كيف تتعامل مع الكفيف ولا تؤذي مشاعره؟

من منطلق أني كفيف، سأتكلم في هذا المقال عن أغلب الأمور التي تضايقنا في التعامل، ولا يعني ذلك أن أي أمر سأذكره يضايقني أنا بالذات، بل سأتناول الأمور التي تضايق أغلب المكفوفين؛ وربما أحد هذه الأمور لا يضايقني مثلاً، وربما أمر آخر يضايقني ولا يضايق غيري؛ لذا سأُحاول جمع أغلب الأمور التي تضايق أغلب المكفوفين قدر الإمكان؛ لكي تتجنبها حتى لا تؤذي غيرك.

اقرأ أيضاً القصة الحقيقية لاختراع برايل

أولاً الحساسية الزائدة

أعني الحساسية في كل شيء، والحرص الزائد في التعامل في كل الأمور، تجد من يقول: لا تفعل هذا حتى لا يأخذ على خاطره؛ لا تقل كذا أمامه حتى لا تؤذيه.

صديقي، الإيذاء الحقيقي هو هذا، صدقني نحن لا يضايقنا الحديث عنا بأننا مكفوفين؛ وإنما الذي يضايقنا هو الحرص الزائد في البعد عن الحديث في هذا الأمر، تعامل على طبيعتك وتلقائيتك، ولا تخشى شيئاً، الأمر أبسط من ذلك بكثير، ولا توجد هذه التعقيدات.

وهذه الحساسية تظهر في أمور عديدة

  1. تعامل الأسرة بحرص وخوف مبالغ فيه، فيخافون عليه من الخروج، ومن السفر، ومن فعل أي شيء.

أُقدر شعوركم أيها الأفاضل، لكن بتصرفاتكم هذه تنتجون شخصيات معقدة، ومعدومة الثقة بالنفس، وخجولة وغير قادرة على المواجهة وتحمُّل المسؤولية.

  1. الأصدقاء باهتمامهم الزائد، وحرصهم المبالغ فيه في كل تصرفاتهم وحديثهم.

أُقدر مشاعركم، لكن تعاملوا معنا على طبيعتكم، هكذا بحرصكم المبالغ فيه تشعروه بالنقص والاختلاف دون أن تشعروا.

  1. الغرباء، تجد كماً هائلاً من التعاطف والإشفاق، ومصمصة الشفاه إلخ...، لماذا هذا كله يا سادة؟ فحالي ليست بهذه الصعوبة حتى تصعب عليكم هكذا.

اقرأ أيضاً تشخيص التوحد لدى المكفوفين

ثانياً التعامل مع الكفيف كأنه مريض

 فتجد أحدهم يدعو لك بالشفاء مثلاً، ومن أخبرك أني مريض أطمح إلى الشفاء، أعلم أن هذه الأمور تفعلونها بتلقائية ومن باب التعاطف وهكذا، وأُقدر ذلك بالطبع، لكن هذا يزعج الكثيرين.

ومن الأمور التي أجدها عجيبة، وتزعجني شخصياً في المواصلات العامة، تجد الكثيرين يهمون بالوقوف لإجلاسك، وتجد الآخر يقول: (معلش قعده عشان هو تعبان)، والله قدماي سليمتان صحيحتان، ما علاقة أنني كفيف البصر بأنني لا بد أن أجلس، المشكلة في عينيّ فقط على ما أعتقد.

أعلم أنكم تفعلون هذا بحسن نية، وعن طيب خاطر، لكن فكّروا في الأمر قليلاً، ولا تقُل لي نريد أن نجلسك حتى لا يصطدم بك أحد، حسناً إذا كنت شاباً ولست فتاة، ما المانع في أن تصطدم بي، من يصطدم، لكن لا تشعرني بأني مريض هكذا، تعال نتعارك، وسأُثبت لك من المريض والهزيل بدنياً، فكَف البصر ليس له صلة بالقدرات البدنية، فهل تعي ذلك؟

اقرأ أيضاً ضعف البصر..أسباب وعلاج ضعف البصر

ثالثاً معاملة الكفيف على أنه الشيخ والبركة

الكفيف شخص عادي مثله مثلك بالضبط؛ من قال لك بأنه بركة، أو شيخ، على أي أساس توصلت لهذا الحكم.

أود إخبارك أنني لست شيخاً، إذا لم تكن هي بالفعل مهنتي، ولست بركة ولا أي شيء من هذا القبيل، حتى تأتي لي أنا بالذات تطلب مني أن أدعو لك بصلاح الحال، حسناً من أخبرك أني مستجاب الدعاء أصلاً؟ ابحث عن أحد يدعو لكلينا، ولو كنت كذلك لنفعت نفسي!

أنا مثلك، ومن الممكن أن أكون أقل منك بالعكس، فأنا أفعل ذنوباً لا حصر لها، أقترف منها ما خفي وما ظهر، ولا يعني كوني كفيفاً أني مُنزهٌ عن الخطأ، لا تنسني أنت من دعائك فضلاً.

وتجد الأهل كذلك إذا رزقوا بطفل كفيف من الوهلة الأولى يقررون مصير حياته بأنهم سيعلمونه القرآن الكريم، وعلوم الدين، حتى يصير شيخاً كبيراً، يا سادة، لم تحصرونهُ في هذا الجانب فقط، لِمَ تضيقون واسعاً؟ لكل منا إمكاناته وقدراته، وميوله واهتماماته، لذا دع الأمور تجري في أعنّتها، وفي مسارها الطبيعي، دون أحكام فارغة، ليس لها معنى ولا جدوى.

اقرأ أيضاً أطعمة لتقوية النظر والمحافظة على سلامة العين الجزء الثاني

رابعاً التقليل من قدرات الكفيف

تجد الأهل والأصحاب في كل شيء يقللون من قدراته؛ "لا تفعل هذا فلن تستطيع"، "عنك هذا سأفعله بدلاً منك"، يظهر ذلك في المأكل والمشرب وفي كل شيء.

فبالتالي ننتج أفراداً لا يستطيعون فعل شيء، معدومي الثقة بالنفس، سلبيين لا يحاولون التعلم والتجربة، ليس لديهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

ويظهر ذلك في نظرة أغلب المجتمع للكفيف، على أنه محدود الإمكانات والقدرات، فمثلاً في مسألة الزواج وخاصة عند الإناث الكفيفات تجد نظرة الشفقة والتعجُّب كيف ستتزوج؟ وهل ستجد من يرضى بتزوجها وهي كفيفة؟ كيف ستدبر أمور بيتها؟ وكيف ستعّتني بأطفالها؟ إلخ...

لا عليكم سيرزقها الله بما يرضيها، وأما بالنسبة لكيف وكيف؟ لا عليكم أيضاً؛ فكَف البصر لا يعوق ذلك كله أصلاً، فقط عقولكم هي الضيقة المحدودة.

حتى في العمل، قد يتقدم لعمل ما شخصان، أحدهما كفيف، سيُرفض الكفيف مباشرةً   في أغلب الأحيان، لمُجرد أنه كفيف ولو كان الكفيف يُتقن العمل جيداً.

وقد أثبت كفاءة عن المُبصِر، لكن يرفض لكونه كفيفاً، استسهالاً وتقليلاً من قدراته، أو هو انطباع عام لدى الجميع بعدم الوثوق في قدرات الكفيف ولو ظهر عكس ذلك.

وفي التعليم بعض الأُسر لا يهتمون بتعليم المكفوفين تعليماً جيداً، أو لا يعلمونهم أصلاً؛ استهتاراً بهم وبقدراتهم.

فيقولون لماذا نعلمهم أصلاً؟ لن يستطيعوا التعلم، أو لن يفيدونا، أو من باب التهميش والاحتقار وعدم تقبلهم في الأساس.

حتى أنك تجد في بعض المؤسسات التعليمية إلغاء بعض المناهج الدراسية عن الكفيف ظناً منهم بأنه لن يستطيع تعلمها من باب الاستسهال، بدلاً من تكييفها وجعلها تتلاءم مع قدراتهم وإمكاناتهم.

خامساً النظر للكفيف على أنه نقمة وابتلاء

كثير من الناس ينظرون للكفيف على أنه ابتلاء من الله لهم، ونقمة وشيء غير مرغوب فيه، ويتمنون لو لم يأتِ؛ ويصل الأمر في بعض الأحيان لتمني موته، ولا تتعجب فقد يفكرون في التخلص منه بالفعل؛ وينعكس ذلك على تصرفاتهم معه على النحو الآتي:

التهميش في كل شيء كعدم استحباب وجوده في أي مكان حرجاً وخجلاً منه، أو لعدم تقبله.

حتى التهميش في إبداء الرأي فلا يسمحون له بذلك، أو لا يستشيرونه لأخذ رأيه في أي شيء استهتاراً به، أو لأنه محتقر لديهم، كذا في عدم تعليمهم كما ذكرنا.

ويصل الأمر في بعض الأحيان من الاحتقار وعدم التقبل لهم إلى التوبيخ والعنف، أو الاهمال المطلق؛ وكأن الكفيف عار ومنقصة وسُبّة لكونه كفيفاً، صدقاً عقولكم أنتم هي العار والسُبّة، إذا كان هذا التفكير المريض هو تفكيرها.

سادساً الاستهزاء والتنمر

سواء كان هذا الاستهزاء بشكل مباشر كالمعايرة، فيصفك أحدهم بالأعمى مثلاً، نعم أنا أعمى البصر، ولا أتحرج من ذلك؛ بالطبع أفضل من أعمى البصيرة، أو كان هذا الاستهزاء بشكل غير مباشر، أو عن غير قصد كأن يرفع أحدهم أصابعه أمام عيني ويسألني (دول كام).

وأحدهم يأتي ليصافحك ويسألك: من أنا؟ هل تتذكرني؟ الأمر يكون محرجاً للغاية إذا لم أكن أتذكرك، فتختلط الأصوات في بعض الأحيان، اعذرني، أقدر الحس الفكاهي لديك، لكن لا تفعل هذا إلا مع شخص قريب منك جداً.

ومن الأمور التي تضايق الكثيرين: ذكر لفظة أعمى كثيراً في معرض الاستهزاء والسخرية والذم والتهكم؛ كأن يفعل أحدهم فِعلة غبية مثلاً: فيقال له: (هو أنت أعمى)، (ليه كدا يا أعمى)، أو (روحي إلهي تتجوزي أعمى)، وأشياء من هذا القبيل، لا أدري ما علاقة العمى بالسب والسخرية والتهكم، لكن هي ثقافة مُتأصلة في وعينا للأسف بأن العمى منقصة.

قواعد عامة للتعامل مع الكفيف

بعيداً عن أي تعقيد، وبمُنتَهى البساطة، تعامل مع الكفيف على أنه شخص طبيعي وبتلقائية، مثل ما تتعامل مع أي أحد، هذا كل ما أريده منك، فأنا لست البركة ولا المنزه عن الخطأ؛ وكذلك لست عاجزاً عن الحركة.

نصائح للأهل وللكفيف

الكفيف ليس نقمة ولا عاراً، دعه يعتمد على نفسه من فضلك، لا تفعل أي شيء إضافي غير أن تعامله مثل إخوته المبصرين وأقرانه فقط.

لا تعطي أحداً فرصة للاستهتار بك وبقدراتك، فلتُرهم أنك لست عاجزاً، ولا محتاجاً لمُساعدة أحد، مثلك مثلهم، لا تقل عن أي مُبصِر في شيء؛ بل تستطيع أن تصير أفضل بإرادتك.

ولا تكن حساساً بشكل مبالغ فيه، تضايقك أقل الأمور، فعقول البشر متفاوتة، لا تكن حنبلياً هكذا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة