كلنا يبحث عن السعادة، وكلنا يريد أنْ يكون سعيداً مغتبطاً في هذه الحياة، والسبب بسيط جداً وهو أننا نكره الألم بطبعنا ونفر منه، فطبيعتنا مفطورة على حب الخير واللذة والطمأنينة.
كما أنّ هذه الطبيعة نفسها جُبلت على تجنب الألم وكراهية الشر؛ لذلك تجد مِن الناس منْ يبحث عن السعادة بتجريب شتى الطرق المختلفة والمتعددة لنيلها ومع ذلك لا يجدها.
البحث عن السعادة
نراه يبذل في سبيلها النفس والنفيس والغالي والثمين حتى يتأتّى له معانقتها إلى الأبد بغير فراق، ولكن ينتهي به المطاف إلى العجز والاستسلام، وهو إنْ أدرك بعضها فإنّه لا يدرك كلها.
هكذا يستمر ويظل الواحد منّا طوال العمر باحثاً عن هذا الشبح الذي يُسميه البعض سعادة والبعض الآخر فرحاً، ولكن في النهاية نتأكد ونتيقن أننا لن نعثر عليه وتذهب جهودنا ومساعينا هباءً، فهل هذه التي تسمّى "السعادة" أتراها شبحاً أم جسماً ضبابياً حتى لا يُمسك، فهي بالتأكيد ليست جنية أو ملاكاً أو طيفاً سماوياً ماورائياً أو هي شعور نفسي داخلي يسكن في داخل أدمغتنا وقلوبنا يتميز بالتقلب والتبدل.
معنى السعادة
ما هذه السعادة التي يلهث وراءها الجميع فلا يجدونها، ما هذا الشيء الذي يفكر فيه الناس ليلاً ونهاراً، ويسكن حشاشة قلوبهم ومع ذلك يتمنع من الإتيان إليهم؟
ما هذه القيمة العجيبة التي من أجلها قطع الناس البحور والمحيطات بقوارب الموت إلى دول غنية وعرّضوا حياتهم لخطر الموت ومنهم من مات بالفعل؟ وإن سألت هؤلاء الذين نجوا أو الذين قطعوا البحور بجوازات رسمية لقالوا: أردنا البحث عن الفرح والسعادة.
كلنا يعرف أو يسمع عن أناس منْ بذل من أجل أنْ ينال وظيفة أو أنْ يبقى في منصبه أو ليرتقي في مكانته الوقتَ والجهدَ والمالَ وتنازل لأجل ذلك عن جميع أخلاقه ومبادئه؛ لأجل تحصيل مزيد من التقدير والقوة والمكانة، هذا الشخص يريد في النهاية تحقيق السعادة، واعتقد أنّ هذا الطريق الذي سلكه هو الموصل إليها.
هل الرفاهية تحقق السعادة؟
لا أحد ينكر أنّ الماديات تحقق الرفاهية والراحة من خلال تمكين الجسد من تلبية جميع مطالبه، وهذا ما يؤثر في النفس فتكون بذلك هادئة وغير مشغولة في تفكيرها في الحاجيات، فإنّ الذي لا يملك مسكناً لا يمكن أنْ يكون مطمئناً، وهذا الذي لا يملك قوتاً لعياله لا يمكن أنْ يكون مطمئناً أيضاً، ولكن ليست هذه الأشياء هي التي تحقق السعادة والفرح، فكم واحد منّا يمتلك كل شيء في حياته، ولكن لا يبدو سعيداً، ولا يشعر في نفسه بالسعادة التي كان يتوق إليها قبل أنْ يكتسب هذه الاشياء المادية.
وأنا أقولها صراحة: أجمل اللحظات فرحاً في حياتي لمّا كانت حياتي خالية من كل الماديات، وبعبارة أخرى عندما كنت فقيراً.
وهذا الأمر ليس خاصاً بي فقط، بل بك أيها القارئ الكريم، فإنّ أجمل اللحظات التي أمضيتها في حياتك، تلك التي كانت خالية من المشاغل المادّية وتلك التي لم تكن تملك فيها درهماً ولا ديناراً ولا دولاراً.
واللحظة السعيدة التي مضت لا يمكن استعادتها في اللحظة الراهنة والحاضرة، لأنّ تلك اللحظة لها شروطها الخاصة بها، فالمتعة التي كنت تجدها أنت وصديقك في حديثكما في الماضي، لا يمكن أنْ تتحقق في الحاضر إلا نادراً، والجولات السياحية التي كنت تقوم بها بمفردك أو مع أصدقائك قد فقدت من جاذبيتها في الحاضر.
لحظات السعادة النادرة
اللحظة السعيدة هي لحظة نادرة من عمر الإنسان، وكل لحظة لا تشبه الأخرى، لهذا من الصعب استعادتها ولو حققنا جميع شروطها.
وهل يمكن استعادة مشاعر حب جرت بينك وبين زوجتك لأول مرّة؟ هل يمكن استعادة نجاحك في الوظيفة في أوّل مرة أو في كسبك لمبلغ مالي لأوّل مرّة؟ هل تستطيع أن تعيش مرّة أخرة أحاسيس جولة قمت بها مع صديقك لمدينة أو لحقول في الريف؟ وهل يمكن استعادة كلمة أحبك سمعتها من خطيبتك لأول مرة؟ وهكذا فإن الفرح هو شعور داخلي يقوم في داخل الروح أوّلاً، وفي الذّهن، وإنّ أساسه نفسي بحت.
إنه لو امتلكت كل ما في العالم، من ذهب وفضة ومليارات، ونفسك لم تكن مهيّأة للفرح وللسعادة، فإنّ هذه الاشياء المادية لن تشعرك بالسعادة أصلاً، لأن العائق يكمن في داخلك أصلاً، كما أنه لو كانت تنقصك الكثير من الأشياء والحاجيات، وكنت تمتلك فن الرؤية إلى الاشياء وتعرف فن تقييمك لها، لحصلت على سعادة لا يشعر بها الملوك في قصورهم.
يتعلّق الأمر بكيفية تقييمنا للأشياء ولكيفية نظرنا إليها، وللأسف الشديد أصبح البعض منّا ينتظر تقديراً من الناس عندما يشتري سيارة مرسيدس أو عندما يُعّين في منصب سامٍ وكأنّه بهذا يعلن صراحة أنه ليس له قيمة دون هذه السيارة ودون هذا المنصب، ولا شك أنّ هذا الشخص سوف يشعر بكآبة حادّة عندما يخسر وظيفته وسيارته؛ لأنه ربط سعادته بتقدير الناس وهو مع السيارة أو في هذا المنصب دون ذاك، وليس بتقديرهم لذاته ولشخصه، فالسعادة عندما تُربط بالأشياء المادية تبقى رهينة لهذه الأشياء، والحق يقال: ليست الأشياء هي التي تجعلك سعيداً ومقّدّرا بين الناس، بل ذاتك وتفكيرك هو الذي يجعلك سعيداً ويمنحُك تقديراً عندهم.
والناس صنفان: الصنف الأول هو الذي ينتظر سعادته من تقدير الناس لما يمتلكه من أشياء وما يشغله من مناصب ووظائف، أما الصنف الثاني فهو الذي يأخذ سعادته من خلال تقديره لنفسه؛ لأنه يعرف كيف يفكر ويقيِّم الأشياء، فلا يحزن لحاجته لأشياء يعتقدها البعض ثمينة وغالية.
السعادة تحتاج قبل كل شيء إلى شروط ذهنية ونفسية حتى نستطيع أنْ نعيش في الحياة بسعادة، وحتى نستطيع أنْ نتنعم بما نمتلكه من أشياء مختلفة، فإذا كنت تمتلك كل أشياء العالم وأنت لا تمتلك ذهناً له قابلية للسعادة وللفرح، فلن تكون سعيداً مهما قُدِّم لك من أشياء أُخرى.
والفرح في الداخل كحال غنى النفس في الداخل، فالحريص لو ملأت جيوبه بكل أموال العالم فلن يعالج من مرض الجشع، كذلك الفرح يكون داخلياً قبل كل شيء، فالذي لا يكون مستعداً في داخله للفرح لن يكفيه العالم وما يقدِّمه له من أشياء.
ولكن ما علاقة الفرح بالإرادة الفاعلة، لا شك أنّ الفرح هو الذي يدفع الإنسان للفاعلية في هذا العالم، فالحزن مرتبط دائماً بالانكماش على الذات وبالتقوقع عليها، أما الفرح فهو يدفع الإرادة للنشاط وللدافعية وللانتشار.
الفرح يجعلك تفتح العالم أما الحزن سيجعلك متقوقعاً على ذاتك في داخلك، فكلّما كنت فرحاً تتعامل في العالم بنشاط ومرح وتفاؤل، وستُغني ما حولك نشاطاً وحيوية، أما الحزين فهو عالة على نفسه وعلى محيطه، وكلامه مثبّط للجميع.
والجسم الإنساني يخضع لمشاعر الفرح فيفرز هرمونات السعادة التي تدفعه للحركة والنشاط بينما الحزن يجعل الجسم خاملاً وكسولاً ومتثاقلاً، والمؤمن في هذه الحياة عليه أنْ يطلب سبل الفرح الحق بكل قوّة، وفي القرآن الكريم نهي للنبي عن الحزن، وذلك ما يسببه هذا الشعور على تأثير سلبي على قوّة الإرادة.
والإرادة كدافعية تتغذى على مشاعر الفرح والحزن حيث يمكن تمثيلهما بنهرين بلونين مختلفين، أحدهما ينبت شجرة الإرادة والآخر يُميتها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.