تهتم أغلب المؤسسات بثقافة الأداء التي تساعدها على التميز، ولكن ليست كل المؤسسات تولي اهتماماً بثقافة التعلّم، إذ ينبغي على الموظفين التحلي بالتواضع الذي يمكّنهم من معرفة ما لا يعرفونه، والفضول الذي يدفعهم لإعادة التفكير بالطريقة التي يؤدون بها مهامهم.
اقرأ أيضاً على چوك
10 قواعد لتطوير عملية التوظيف وتحفيز الموظفين، الجزء الأول
الأمان النفسي أساس التعلم والابتكار
أساس ثقافة التعلّم هو الأمان النفسي، أي القدرة على المجازفة دون خوف من الانتقاد والانتقام.
فعندما يشعر الموظف بأمان نفسي، يصبح أكثر استعداداً للاعتراف بخطأه، وأكثر انفتاحاً عند طرح المشكلات وابتكار الحلول.
أما أساس بناء الأمان النفسي فهو الانفتاح والشمول.
يمكن للقادة مثلاً أن يطلبوا من الموظفين تعليقاتهم وآراءهم حول كيفية تحسين الأداء، حينها سيتحفز الموظفون هنا لقول الحقيقة والتعبير عن الأفكار المهمة.
تجربة حقيقية لإنجاز الموظفين
لاختبار نجاح هذا المقترح، قام فريق بحثي بتعيين بعض المديرين بشكل عشوائي ومطالبتهم بتكليف فرقهم بالنقد البنّاء.
ومن ثم ارتفعت مستويات الأمان النفسي لدى هذه الفرق، لكن الأمر لم يستمر؛ حيث أن بعض المديرين لم يعجبهم ما سمعوا من تعليقات، واتخذوا موقفاً دفاعياً.
بينما وجد آخرون أن التعليقات غير مجدية أو شعروا بالعجز أمامها، مما أثناهم عن الاستمرار في طلبها.
اتبعت مجموعة أخرى من المديرين نهجاً مختلفاً، كان له تأثير أقل نسبياً في الأسبوع الأول، ولكنه أدى إلى مكاسب مستدامة فيما يتعلق بالأمان النفسي بعد عام.
فبدلاً من سؤال الموظفين عن آرائهم مباشرة، شارك هؤلاء المديرين تجاربهم السابقة التي استمعوا فيها إلى آراء موظفيهم وكيف أثرت على أهدافهم التنموية حينها، وأوضحوا كيف استفادوا من هذا النقد البنّاء، وحددوا المجالات التي كانوا يهدفون لتحسينها الآن.
اقرأ أيضاً على چوك: إلى أين يؤدي امتعاض الموظف؟
الاعتراف بنقاط الضعف يجعلك مديراً مثالياً
من خلال الاعتراف ببعض القصور أو الأخطاء، أظهر المديرون أنه يمكنهم قبول ذلك وأنهم منفتحون على جميع الآراء.
فهم بذلك تقبلوا فكرة الاعتراف بنقاط ضعفهم، مما جعل موظفيهم أكثر قدرة على الانفتاح والتعبير دون رهبة.
ما دفعهم إلى تقديم ملاحظات مفيدة أكثر، فهم يعرفون أن مديروهم يسعون للتطوير. وهو بدوره ما حفّز المديرين على إنشاء ممارسات لإبقاء الباب مفتوحاً، فبدأوا في إجراء محادثات واجتماعات أسبوعية فردية لمزيد من النقد البناء، إلى جانب الاجتماعات الشهرية التي يشارك فيها الجميع أهدافهم التنموية.
وتحقيق الأمان النفسي ليس حلقة منفردة أو مهمة مستقلة في قائمة المهام بل ثقافة تنتشر وتندمج في كيان المؤسسة ونسيجها.
ففي بداية هذه التجربة شعر بعض المديرين بالحرج والقلق من مناقشة نقاط ضعفهم، والموظفون أيضاً لم يكونوا واثقين من رد الفعل. فيما كان موظفون آخرون متشككين، واعتقدوا أن مديريهم يبحثون عن الإطراء أو يسعون للتعليقات التي تجمّل صورتهم وتمتدح حكمتهم. ولكن عندما أظهر المديرون التواضع والفضول لمعرفة الآراء المختلفة معهم تغيرت المفاهيم وكذلك الرغبة في المشاركة في هذه الثقافة الجديدة.
ورغم أن الأمان النفسي يمحو الخوف من تحدي السلطة، فإنه ليس دافعاً إلى التشكيك فيها. لذلك نحتاج أيضاً لبناء ثقافة تعلّم تقوم على المساءلة فيفكر الموظف ملياً فيما يقول أو يقرر بشكل مسبق.
التركيز على النتائج يضر أكثر مما ينفع
في ثقافات الأداء، يتحمّل الناس المسؤولية عن النتائج: هل نجحت مشروعاتهم أم فشلت؟ لكن التركيز على النتائج وحدها يدفع الناس إلى الاستمرار في مسارات العمل الروتينية ذاتها.
ولن يحاول أحد إعادة النظر في ممارساته لتطويرها، فهذا قرار ينطوي على مخاطر عالية. قد يكون التركيز على النتائج مفيداً للأداء على المدى القصير، ولكنه عقبة أمام التعلّم والاكتشاف على المدى الطويل.
ولا ينبغي الحكم على التجارب من خلال النتائج فقط، فربما تتخذ قراراً يأتي بنتائج إيجابية، ولكن ليس بالضرورة أن هذا القرار هو الأنجح، فربما كانت العملية بسيطة أو فقط حالفك الحظ.
أما إذا كنت بصدد اتخاذ قرار معقد، فأنت بحاجة إلى الدراسة والتجريب والاكتشاف وصولاً إلى أفضل ممارسة ممكنة. وفي هذه الحالة، إذا أتيت بنتائج سلبية، فليس بالضرورة أن يكون هذا فشلاً، خاصة إذا قيَّمت جميع جوانب القرار بدقة، وإنما يعد ذلك تجربة ذكية ستجني ثمارها في المحاولة أو ربما المحاولات اللاحقة.
متى نحتاج إلى التجريب؟
الوقت المثالي لإجراء التجارب هو عندما يصعب توقع القرارات والنتائج بشكل منطقي.
وبعض القادة مثلاً يبحثون عن ضمانات بأن النتائج ستكون مواتية قبل اختبارها أو الاستثمار فيها، مثلما يحجم البعض عن تمويل مشروعات جديدة قبل أن يحصلوا أولاً على طوابير طويلة من العملاء، أو أن تخبَر مجموعة من باحثي فيروس نقص المناعة البشرية أنهم لن يحصلوا على تمويل لتجاربهم السريرية إلا بعد نجاح علاجاتهم.
واشتراط نجاح التجربة قبل إجرائها هو العدو اللدود للتقدم. ولذلك فإن مؤسسات، مثل “أمازون” تعتمد على مبدأ الاختلاف والالتزام. كما أوضح “جيف بيزوس” ذلك في خطاب المساهمين السنوي قائلاً: “أعلم أننا نختلف على هذا، لكن هل ستراهن معي عليه؟” فبدلاً من المطالبة بنتائج مقنعة، تبدأ التجارب بتحفيز الناس على المغامرة.
الروتين بين العلم والابتكار
فالهدف في ثقافة التعلّم هو الترحيب بهذه التجارب الجريئة، فتصبح إعادة النظر في المعروف هي العرف المألوف ويصبح الاكتشاف سلوكاً روتينياً ودافعاً تحفيزياً يساعد الناس على طرح أفكار جديدة.
في ثقافات الأداء، غالباً ما يرتبط الناس بأفضل الممارسات، حتى تتحول الممارسة إلى فضيلة لا يجوز التشكيك فيها أو التحدث عن نقاط ضعفها، ما يقتل فينا الفضول لمعرفة مكامن نواقصها وفرص تحسينها.
لذلك تكمن الخطورة هنا في الركون إلى روتين ثابت يثنينا عن الابتكار. ففي ثقافات الأداء، يصمم الناس على إثبات أنفسهم ونجاعة ممارساتهم. ولكن في ثقافات التعلم، يهتم الناس أكثر بتطوير أنفسهم والمنظومة التي يعملون فيها بأكملها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.