هل فيلم كوكب القردة خيال علمي أم فانتازيا كوميدية؟ رؤية نقدية مغايرة

تُعد سلسلة أفلام كوكب القردة (Planet of the Apes) واحدة من أطول السلاسل السينمائية عمرًا، لكنها تثير جدلًا نقديًّا مستمرًّا حول تصنيفها الدقيق، في حين يراها بعض المشاهدين أيقونة في الخيال العلمي، يراها آخرون عملًا يقترب من الفانتازيا والمغامرات العائلية الخفيفة.

في هذا المقال التحليلي، نفكك البنية السردية والعلمية للفيلم، ونناقش لماذا قد تبدو هذه السلسلة أقرب إلى الكوميديا غير المقصودة منها إلى التنبؤات العلمية الجادة، مع تسليط الضوء على الفجوة بين الخيال العلمي الصلب وبين ما تقدمه هذه الأفلام من دراما رمزية.

إشكالية التصنيف: بين العلم والفانتازيا

منذ سنوات طويلة، وكلما شاهدت فيلم كوكب القردة -بجميع نسخه القديمة والحديثة- ينتابني الشعور ذاته، هذا ليس فيلم خيال علمي بالمفهوم الحقيقي الذي نعرفه الذي يعتمد على الدقة الفيزيائية والبيولوجية، بل هو عمل يقترب كثيرًا من الفانتازيا الخفيفة، ويكتسب في أحيان كثيرة طابعًا كوميديًا غير مقصود. والحق أنني لا أستوعب حجم الجدية التي يتعامل بها بعض المشاهدين مع الفيلم، وكأنه دراسة عميقة في مستقبل الإنسان أو قفزة علمية مرعبة!

تُعد سلسلة أفلام كوكب القردة Planet of the Apes واحدة من أطول السلاسل السينمائية عمرًا

فالمعتاد أن يقدم الخيال العلمي للمشاهد نظريات فيزيائية، أو فرضيات علمية دقيقة، أو رؤى مستقبلية قابلة للتخيل. أما هنا، فنحن أمام قردة تتحدث وتتفاعل وتتخذ قرارات قد لا يجيدها بعض البشر، في إطار لا يشبه المختبرات أو البحوث ولا يمت بصلة لصميم العلوم. وهذا ما يجعلني دائمًا أتعامل مع العمل بوصفه مغامرة فانتازية، يمكن بسهولة أن يشاهدها الأطفال دون أن يشعروا بتهديد أو رعب علمي.

ملاحظة علمية: يُصنف النقد الأدبي هذا النوع من الأعمال عادةً ضمن الخيال العلمي اللين، وهو النوع الذي يهتم بالدراسات الاجتماعية، وعلم النفس، والعلوم السياسية أكثر من اهتمامه بالتكنولوجيا أو الفيزياء الدقيقة وفقاً لموسوعة بريتانيكا.

السلوك البشري للقردة: أنسنة مبالغ فيها

سلوك القردة أقرب إلى الإنسان وأحيانًا أكثر نضجًا، يحاول الفيلم، سواء في نسخته الكلاسيكية أو الحديثة، أن يقنع المشاهد بأن ما يحدث هو نتيجة تطور بيولوجي، أو تجربة علمية انحرفت عن مسارها مثل استخدام الفيروسات القهقرية لتعديل الجينات. ولكن حين نرى القردة تتصرف بحكمة، وتخطط، وتثور، وتفاوض، وتضع استراتيجيات محكمة، يصعب علينا أن نأخذ الجانب العلمي بجدية.

فالطفل -قبل البالغ- سيشاهد المشهد باعتباره مغامرة ممتعة، لا ثورة بيولوجية أو «سيناريو كارثيًا لمستقبل البشرية». هنا يقع الفيلم فيما يسمى الأنسنة، وهي إسباغ صفات بشرية معقدة على الحيوانات بأسلوب يتجاوز المنطق العلمي للتطور الطبيعي خلال مدة زمنية قصيرة.

الإبهار البصري أم الكوميديا المسرحية؟

الشكل البصري للقردة يضفي روحًا كوميدية خصوصًا في النسخ القديمة التي أنتجت في الستينيات والسبعينيات، إذ كانت الأقنعة والماكياج أقرب إلى عروض مسرحية مدرسية فاخرة، لا إلى تجربة سينمائية قائمة على الواقعية العلمية. ومهما حاول صانعو الفيلم الإيحاء بالرهبة أو الغموض، يظل أداء الممثلين من خلف الأقنعة وتصميمات الوجوه سببًا كافيًا لابتسامة غير مقصودة من المشاهد.

حتى في النسخ الحديثة التي استخدمت تقنية التقاط الأداء، قد يدخل المشاهد في منطقة نفسية تسمى الوادي الغريب، فتثير الكائنات التي تشبه البشر جدًّا ولكنها ليست بشرًا تمامًا شعورًا بالغرابة أو الضحك بدلًا من الخوف.

الرسائل الفلسفية والرمزية الاجتماعية

الرسائل الفلسفية موجودة… لكن الغلاف يخفف من وقعها. نعم، يناقش الفيلم قضايا كبرى مثل العنصرية، والصراع على السلطة، والخوف من الآخر، وأثر الطبيعة البشرية عندما تتبدل الأدوار. وهذا يتوافق مع أصل القصة، لأن رواية الكاتب الفرنسي بيير بول الأصلية كانت تهدف إلى الهجاء الاجتماعي أكثر من كونها تنبؤًا علميًّا.

هل فيلم كوكب القردة خيال علمي أم فانتازيا كوميدية؟

ولكن هذه الرسائل، على الرغم من عمقها، تأتي ملفوفة في غلاف بصري يجعل المشاهد -من حيث لا يشعر- يرى الأحداث وكأنها حكاية رمزية أقرب إلى القصص المصورة منها إلى دراسة فلسفية حقيقية. فتارةً نشاهد قردًا يعاقب آخر، وتارةً إنسانًا مقيدًا بين مجموعة من القردة المتحمسة فتضيع الجدية بين حركة وأخرى.

ملاءمة العمل للأطفال والعائلة

ملائم جدًا للأطفال على الرغم من النبرة الدرامية، قد يحاول بعضنا وصف الفيلم بأنه مظلم أو يحمل طابعًا مقلقًا، لكن الحقيقة أن الطفل سيرى شيئًا واحدًا: قردة تتحدث وتعيش مثل البشر. ولن يخطر بباله أبدًا أن هذا تطور في السلوك الحيوي أو أثر لنهاية الحضارة البشرية. فالعمل في جوهره أقرب إلى فانتازيا مغامرات، مهما كثرت محاولات تغليفه بلمسات علمية وفلسفية.

الفيلم بين الفكرة والعقدة

الخلاصة: فيلم ممتع، ولكنه بعيد عن جوهر الخيال العلمي. لو قيل لي إن كوكب القردة فيلم فانتازي سأوافق. ولو قيل إنه يحمل رسائل اجتماعية وفلسفية سأقر بذلك، لكن إن قيل إنه يمثل خيالًا علميًّا محضًا فسأكتفي بابتسامة هادئة وأقول: ربما ولكن ليس لي.

فبالنسبة لي، يبقى كوكب القردة عملًا ترفيهيًا لطيفًا، مسليًا، يحمل شيئًا من الرمزية، لكنه لا يحتاج إلى نصف الجهد المعرفي الذي تتطلبه أفلام الخيال العلمي الحقيقية. وربما هذا سر محبته لدى الكثيرين؛ إنه فيلم يعيش بين الفكرة والقفشة، بين الجدية والضحك دون أن يعترف بأنه كوميدي فعلًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة