتابة).
والذي يصيغها في شكل سيناريو يشتمل على الصورة، وكتابة التعليق، والحوارات، والمداخلات، والقائم بعملية التصوير، والإخراج النهائي، كما فعل (مايكل مور) في فيلم فهرنهايت 11/9.
يمكننا أيضاً أن نضيف إلى تلك المهام السابقة في عمل صانع الأفلام عدة وظائف مرتبطة بإنتاج الفيلم، كسائق، وفنّي كاميرا، وفنّي وخبير صوت، ومونتير، وفنّي إضاءة.
لكن تلك الوظائف إذا ما قام بها أشخاص آخرون لا تؤثر على كون (الكاتب، والمصوّر، والمخرج) صانعاً للأفلام.
فالوظائف السابقة تُمارَس كمهن لا تحتاج إلى الموهبة كالكتابة، والتصوير، والإخراج؛ أي إن عمل صانع الأفلام يعتبر عملاً مخططاً منذ البداية، وحتى انتهاء العمل.
أما الرافضون لعملية التخطيط لاعتمادهم على الكاميرا الارتجالية، فلا يمكننا اعتبار عملهم اعتباطياً، بل هو عمل مخطط منذ البداية.
قد يعجبك أيضًا كيف تختار فيلم الأنيميشن أو الفيلم الوثائقي المناسب لمشاهدته؟
احترف صناعة الفيلم الوثائقي
أيضاً بناء على تصور ذهني لدى صانع الأفلام عن فكرة ما، يبدأ بتصويرها، ثم يعمد بعد تفريغ الأشرطة (capture) وقراءتها قراءة واعية إلى التخطيط لعملية الكتابة ثم إخراج العمل بالتوليف (المونتاج).
إلا أننا لا نؤيد هذه الطريقة في صناعة الفيلم الوثائقي، وننصح صانع الأفلام المبتدئ إلى اعتماد الطريقة الأولى، فكل فيلم يقدمه صانع الأفلام لا بد وأن تسبقه فكرة ما، وتصوُّر ذهني عن الموضوع محل الدراسة محكوم بمعتقد (أيديولوجيا) صانع الفيلم.
فمثلاً لا يمكننا اعتبار الحملة الفرنسية على مصر من قبيل التنوير والتقدم كما ادّعى الفرنسيون، بل كانت احتلالاً أراق دماء المصريين المحاربين والعُزَّل، كما سيرد في سيناريو (كابوس في يقظة بونابرت).
وأيضاً نرى معتقد (أيديولوجيا) مايكل مور في فيلمه (فهرنهايت 11/9) واضحاً في إظهار الرئيس الأمريكي (جورج دبليو بوش) كمجرم حرب.
فقناعات صانع الأفلام تظهر جليّاً من خلال النص المكتوب، وأيضاً في لغة الصورة التي تنقل لنا رؤية صانع الأفلام في الموضوع محل التصوير.
فالصورة بكل مكوناتها من الديكور، والإكسسوار، والأشياء، والإضاءة، والعنصر البشري تقدم مادة معلوماتية، وتأثيرات نفسية لا يمكن إغفالها.
فالصورة لا تُقدِّم الجمالي فقط، بل تقدم أيضاً الاعتقادي (الأيديولوجي)، أما عملية التوليف (المونتاج) فهي المحصلة النهائية لرؤية صانع الأفلام؛ فهذه العملية لها من الأهمية ما يجعلنا نطرح تساؤلاً مهما:
هل ينبغي على صانع الأفلام تنفيذ هذه العملية التقنية بيده؟
قد يعجبك أيضًا فيلم وثائقي بعنوان " ثورة الأعمال الصغيرة ".. ريادة الأعمال والعمل
ماهية عملية المونتاج
وللإجابة عن هذا التساؤل لا بد وأن نحدد توصيفاً لعملية (المونتاج)، يدفعنا ذلك التوصيف إلى فرض سؤال آخر:
هل القائم على عملية المونتاج (المونتير) يخضع إلى حرفية التقنية أم أنه يندرج تحت مسميات الإبداع الفني؟
بالطبع يسهل على المخرج المحترف الإجابة عن تلك الأسئلة التي تندرج تحت مسمى (احتراف التقنية)، فمُنفِّذ المونتاج والذى يطلق عليه (مونتير) يخضع لرؤية وتعليمات المخرج القائم على العمل.
لذلك رأينا أنه كي يتمكن المخرج من التفرُّغ للعملية الإبداعية عليه أن يتخذ (مُنفِّذاً محترفاً) حتى يصبح تركيز صانع الأفلام بنسبة 100% على العملية الإبداعية، وكيلا ينشغل بالعملية التقنية.
ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال ألا يكون المخرج مُلمَّاً بتقنية المونتاج وإمكانيات البرنامج الذي يعمل عليه المنفذ (المونتير).
فربما يرى المخرج في لقطات أنهوا تصويرها ولا يمكنه إعادة التصوير أنه لو استخدم إضاءة خافتة مثلاً لكان المشهد أكثرَ تأثيراً، فيمكنه في هذه الحالة اللجوء إلى المونتاج لتصحيح الإضاءة.
إن مصطلح صانع الأفلام يمنحنا مساحة من التفريق ما بين الإبداع الفني، والممارسة التقنية، فصانع الأفلام هو ذلك الشخص الذي يحمل المواهب الثلاث (الكتابة، والتصوير، والإخراج).
حتى وإن كان الإخراج يشمل ضمن مفرداته الإشراف على الكتابة، والتصوير، والإضاءة، والصوت، وغيرها من مفردات صناعة الفيلم بوصفها مفردات يقوم بكل جزئية منها متخصص بذاته.
لكن في هذه الحالة لا يعتبر المخرج صانعاً للأفلام إلا إذا قام بالمواهب الثلاث، وهي تلك المفردات التي ستأخذ الحيِّز الأكبر في تلك الدراسة بمشيئة الله تعالى.
قد يعجبك أيضًا
-الفيلم الوثائقي personal shopper.. أفلام وثائقية عن الموضة
-فيلم "The houselight of orcas".. أفلام وثائقية عن قصص حقيقية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.