إذا كنت أنت أو أي فرد آخر من أفراد عائلتك يتحدث لغات أخرى غير اللغة العربية، فقد ترغب في أن يتعلم طفلك هذه اللغات أيضًا. يوجد نموذجان رئيسان لتربية الأطفال ثنائيي اللغة ومتعددي اللغات: لغة التراث كونها اللغة الأم، ولغة الشخص الواحد، وهو ما يمكن للوالدين دعمه باللعب، والأنشطة المنزلية، والمجتمعية، وأنشطة الأسرة الممتدة.
في هذه المقالة، سوف نتعرف سويًّا كيف ننقل لأطفالنا لغات العائلة التي تتحدث أكثر من لغة، وفوائد ذلك للطفل.
لغات العائلة.. كيف ننقلها لأطفالنا؟
إذا كنت زوجًا أو زوجة أو أي شخص آخر يساعدك في تربية طفلك -مثل الأجداد أو الأصدقاء- تتحدثون لغات غير اللغة العربية، فقد ترغبون في أن يكبر طفلكم وهو يسمع هذه اللغات ويستخدمها في حياته وتفاعلات اليومية. أو قد ترغبون في أن يكبر طفلكم وهو يسمع لغة أخرى ويستخدمها حتى لو لم يكونوا هم أنفسهم يتحدثونها، لأسباب عدة منها الإقامة في بلد أجنبي خلال السنوات الأولى من حياة الطفل.

على سبيل المثال، الأب يتحدث العربية، وقد يكون متزوجًا من أجنبية تتحدث الإنجليزية، يمكن لكل منهما التحدث بلغته الأصلية مع الطفل؛ ما يتيح له تعلم اللغتين على نحو طبيعي في تعاملاته اليومية.
أو قد يكون الجد والجدة يتحدثان لغة أخرى غير لغة الأبوين؛ ما يمثل فرصة رائعة للطفل لتعلم لغة تراثية إلى جانب لغته الأصلية، حتى وإن كان كلا الزوجين لا يتحدثان العربية، ومع ذلك لديهما رغبة في تعلم طفلهما لها، فقد يسجلانه في روضة أو برنامج تعليمي ثنائي اللغة لتعزيز مهاراته اللغوية.
فوائد تربية الطفل ثنائي اللغة
لتربية الأطفال متعددي اللغات أو ثنائيي اللغة فوائد متعددة، شرط أن يتقن الطفل لغته الأصلية قبل الانتقال إلى لغة ثانية. على سبيل المثال، يمكن أن تُحسِّن التواصل والروابط في عائلتكم المباشرة، فعندما يتحدث الطفل لغة أخرى سواء كانت لغة أحد الأبوين أو الجد والجدة، فإنه يصبح من السهل عليه التواصل والتفاعل مع المحيطين به على نحو طبيعي؛ ما يقوي الروابط الأسرية.
أيضًا فاللغة تعزز شعور الطفل بالهوية الثقافية والانتماء، وهذا أمر طبيعي، فمعرفة لغة الآباء والأجداد أو لغة المجتمع الذي نشأ وتربى فيه، من شأنها أن تساعد الطفل في الشعور بالفخر بجذوره الثقافية والانتماء لعائلته ومجتمعه ووطنه الأكبر.
ليس هذا فحسب، بل إن تربية الطفل على استخدام أكثر من لغة، تُحسِّن مهارات القراءة والكتابة، ومهاراته اللغوية والأكاديمية عامة؛ ومن ثم يطورون قدرة أكبر على التركيز والتفكير التحليلي. فالدراسات تشير إلى أن الطفل ثنائي اللغة لديه مرونة ذهنية أعلى وقدرة أكبر على حل المشكلات مقارنة بالأطفال العاديين.
تربية أطفال متعددي اللغات أو ثنائيي اللغة.. خيارات عائلتك
تعتمد طريقة مساعدة طفلك على تعلم أكثر من لغة على الأرجح على مكان ومدى قدرة طفلك على سماع اللغة أو اللغات واستخدامها. على سبيل المثال، قد يسمع طفلك اللغة ويستخدمها كثيرًا في المنزل مع أحد الوالدين أو أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء. أو قد يسمع طفلك اللغة ويستخدمها فقط في مواقف معينة، مثل منزل أحد الأجداد أو بيت العائلة.

إليكم نموذجان يمكن أن يساعدا في تطوير لغة طفلك:
اللغة الأم لغة منزلية
إذا كنت تستخدم اللغة الأم بشكل متكرر في منزلك، فعليك أنت أو شريك حياتك أو أحد أفراد عائلتك محاولة التواصل مع طفلك بهذه اللغة قدر الإمكان.
على سبيل المثال، إذا كانت الأسرة تتحدث اللغة الإنجليزية في المنزل، يمكن للوالدين أو الجد والجدة رواية القصص بهذه اللغة؛ فذلك يعزز ارتباط الطفل بهويته الثقافية واللغوية، ويمنحه فرصة أكبر للتفاعل مع أفراد عائلته.
الأم الذكية لا تضيع فرصة في البيت، سواء كانت في المطبخ أو في أثناء اللعب، إلا وتستغلها في جعل اللغة جزءًا من الأنشطة اليومية؛ ما يجعل الطفل يشعر بأنها جزء حي من حياته اليومية.
مثال آخر هو إذا كنت أنت وشريك حياتك تعانيان من ضعف السمع وتربيان طفلًا سليم السمع، قد يتعلم طفلك لغة الإشارة العربية في المنزل واللغة الإنجليزية في بيئة السامعين.
يعني نموذج (اللغة الأم لغة منزلية) أن طفلك يسمع هذه اللغة ويستخدمها كثيرًا في المنزل؛ لأن جميع أفراد الأسرة يستخدمونها يوميًا؛ كونها لغة التواصل الأساسية بين أفراد الأسرة. واللغة الأم هنا لا تقتصر على مناسبة خاصة، بل يجب أن تكون حاضرة في حياة الطفل منذ نعومة أظفاره، وفي مختلف مواقف حياته وتفاصيل يومياته، كأن تقول لطفلك: «أحضر الزجاجة» بلغته التراثية أو أن تطلب الأم منه غسل يديه قبل الأكل.
لا شك أن هذا التعرض المتكرر والمتواصل يساعد طفلك في اكتساب وتعلم اللغة الأم بسهولة ويسر، ويجعله مرتبطًا ثقافيًا وتاريخيًا بجذوره.
نموذج «شخص واحد - لغة واحدة»: حين تتحدث كل شخصية بلغة!
إذا كنت أنت أو شريك حياتك أو أحد أفراد عائلتك أو صديقك تتحدثون لغات مختلفة، فقد يناسبكم نموذج «شخص واحد - لغة واحدة».
على سبيل المثال، إذا كنت تتحدث الإنجليزية وكان شريك حياتك أو قريبك أو صديقك يتحدث العربية، فستتحدث أنت مع طفلك باللغة الإنجليزية، في حين يتحدث الشخص الآخر العربية معه.
يمكنك أيضًا استخدام هذا النموذج إذا كان شخصان في منزلك يتحدثان لغتين تراثيتين مختلفتين. على سبيل المثال، إذا كنت تتحدث العربية وشريكك يتحدث الفرنسية، فسيتحدث كل منكما لغته الخاصة مع طفلك في المنزل.
إذا كنتما تتحدثان العربية أيضًا، فقد تختاران استخدام اللغة الإنجليزية مع طفلك خارج المنزل. أما إذا كنت تتحدث اللغة الأم معه خارج المنزل، فلا بأس بذلك أيضًا. سيحظى طفلك بفرص كثيرة لتعلم اللغة العربية واستخدامها في المدرسة والمجتمع.
يُجدي نموذج الشخص الواحد واللغة الواحدة نفعًا عندما يفهم الجميع لغات بعضهم بعضًا، حتى لو لم يكونوا يجيدون التحدث بها. بهذه الطريقة، لن يشعر أحدٌ بالاستبعاد عند التحدث بلغتك مع طفلك.
قد يقلُّ استعداد طفلك لاستخدام لغته أو لغاته الأصلية مع تقدمه في السن. في هذه الحالة، حاول الاستمرار في استخدام لغته الأصلية معه، خاصةً في المنزل. حتى لو بدأ يستجيب أكثر باللغة الإنجليزية، فسيستفيد على المدى القصير والطويل من سماع اللغة.
تربية أطفال متعددي اللغات أو ثنائيي اللغة.. نصائح
توجد كثير من الوسائل العملية التي يمكنك بها دعم نمو طفلك وتطوره اللغوي. وهذه مجموعة من النصائح العملية التي من شأنها مساعدته في اكتساب اللغة بطريقة طبيعية، سواء كان في المنزل أو خارجه:
اللعب والألعاب.. التعلم بالمرح
واحدة من أفضل وسائل تحفيز الطفل على استخدام اللغة، هو اللعب، خاصة إذا كان ممتعًا وتفاعليًا، كما في قراءة القصص بصوت عالٍ بلغة الطفل الأصلية وتشجيعه على التفاعل بطرح الأسئلة أو ترديد وتكرار العبارات التي يسمعها.

كذلك يمكن بواسطة بعض الألعاب اللغوية البسيطة، مثل «أين أنا» أو «لعبة الذاكرة» التي يمكن التركيز فيها على المفردات والجمل الأساسية.
الغناء والأناشيد وسائل ممتعة وفعالة أيضًا، إذا أحسن استخدامها باللغة الأم، فالألحان تسهل حفظ الكلمات والعبارات وتساعدهم في التذكر، وكذلك السجع.
إضافة لما سبق، توجد كثير من التطبيقات التعليمية باللغة الأم، تم تصميمها خصيصًا من أجل تعليم الأطفال المفردات والقواعد بطريقة ممتعة ومبسطة.
الأنشطة المجتمعية.. توسيع بيئة التعلم
استخدام اللغة لا يقتصر فقط على الأفراد داخل المنزل، فمن المفيد جدًا أن يرى الطفل ويسمع لغته الأم خارج نطاق الأسرة بالالتحاق بمؤسسات تعليمية تقدم برامج بلغته الأصلية، أو تسمح للطفل بالتفاعل مع الأطفال الذين يتحدثون بها.
كذلك يمكن تنظيم لقاءات لعب مع أطفال آخرين يتحدثون لغته الأم، فاللعب الجماعي يعزز الثقة بالنفس، ويشجع الطفل على استخدام اللغة بطلاقة للتواصل مع أقرانه.
يمكن أيضًا اصطحاب الأطفال لأمكنة تستخدم فيها اللغة الأم، مثل المتاجر والأمكنة الأخرى، حيث يمكنه تجربة استخدام لغته الأم في المواقف الحياتية اليومية.
الزيارات العائلية والسفر، فرص ذهبية تعمق فهم الطفل للغة والثقافة الأصلية، وكذلك المشاركة في الأنشطة الثقافية والفعاليات كالاحتفالات والمهرجانات التي تعزز الهوية والانتماء لدى الطفل.
في المنزل.. لغة الحياة اليومية
البيت هو المؤسسة التربوية الأولى والأكثر تأثيرًا في تعلم واكتساب الطفل ليس للغة فحسب، وإنما للقيم والمبادئ حتى العادات والتقاليد. كيف يمكنك فعل ذلك؟

- يمكن الاستماع إلى البرامج الإذاعية بلغتك الأم، بما في ذلك البرامج الموسيقية الرائجة والقنوات المخصصة للمراهقين.
- إذا كان لديك عائلة وأصدقاء يعيشون في الخارج، شجِّع طفلك على التواصل معهم عبر دردشة الفيديو أو الإنترنت.
- فكِّر في اهتمامات طفلك. على سبيل المثال، كرة القدم، الموسيقى، البرامج التلفزيونية، الطبخ، وما إلى ذلك. حاول دمج لغتك الأم في هذه الاهتمامات. على سبيل المثال، يمكنك العثور على وصفة تقليدية من مجتمعك وطهيها معًا باستخدام لغتك الأم فقط.
- شاهد الأفلام أو المباريات الرياضية بلغتك الأم. على سبيل المثال، عبر القنوات الفضائية أو خدمات البث عبر الإنترنت. يمكنك أحيانًا تحويل الصوت أو الترجمة للمحتوى الإنجليزي إلى لغات أخرى.
- ساعد طفلك الأكبر سنًا أو المراهق على الوصول إلى مجتمعات آمنة على الإنترنت قائمة على اهتماماته بلغته الأم، بما يتناسب مع اهتماماتهم.
وأنتم أعزائي القراء، من الآباء والأمهات، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل هذه المقالة، بشأن تجاربكم في تربية أطفالكم بلغتين أو أكثر؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.