داخل المساحات المتعددة التي يفتحها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أمام الفنانين والمتلقين، لا تقتصر التجربة على مشاهدة العروض، بل تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك، فتتحول الورش التدريبية إلى مختبرات حقيقية لاختبار حدود الأداء وإعادة التفكير في أدواته.
وفي هذا السياق، جاءت ورشة «كوميديا دي لارتي» الإيطالية بوصفها تجربة استثنائية لا تكتفي بتقديم معارف أو تقنيات، بل تدعو المشاركين إلى إعادة اكتشاف المسرح من جذوره الأولى، فيغدو الجسد هو البداية، واللحظة الحية هي الغاية، والارتجال هو الطريق.
هذه الورشة لم تتعامل مع «كوميديا دي لارتي» بوصفها مادة تاريخية من الماضي الأوروبي، بل كمنهج حي يمكن استعادته داخل سياق معاصر، الأمر الذي جعلها تتجاوز كونها ورشة تدريبية إلى تجربة فكرية وجمالية، تعيد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة التمثيل، وحدود النص، وعلاقة الممثل بالجمهور.
كوميديا دي لارتي.. تراث لا يزال يتحرك
يعود هذا الشكل المسرحي إلى إيطاليا في القرن السادس عشر، حين ظهر كمسرح شعبي متنقل يعتمد على شخصيات ثابتة وقوالب درامية مفتوحة تعتمد على الارتجال بدلًا من النص المكتوب، وهو ما جعله أكثر ارتباطًا بالجمهور وأكثر قدرة على التكيف مع السياقات المختلفة.
غير أن أهم ما يميزه لا يكمن فقط في شكله الخارجي، بل في فلسفته العميقة التي ترى أن المسرح ليس نصًا يُنفَّذ، بل فعلًا يُخلق في اللحظة، وأن الممثل ليس ناقلًا للمعنى، بل منتجًا له عبر حضوره الجسدي وتفاعله المباشر مع ما يحيط به.
وهذا الفهم تحديدًا هو ما جعل استعادة هذا الشكل داخل ورشة معاصرة أمرًا ذا دلالة، إذ لم يكن الهدف هو محاكاة الماضي، بل استخدامه كأداة لإعادة التفكير في الحاضر، وكأن الورشة تطرح سؤالًا ضمنيًا حول ما إذا كان المسرح الحديث، في سعيه إلى التقنيات والحداثة، قد ابتعد عن جوهره الأول.
الجسد مدخل أساسي إلى الأداء
أحد أهم محاور هذه الورشة تمثَّل في إعادة الاعتبار للجسد بوصفه الأداة الأولى والأكثر صدقًا للممثل، فقد انطلقت التدريبات من فكرة أن كل فعل مسرحي حقيقي يبدأ من إدراك الجسد لذاته في الفضاء، وقد اعتمدت التمارين على تحريك الجسد خارج عاداته اليومية، ودفعه نحو اكتشاف إيقاعات جديدة تمكنه من التعبير دون الاعتماد الكامل على اللغة.
في هذه التجربة، لم يعد الجسد مجرد حامل للكلمات، بل أصبح مصدرًا للإيقاع والمعنى، وهو ما جعل المشاركين يعيدون النظر في طريقة وقوفهم، ومشيهم، وتفاعلهم، وحتى في علاقتهم بالزمن داخل العرض، فيتحول الأداء من تنفيذ حركات إلى وعي مستمر بالحركة نفسها.
القناع.. حين يصبح الإخفاء كشفًا
من أبرز اللحظات التي أثَّرت في مسار الورشة كان استخدام القناع، وهو أحد العناصر المركزية في «كوميديا دي لارتي»، فبدا واضحًا أن هذا العنصر البسيط يحمل في داخله تحولًا عميقًا في الأداء.
فعلى الرغم من أن القناع يخفي ملامح الوجه، فإنه يدفع الممثل إلى مضاعفة التعبير الجسدي، كأن ما يختفي من الوجه يظهر في الجسد. وبمرور الوقت، يصبح القناع وسيلة للكشف لا للإخفاء، فيتعلم الممثل أن كل تفصيلة في حركته تحمل معنى، وأن الصمت قد يكون أكثر تعبيرًا من الكلام، وهو ما يعيد صياغة العلاقة بين الحضور والغياب داخل العرض المسرحي.
الارتجال بوصفه جوهر اللحظة
لم يكن الارتجال في هذه الورشة تمرينًا تقنيًا فحسب، بل تحول إلى فلسفة أداء قائمة على الثقة في اللحظة، فطُلب من المشاركين أن يتخلوا عن فكرة السيطرة الكاملة، وأن يسمحوا للموقف بأن يتشكل أمامهم.
هذا النوع من التدريب يعيد إلى المسرح طبيعته الأولى، فلا يكون العرض نتيجة تخطيط مغلق، بل تجربة مفتوحة تتطور مع كل تفاعل. ومن خلال ذلك، يكتشف الممثل أن الأداء الحقيقي لا يكمن في إتقان النص، بل في القدرة على الاستجابة، وأن العلاقة مع الشريك على الخشبة لا تقل أهمية عن العلاقة مع الجمهور، وهو ما يعيد تعريف التمثيل كفعل مشترك، لا كجهد فردي.

هل المسرح المصري فقد روح الارتجال؟
يطرح هذا السياق سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته، وهو ما إذا كان المسرح المصري قد فقد روح الارتجال التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من حيويته في مراحل سابقة. فإذا عدنا إلى بدايات المسرح الشعبي، نجد أن الارتجال لم يكن مجرد أداة، بل كان جوهر الأداء، فكان الممثل يتفاعل مع الجمهور لحظة بلحظة، ويعيد تشكيل المشهد وفقًا للاستجابة، وهو ما منح العرض طابعًا حيًا وغير قابل للتكرار.
غير أن تطور المسرح لاحقًا، خاصة مع ترسيخ سلطة النص والإخراج، أدى إلى تقليص هذه المساحة، فأصبح الأداء أكثر انضباطًا وأقل قابلية للمفاجأة، وهو ما أفقده جزءًا من عفويته. ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذا الفقدان كان مطلقًا، بقدر ما يمكن اعتباره تحولًا، فانتقل المسرح من الارتجال المفتوح إلى الأداء المحسوب، ومن التفاعل اللحظي إلى البناء المسبق.
وعند هذه النقطة تبرز أهمية ورش مثل «كوميديا دي لارتي»، التي لا تعيد الارتجال كتقنية فقط، بل كفلسفة أداء، تعيد للممثل قدرته على الإنصات والتفاعل، وتمنح العرض مرة أخرى تلك الهشاشة الجميلة التي تجعل كل ليلة مختلفة عن الأخرى.
الورشة في سياق المهرجان
إن وجود هذه الورشة داخل مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي لا يأتي كإضافة هامشية، بل يعكس رؤية واضحة تقوم على دعم التجريب، وتنويع مصادر المعرفة المسرحية، وفتح المجال أمام تلاقي المدارس المختلفة، بما يسمح بخلق مساحات جديدة للتفكير تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتعيد للمسرح طبيعته بوصفه فنًا عابرًا للسياقات.
وفي هذا الإطار، لا تُقدَّم «كوميديا دي لارتي» كنموذج جاهز، بل كأداة مفتوحة يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها، وهو ما ينسجم مع طبيعة المهرجان، الذي لا يسعى إلى تقديم إجابات بقدر ما يفتح الأسئلة.
ماذا تضيف هذه التجربة للمسرح العربي؟
تكشف هذه الورشة عن فجوة واضحة في طرق التدريب المسرحي في العالم العربي، إذ يميل التكوين في كثير من الأحيان إلى التركيز على النص والإلقاء والتحليل، في حين تظل الجوانب الجسدية والارتجالية أقل حضورًا.
وعلى هذا الأساس، تفتح هذه التجربة بابًا لإعادة التفكير في كيفية إعداد الممثل، ليس فقط كمفسر للنص، بل كصانع للحظة، كما أنها تطرح إمكانية تطوير صيغة محلية تستفيد من هذا التراث دون أن تقع في فخ النقل، وهو ما يتطلب تعاملًا أكثر مرونة مع المفاهيم، فلا تُستورد كما هي، بل يُعاد إنتاجها بما يتناسب مع السياق الثقافي العربي.
بين التراث والحداثة
ما تؤكده هذه التجربة هو أن العلاقة بين الماضي والحاضر ليست علاقة قطيعة، بل علاقة مستمرة يمكن فيها للتراث أن يصبح موردًا حيًا إذا ما أُعيدت قراءته على نحو نقدي، فكوميديا دي لارتي لم تعد مجرد شكل تاريخي، بل أداة لفهم معنى الأداء، وطريقة للتفكير في المسرح خارج القوالب الجاهزة. وهكذا يصبح الرجوع إلى هذا التراث ليس هروبًا إلى الماضي، بل محاولة للاقتراب من جوهر المسرح نفسه، فتظل الأسئلة الأولى هي الأكثر حضورًا رغم كل التطورات.
أثر الورشة على المشاركين
لم تكن نتائج الورشة تقنية فقط، بل ظهرت آثارها على مستوى أعمق، فبدأ المشاركون في إعادة النظر في علاقتهم بأجسادهم، وبطريقة حضورهم على الخشبة، وبمعنى الأداء ذاته. هذا النوع من التحول قد لا يظهر مباشرة في شكل عروض، لكنه يترك أثرًا طويل المدى في طريقة التفكير، وهو ما يجعل مثل هذه الورش جزءًا أساسيًا من تطوير المشهد المسرحي.
وفي النهاية، تؤكد ورشة «كوميديا دي لارتي» أن المسرح، مهما تطور، يظل قائمًا على عناصره الأساسية: الجسد، واللحظة، والتفاعل، وبين تراث إيطالي يعود إلى قرون، وسياق عربي معاصر يبحث عن أدوات جديدة، نشأت مساحة مشتركة تقوم على الاكتشاف لا النقل، وعلى التجريب لا التكرار. وفي زمن تتسارع فيه الأشكال المسرحية، تبدو هذه العودة إلى البدايات وكأنها ضرورة، لا للعودة إلى الماضي، بل لفهم الحاضر وإعادة تشكيل المستقبل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.