أهمية الممارسة النَّقدية:
كثيرًا ما نخاف من النَّقد والنُّقاد على الرَّغم أنه في أحيان كثيرة يصب في مصلحتنا ونندم بعدها جراء عدم التفاتنا للنَّقد ولكن بعد فوات الأوان كما يقال، ونقف موقف الحذر من أولئك الذين يكشفون عن المفارقات المقلقة في حياتنا العامة بهدف تقويمنا وإصلاحنا في الغالب وما أعنيه هو النَّقد التَّقويمي الإصلاحي لا النَّقد الهدمي المدمر فهذا مسلك معيب ومرفوض تماما، وجاء الإسلام مانعا لهذا النوع من الهدم المدمر للأشخاص والأقوام، بل في الغالب نجد من رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه تغليف النَّقد في صورة غير مباشرة لشدة وقعه على النَّفس وذلك في قوله : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟»([1]) وتأبي النُّفوس للنَّقد في مُجتمعاتنا لا أدري لما نرفضه ، هل لأنَّ النَّقد يكسر إلْفنا للأوضاع السائدة، ويُطالبنا من ثم بالتَّغيير؟ أو لأنَّ النَّقد يَنطوي على نوع من الإدانة لنا بسبب إبرازه للعيوب والأخطاء؟ أو لأن النَّقد يمنح صاحبه تفوُّقًا فوريًا على أقرانه، على حين أن التَّفكير البنائي يحتاج إلى فترة طويلة حتى تظهر ثماره؛ مما يدفعنا إلى الغيرة من النُّقاد؟ أو أن هناك أسبابًا أخرى لنفورنا من النَّقد وأهله؟
فالنَّقد الجيّد الذي نحتاج إليه في كل مجالات الحياة: هو ذلك المفكِّر الذي يرى المفارقة أو المسافة الفاصلة بين ما هو كائن وبين ما يمكن أن يكون، أو ينبغي أن يكون؛ لأن هذه المسافة هي جماع العِلل والمشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة، إنها المسافة الفاصلة بين المرض والعافية والتدهور والازدهار، لكن لا بد من القول: إن رؤية النقدي للصورة التي ينبغي -أو يُمكن أن نصير إليها- هي رؤية اجتهادية ظنية، كما أن رؤيته للواقع تصدر عن قناعة شخصية ومن زاوية خاصة، فهي أيضًا اجتهادية، وينبني على هذا أن تكون الرّؤى النَّقدية عبارة عن رُؤى اجتهادية غير ملزمة، لكن النقدي يُضيء المناطق المظلمة في واقعنا ورُؤانا، ويثري الحلول المطروحة، والاجتهادات المتوفرة، وهذا ليس بالشيء القليل. وقد فطر الله سبحانه الصغار على حب التساؤل، والتشوق إلى فهم كل ما يحيط بهم، وكأن ذلك يشكل الخطوة الأولى على طريق ممارسة التَّفكير الناقد، لكن مُعظم الناس لا يتعلمون فنَّ طرح الأسئلة، ولا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية لرؤية المفارقات والتقصيرات، ومن ثَمَّ فإنهم يألفون الواقع الرديء، ويكابدون المشاقَّ، دون أن يهتدوا إلى سبيل الخلاص! لنشجع أطفالنا وطلابنا على طرح الأسئلة المتنوعة، ولنحاول أن نصل معهم إلى أجوبة مقنعة وصحيحة قدر الإمكان؛ وقد قال أحد الحكماء: «قد منحني الله تعالى ستة رجال أقوياء يخدمونني، ويعلمونني كل شيء، وهم أصل كل ما أعرفه: (ماذا؟)، و (كيف؟)، و (متى؟)، و (لماذا؟)، و (أين؟)، و (مَنْ؟)، وإن رجاله الذين يتعلم منهم هم هذه الأدوات الاستفهامية التي تحيط بأيِّ ظاهرة، وتوفر مدخلًا لتسليط نور الوعي على أيِّ قضية أو مشكلة.
ويكون التَّفكير النَّقدي تفكيرًا إبداعيًّا بامتياز حين يركِّز على إيجاد البدائل؛ والحقيقة أن من النادر أن نجد مفكِّرًا ممتازًا يَنقد ظاهرة من الظواهر، ويكشف عِللها الكامنة دون أن يكون في ذهنه بعض الأفكار حول ما ينبغي عمله، وإحلاله محل الأشياء المعطوبة؛ فإذا وجدنا من ينقد ويجأر بالشكوى من سوء الأحوال في السياسة، أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو التعليم، ثم لم يُقدِّم لنا أيَّ حلول، أو علاجات، أو وصفات إصلاحية؛ فهذا يعني أنه يقوم بعملية احتجاج مبهمة، ينفِّس فيها عما في صدره ليس أكثر.
وأفضل النَّقد هو ذلك الذي يتم في ظلال البناء، وإذا تباطأت حركة اليد، فلا بد أن تتباطأ حركة الفكر، فدعوتنا إذًا إلى شيئين: عمل يَتْبعه نقد، ونقد يَتْبعه تغيير وإصلاح. والقرآن الكريم هو الذي أسس لممارسة النَّقد في المجتمع الإسلامي؛ فقد كانت الآيات تنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم متتبعة لتقلبات المجتمع وأنشطته وأحداثه العامة، وما من موقف يحدث إلا ونجد من القرآن بيانًا شافيًا لنقد ما حدث، وبيان ما له وما عليه، وما عليه البيان القرآني هو البابة العالية لمن يريد لوعيه التشكل بآلية الفكر النَّقدي، سواء على المستوى الشخصي، أو المستوي المجتمعي. والسُّنة المطهرة أسست وعيًا نقديًّا كبيرًا، سواء في المعايير النَّقدية للأشخاص، أو الأحداث، ومسألة تصحيح المفاهيم وتقويمها.
والسؤال الذي نطرحه بقوة الآن كيف السَّبيل لتأسيس العقلية النَّقدية؟
والعقلية النقدية يمتلك صاحبها نمط من التفكير يعتمد على البحث في الأسباب والنتائج، والتأمل في المعطيات بهدف الخروج منها برأي أو حكم يؤمن به الفرد، ويعتقد في صحته ، ويتفق مع المسلمات العلمية والقواعد المنطقية ، ولنع أنَّ النَّقد من الأمور الصَّعبة، والتي تحتاج إلى إعمال الرَّوية والموازنة؛ فالكثير من الناس يميل إلى إطلاق العبارات النَّقدية دون تدقيق ولا تحديد، ودون البرهنة على ما يقولونه أو تعليله، مما جعل مجالسنا العامة عبارة عن محافل للتذمر والشكوى والاتهام، والكثير من الكلام غير الدقيق وغير المسئول، وكم سمعنا من يقول: المجتمع فاسد، الغزو الفكري حطم الناس، الأمة تتدهور، الشَّباب هالك، ليس هناك أي أمل في الإصلاح، الغرب هو سبب بلائنا، وكل المحاورات والمناظرات -وخاصة في دنيانا المعاصرة- ينعدم فيها التَّفكير النَّقدي، وتبنى غالبها على الإطلاقات والخرافات، وقد حذر النَّبي صلى الله عليه وسلم من التقليد الثقافي للثقافات الأخرى؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ؟»([2]).
ففي هذا الحديث التحذير الشديد للصحابة من تتبع اليهود والنصارى؛ ومن أن يحذوا حذوهم ويقلدوهم في بدعهم، ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته مما سيقع منهم؛ يحذر الكثرة مما ستقع فيه القلة، ويحذر من التقليد الأعمى، ويحذر من الأضواء الكاذبة، ومن إلباس الحق بالباطل، ومن تزيين المفاسد، ويحذر من الاتباع في الابتداع، ويخبر بما سيقع في آخر الزمان للمسلمين، وأنهم سيضيعون العزة والكرامة، وسيشعرون بالذلة والهوان والنقص، وسيجعلون اليهود والنصارى سادة لهم؛ يرفعون إليهم أبصارهم، والنفس مولعة بتقليد الأعلى، فيسلكون مسلكهم، ويحاكونهم في سوآتهم ونقائصهم؛ حتى لو سلكوا أقبح المسالك وأضيقها حاكوهم واتبعوهم وفعلوا مثلهم، وقد حصل الكثير من هذا في زماننا؛ فالسُّنة المطهرة أسست لتكوين العقلية النقدية ضمن أطر واضحة بارزة المعالم، كما يلي:
(1) الشعور بالمسؤولية:
وذلك لأننا إذا لم نتقبل المسئولية ونتحملها لن نستطيع معالجتها، ومهما حاولنا إلقاء اللوم على الآخرين تبقى المشكلة عالقة، ونتائجها السلبية بارزة علينا، وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اتباع خطوات رشيدة في كل أمر يراه الإنسان نافعًا له في حياته ومماته؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»([3]).
ففي نهيه صلى الله عليه وسلم عن قول «لو» إبعاد لإلقاء اللوم على غيره في إخفاقه، وإسناد للسبب إلى غير مسببه، وقوله: «لو» مطلب للشيطان، حريص على اغتنامه؛ ولذلك قال الله تعالى للمؤمنين يوم أحد، لما تساءلوا عن سبب ما أصابهم: أهو من غيرهم أم من أنفسهم؟ فقال الله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ([4])؛ فنجد الخطاب القرآني يوجه من يسأل عن التعجب من حلول الهزيمة بهم، وهم جند الله وأولياؤه، وجاء الجواب صريحًا ومباشرًا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}؛ بسبب عصيان الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو بسبب الخروج من المدينة، وقد كانت رغبة النبي صلى الله عليه وسلم القتال فيها، أو بسبب قبول فداء الأسرى يوم بدر، وكان بالإمكان التعلل بأن أعداد المشركين كانت أكثر من أربعة أمثال المؤمنين، أو التعلل بأن عدة المسلمين أقل وأدنى من عدة المشركين، إلى ما هنالك مما يمكن للعقل البشري أن يبتدعه أو يخترعه، ولكن الخطاب القرآني أراد أن يُشعرهم أن ما حل بهم كان بسبب ضعف داخلي اعتراهم في صورة من الصور؛ فكانت العاقبة ما حل بهم.
(2) النَّظرة خارج الأفق:
أثناء الهجرة -والنبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأشدها- أعلنت قريش في نوادي مكة: أنه من يأت بالنبي صلى الله عليه وسلم حيًّا أو ميتًا؛ فله مائة ناقة، وانتشر هذا الخبر عند قبائل الأعراب الذين في ضواحي مكة، وطمع سراقة بن مالك في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأجهد نفسه لينال ذلك، وقدَّر الله تعالى أن يتبعه سراقة بن مالك، وأن يعرف طريقه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف بك إذا لبست سِوارَي كسرى؟!»، يقول النبي صلى الله عليه وسلم هذا وهو خارجٌ من مكة، مطاردٌ من كفار قريش!! ويَعِدُ سراقة بن مالك بسقوط مملكة من أعظم الممالك، فيقول له سراقة: كسرى بن هرمز؟!نعم كسرى بن هرمز الذي ربما لم يكن يخطر ببال سراقة أن يراه، فضلًا عن أن يلبس أسورته؛ فهذه النظرة خارج الأفق من أعلى درجات التَّفكير النَّقدي الإيجابي.
وما حصل في غزوة الأحزاب -ولعله أقرب مَثل ينطبق على أمتنا في هذا العصر- عندما تحزب الكفار على المسلمين، وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، قاصدين قتل النبي صلى الله عليه وسلم واستئصال شأفة الإسلام والمسلمين، وقد صوَّر القرآن حال أولئك الأحزاب، فقال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 10، 11].
في هذا الظرف العصيب الرهيب الذي زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب فيه الحناجر؛ نرى النبي صلى الله عليه وسلم يُربِّي أصحابه على الثقة بموعود الله، وعلى التفاؤل، وعدم اليأس والاستكانة للكافرين والمنافقين والمتربصين بهم الدوائر؛ ففي أثناء حفر الخندق تعترض الصحابة كديةٌ (صخرة)، كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وَسَلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، قَالَ: وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنَ الْخَنْدَقِ، لاَ تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، قَالَ: فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَليه وَسَلم، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وَسَلم، قَالَ عَوْفٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَضَعَ ثَوْبَهُ، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، فَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، وَضَرَبَ أُخْرَى، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا»([5]).
فانظر كيف نقل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من ذلك الوضع الشديد، والكرب العظيم، إلى وضع أوسع منه، ومجالٍ أرحب منه؛ فأي درس أعظم في النظرة خارج الأفق من هذا الدرس العظيم؟!
(3) السُّؤال:
إن الأسئلة هي وليدة التأمل العميق، والتأمل هو التفكير في التفكير؛ أي: تسليط نور الوعي على ذاته؛ كي يصبح على دراية أفضل بملاحظاته ومقولاته.
وإن الفقر في الأسئلة سيعني قطعًا الفقر في الإجابات؛ لأن السوية الذهنية مطلوبة لكل منهما واحدة، وأشعر أننا لا نميل إلى طرح الكثير من الأسئلة حول ما ننظِّر له؛ خشية أن نجد أنفسنا وقد حوصرنا بأسئلة لا أجوبة لها.
إن أي حقيقة هي ذات طبقات متعددة، وإن اجتراح أي طبقة وفهم كُنهها وجوهرها يحتاج إلى معارف ومفاهيم أكثر تفصيلًا ودقة، وإن براعتنا في طرح الأسئلة تعني أننا بدأنا نتحسس الطبقات الأكثر عمقًا في مسائل التخلف والنهوض الحضاري.
وهذا حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما لما سئل عن تحصيله للعلم؛ فقال: «بلسان سئول وقلب عقول».([6])
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يُنمي مهارة التفكير الاستنتاجي العقلي، وكان ذلك بما يلقيه صلى الله عليه وسلم من المسائل على أصحابه؛ إذ يستحث فيه تفكيرهم على التحليل والاستنتاج، ويكتشف طاقاتهم وقدراتهم المهارية، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا» ([7])
قال الحموي: «فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يقصد الإلغاز في كلامه، ويسمي اللغز أحجية أيضًا؛ لأن الحِجا هو العقل، وهذا النوع يقوي العقل عند التمرن»، وفي هذا يظهر حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حث أصحابه على استخدام عقولهم، وإعطائهم الفرصة الكافية للتفكير، وذلك لإيقاظ ما لديهم من طاقات وقدرات واستثمارها لحل كل ما يعترض طريقهم من مشكلات ومواقف.
(4) السَّعي إلى الوضوح:
السعي إلى الوضوح والحرص عليه وسلوك كل السُّبل المؤدية إليه هو دأب كل المفكرين، وغالب مشاكلنا الآن تتمحور في انعدام الوضوح والشفافية في العلاقات والمعاملات؛ مما يجعل الكثير من الناس يتذمرون ويشتكون من فلان وفلان من الناس، وبدلًا من تأسيس العقلية النَّقدية في الأحكام والممارسات يحل محلها عقلية الخرافة والجهل وإطلاق الكلام بدون وعي وتثبت، وبقدر وضوح رؤيتنا للحقائق بقدر ما يمكن لنا التجهز له، وبقدر جهلنا للحقائق بقدر ما يربك عقولنا بالأكاذيب والتحليلات الخاطئة والأوهام.
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإصابة منوطة بالاجتهاد؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ([8]).
المصادر والمراجع:
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.