كيف تتشكل القناعات الشخصية عبر التجربة؟

إذا بحثنا عما يحدث عندما يتلقى الشخص نصيحة ما، فإنه قد يشكل قناعاته على افتراضات ومعلومات مجردة أو حكايات سابقة لم يتعايش معها ولم يجربها بنفسه. بينما في التجربة، يتم اختبار الأفكار والمعتقدات بشكل حي وتظهر النتائج الفعلية أمام الشخص، مما يجعله أكثر ثقة بهذه القناعات مقارنة بالنصائح النظرية، حتى يصل إلى مرحلة رسوخ الهوية ونضوج الوعي الشخصي.

وفي هذا المقال نشرح لك كيف تتشكل القناعات الشخصية عبر التجربة لا النصيحة، وما هي طرق تكوين القناعات، ومتى تصبح القناعات الشخصية خبرات ذات قيمة كبيرة، ومتى يجب أن يعتمد الإنسان على نفسه في اكتساب الخبرات وتكوين القناعات.

ما هي القناعات الشخصية وكيف تتشكل؟

يمكننا أن نقول إن القناعات الشخصية هي الأفكار والمعتقدات الراسخة التي يعتنقها الشخص، والتي تشكل هويته في النهاية، وتحكم رؤيته للعالم وتوجهاته وقراراته وسلوكه في الحياة. ويمكن تقسيم القناعات الشخصية إلى جزء يخص نمط التفكير والفرضيات الثابتة لدى الشخص، وجزء يخص القيم والمبادئ، وجزء يخص القرارات والسلوك.

بالنسبة لتشكّل القناعات الشخصية، فإن الأمر يعود إلى عدة عناصر قد تزيد لدى بعض الأشخاص، ومنها ما يلي:

  • التنشئة والتربية ومرحلة الطفولة، حيث تأثير الأسرة والمعتقدات الأولى في حياته.
  • التجارب الشخصية والخبرات التي يخوضها الشخص بنفسه، والتي ترسخ له أفكاره أو تغيّرها.
  • الثقافات المحيطة به والتي يحتك بها في البيئة، والأشخاص الذين يتعامل معهم.
  • المعارف والعلوم المتراكمة، سواء كانت معارف نظرية أو خبرات ومهارات عملية.
  • القيم الروحية والدينية وعلاقته بالله، والتي تصبح بعد ذلك إطارًا قويًا لقناعاته الشخصية.

لماذا يثق الناس في التجارب الشخصية أكثر من النصائح؟

  •  

معظمنا يثق في التجارب الشخصية أكثر من النصائح النظرية لأسباب عدة، ومنها ما يلي:

  • الواقعية: توفر التجارب الشخصية معرفة حقيقية وعميقة للشيء نتيجة التعامل المباشر وملامسة الظروف والأحداث.
  • العاطفية: عندما يمر الشخص بتجربة شخصية، فإنها تترك لديه أثرًا عاطفيًا وعقليًا أكبر وأعمق من النصائح التي يسمعها من أشخاص آخرين.
  • فجوة المصداقية: في كثير من الأحيان يرى الشخص أن من يقدم له النصيحة يفعل ما هو سهل، بينما تطبيقها هو الجزء الأصعب، وبالتالي لا تصبح النصيحة ذات قيمة كبيرة.
  • التحيز الذاتي: من الطبيعي أن يتحيز الشخص لنفسه ولتجربته الشخصية، وبالتالي يميل معظم الناس لما يرونه ويجربونه أكثر مما يسمعونه من نصائح ونظريات وأفكار بعيدة عن واقعهم الشخصي.
  • التفاصيل: حتى وإن كانت النصائح مستمدة من أشخاص أصحاب خبرات ومعارف كبيرة، تبقى التجربة الشخصية مليئة بالتفاصيل وغنية بالدروس الفرعية والمواقف الحقيقية.

ما مراحل تكوين القناعات عبر التجربة؟

لكي تتشكل القناعات الشخصية من خلال التجربة المباشرة، يمر الأمر بعدة مراحل حتى تصبح تلك القناعات راسخة وجزءًا من شخصية الإنسان، وهي كالتالي:

  1. في المرحلة الأولى تتحول الفكرة من كونها مجرد نظرية في الدماغ إلى تجربة فعلية يتم اختبارها على أرض الواقع.
  2. في المرحلة الثانية يحتاج الدماغ إلى دليل وإثبات، وهو ما يحدث من التجربة الحقيقية، وفي حالة مخالفة النتائج للافتراضات السابقة تتشكل قناعات جديدة.
  3. بعد ذلك يقارن الشخص ما حدث بالفعل على أرض الواقع وما لديه من قناعات سابقة ومعلومات ونصائح وافتراضات قديمة.
  4. في المرحلة التالية يتراكم لدى الشخص طبقات من المعرفة والخبرة في نفس الشيء محل التجربة، ومع الوقت ترسخ القناعات التي أكّدتها التجربة ويصل الشخص إلى مرحلة التفكير الفكري القائم على الخبرة الشخصية.
  5. بعد ذلك تتطور الشخصية لتصبح غير مقيدة بمعتقدات الآخرين، ومنحازة للخبرات الشخصية والتجارب الذاتية، وقادرة على مواجهة المخاوف، وتجربة أمور جديدة، واكتشاف مواضيع وتصحيح مفاهيم، وتصدير الخبرات للآخرين.

كيف نحقق التوازن بين النصائح والتجارب الشخصية؟

من الأفضل طبعًا ألا يتم تجاهل النصائح بشكل تام، حيث تمثل مصدرًا معرفيًا ذا قيمة عالية خاصة إذا تعلق الأمر بأشخاص لديهم خبرات وموثوقية معرفية، وهو ما يحتاج إلى اتباع الخطوات التالية:

  1. اختبار النصائح: تبقى النصيحة مجرد كلام نظري إلى أن يتم اختباره على أرض الواقع، وبالتالي لا تأخذ النصيحة كقاعدة مسلّمة، بل عليك تجربتها لكي تقرر إذا كانت مناسبة أم لا.
  2. تحليل التجارب: عليك أن تثق بأفكارك ومشاعرك أكثر، وتعزز تلك الثقة بالحقائق النابعة من تحليل التجارب الواقعية، لكي تفهم كيف شكلت تلك التجارب معتقداتك ومعتقدات الآخرين.
  3. التعلم من الأخطاء: من أهم القواعد التي تجنبك ارتكاب الأخطاء هو أن تتعلم من أخطاء الآخرين، وليس عليك أن تتبنى أفكارهم بالكامل، وإنما يمكنك الاستفادة من المواقف التي مروا بها لعدم تكرارها بنفس الطريقة، وهو ما يجعل للنصائح أهمية كبيرة.
  4. المرونة الفكرية: أكثر الناس قدرة على التطور هم الأشخاص الذين يمتلكون المرونة الفكرية لتعديل القناعات أو تغييرها إذا أثبتت التجربة عدم جدواها، حتى وإن كانت النصائح من أشخاص غير مفضلين أو لديهم عيوب. تبقى المرونة تبحث عن النتائج والفوائد.
  5. تقبل الأخطاء: من الجيد أن تتقبل أخطاءك وأن تعرف أنك سوف تخطئ وتصيب في طريقك لتكوين وتشكيل القناعات الصحيحة. عدم تقبل الأخطاء قد يدفعك إلى جلد الذات، وعدم تخطي الأمر سيمنعك كثيرًا من التطور.

كيف نقدم النصيحة بطريقة صحيحة؟

مع إدراكنا بأن النصيحة غالبًا ما تكون ثقيلة، وغالبًا ما يثق الناس في تجاربهم الشخصية وينحازون لقناعاتهم القديمة، فإننا لا نستطيع أن نتوقف عن إعطاء النصائح، خاصة لأبنائنا والأشخاص المقربين منا، وهو الأمر الذي يحتاج إلى بعض الضوابط، ومنها ما يلي:

  • أولًا: تقديم النصيحة بقدر كبير من الود والمحبة، وليس من خلال التعالي أو توجيه الأوامر.
  • ثانيًا: يجب أن تكون النصيحة في السر وليس على الملأ، حتى لا يشعر الشخص بالإحراج مما يدفعه لرفض النصيحة.
  • ثالثًا: ركز في كلامك على السلوك الذي ترغب في تعديله أو الموضوع الذي ترغب في توضيحه، وليس على الشخص الذي تقدّم له النصيحة.
  • رابعًا: قد يكون من الأفضل أن تستأذن الشخص قبل أن تقدّم له النصيحة، خاصّة الأشخاص خارج حدود الأسرة والعائلة، فإذا قبل فقدم له النصيحة بشكل متدرج من التلميح إلى التصريح.
  • خامسًا، والأهم: كن قدوة للأشخاص الذين تقدّم لهم النصيحة، فإن الفعل أقوى بكثير من الكلام النظري.
  • سادسًا: إذا أردت أن يسمعك الآخرون في النصيحة، فكن منصتًا واستمع لوجهات نظرهم وآرائهم لكي يبادلوك الإنصات والاستماع والاهتمام.
  • سابعًا وأخيرًا: عليك أن تحترم الاختلاف ولا تلزم أي شخص بقبول نصيحتك، فما دمت فعلت ما تراه خيرًا فقد انتهت المهمة.

 

في ختام رحلتنا حول تشكل القناعات الشخصية، ندرك أن التوازن هو مفتاح النضج، فالتجارب الشخصية هي المختبر الحقيقي لهويتك، والنصائح هي البوصلة التي قد تختصر عليك الكثير من العناء إذا أحسنت استقبالها وتطبيقها.

هل مرت بك تجربة غيرت قناعة كنت تعتنقها لسنوات؟ وكيف كان وقع النصيحة عليك في ذلك الموقف؟ يسعدنا سماع قصصكم ومشاركة المقال لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.