كيف أصبحت.. خواطر وجدانية

لعمرك كأنك إذ تسألني كيف أصبحتُ لا تدري؛ فاعلمَنْ إذن: قد أصبحتُ أنتظر الأجل، وقد أبطأ علينا..

وهل الحياة إلا رحلة إلى دار المقام؟

فيُرجَى انقضاؤها، ولا يؤمَلُ منها إلا بلوغُ الغاية، أمَا وقد طالت الشُقَّة، وقل الزادُ والعتادُ؛ فالقصدَ القصدَ، وأن تُحَطَّ الرحالُ

ولا وربِّ البيت، ما أصبحتُ من الله إلا في عافيةٍ وسِتر؛ فلا مرض ألمَّ ولا نائبة، وما همي من أسْرٍ ولا فقرٍ ولا هتيكة..

ولم يزل ربي ستيرًا حليمًا، لطيفًا في قضائه، رحيمًا في ابتلائه؛ أعصي فيغفر، وأفجر فيعذر، وأحيد ولا يحيد، وأخون ولا ينفكُّ حافظًا عهدَه..

فيرزق غير ضنين، ويمُنُّ فيُعين، ويسمع الدعاء، ويرفع البلاء، وأنا أفقر إليه وأحوج، وهو عني أغنى الأغنياء..

وإني والله لفي نعمة منه وفضل غير شحيح ولا نزر؛ إلا أن النفس قد رأت من زمانها ما اشتد وقعُهُ عليها، ولقيَت من مجتمعها ما لا يسعد به خافِقٌ شاعِرٌ، ولا يطمئن به رأسٌ عاقلٌ مفكر، غير جاهلٍ ولا غافل.

وإني والذي نفسي بيده لأغتربُ بين يدي قومي وذويَّ كما اغترب النبيون في أرهاطهم، والصحابيُّون في بيوتات أهليهم وعشائرهم..

عدا أن أولئك كان أملهم في الوُحِيِّ وما تتصل بهم السماء، وأما أنا فما أملي إلا أن يقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا..

فيهلكَ هالكٌ بفجوره، أو ينجوَ ناجٍ برحمة المولى عليه، وإن هي إلا سِنِيُّ قلائل، حتى تكونَ الوقائعُ والبلابل

ألا إن أيام الدهر تهتَّكت، وإن الأرض بعُمَّارها فسدت، وإن الخير لقليل، وإن الشر لكثير، وإن الحق لخفيٌّ هزيلٌ -على قوته..

وإن الباطل لظاهر -على وهنِهِ-، والآمرُ بالمعروف يُجَهَّلُ ويضرُّ، والداعي إلى النُكرِ يُعزُّ ويُبَرُّ، والعامل بالفضيلة غريبٌ مُستنكَر يصدفُ العالَمون عنه، والمُقترفُ الرذائلِ مألوفٌ مرجوٌّ يؤتى إليه من البقاع جُلِّها.

يستترُ الصالحُ من جهالة القوم بصلاحه، ويجهر الفاحش بالجهالة جريئًا بها، قد أمِنَ أن يُرجَمَ بسوءٍ أو يُردَعَ بعقوبة؛ ألا أي محزنةٍ على القلب أعتى؟

وأي مصيبة أحرى ببؤسه واكتئابه، وما زالت الأمم بخير -وإن هي وهنت أقواتها وضعفت شوكتها- ما لم تُصِبْ في دينها بليِّةٌ، ولا في أخلاقها رزيِّة؟

فإن أصابا -وإن يكُ كل شيء دونهما رخاء ورفاهًا-، فقد والله هلكت وقد حضرت من حيث لا قوى تعينها ولا مال يرفعها.

 اقرأ أيضًا

-فقد الأحبة غربة.. خواطر وجدانية

-في المنتصف.. خواطر وجدانية

شاعرٌ وكاتبٌ ومترجمٌ مصريٌّ هاشميٌّ قُرَشِيٌّ، مُجازٌ من الألسن- جامعة عين شمس. يُقدِّسُ العربيَّةَ الثقيلةَ، ويذهب المحافظة. له من الدواوين: هذه سبيلي وبَوح القلم، ومن كتب النثر: مذكرات عاجز نفسي، ورحلة تيه، والحكاية... وغيرها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 6, 2023 - أمير رمضان إسماعيل
Feb 5, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Feb 2, 2023 - احمد عزت عبد الحميد محيى الدين
Jan 30, 2023 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
Jan 29, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
Jan 29, 2023 - أحمد السيد أحمد علي حسن
Jan 28, 2023 - لطيفة محمد خالد
Jan 28, 2023 - فاطمة الزهراء دوقيه
Jan 19, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Jan 18, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Jan 18, 2023 - رايا بهاء الدين البيك
Jan 18, 2023 - الدكتورة روزيت كرم مسعودي
Jan 18, 2023 - اسلام احمد احمد عبد الحميد المليجي
Jan 17, 2023 - احمد عزت عبد الحميد محيى الدين
نبذة عن الكاتب

شاعرٌ وكاتبٌ ومترجمٌ مصريٌّ هاشميٌّ قُرَشِيٌّ، مُجازٌ من الألسن- جامعة عين شمس. يُقدِّسُ العربيَّةَ الثقيلةَ، ويذهب المحافظة. له من الدواوين: هذه سبيلي وبَوح القلم، ومن كتب النثر: مذكرات عاجز نفسي، ورحلة تيه، والحكاية... وغيرها.