كوستاريكا الساحل الغني.. تاريخ الدولة التي ألغت الجيش من أجل التعليم

كوستاريكا الدولة الصغيرة في قلب أمريكا الوسطى على سواحل المحيط الهادئ، صنعت لنفسها تاريخًا مختلفًا عن باقي جيرانها، من مستعمرة إسبانية فقيرة ومعزولة إلى واحدة من أكثر الدول سعادةً وصداقةً للبيئة في العالم، وتُعد نموذجًا فريدًا في العالم، فما قصة هذه الدولة التي تخلت عن جيشها طواعية؟ وما سر سعادة شعبها؟

في هذا المقال، سنقدم نظرة على تاريخ كوستاريكا الحديث والقديم، ونستكشف أسرار الحياة في كوستاريكا، ونتعرف على جغرافيتها وبيئتها واقتصادها، ولماذا اختارت كوستاريكا أن تستثمر في التعليم والسلام بدلًا من الحرب والجيش؟

قد يبدو الأمر غريبًا أو مربكًا إلى حدٍّ ما، فكيف يمكن تصور دولة تختار بنفسها أن تعيش بلا جيش يحميها وسط هذا العصر المملوء بالصراعات العسكرية؟ لكن كوستاريكا اختارت أن تكون الدولة الأولى في العالم التي تلغي الجيش وتوجّه النفقات إلى التعليم وتحسين حياة المواطن، فهل نجحت التجربة وأثر ذلك في رفاهية الناس، أم أصبحت كوستاريكا دولة ضعيفة وغير قادرة على حماية حدودها ضد أي معتدٍ؟

سؤال نحاول الإجابة عن كل تلك الأسئلة في رحلة إلى أمريكا الوسطى حيث دولة كوستاريكا، ونصحبك في جولة جغرافية وتاريخية عن بلاد «الساحل الغني».

تاريخ كوستاريكا من مستعمرة فقيرة إلى دولة مستقلة

تلك الدولة التي تنتمي إلى منطقة أمريكا الوسطى على سواحل المحيط الهادئ وتقع بين دولة نيكاراغوا في الشمال ودولة بنما من الجنوب، ويبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، تُعد إحدى دول حضارات الأنديز التي تعرضت للغزو الإسباني في القرن السادس عشر، وذلك بعد وصول المستكشف كريستوفر كولومبوس إلى سواحل البلاد عام 1502.

أنشأ الإسبان أول مستوطنة في كوستاريكا عام 1524، وظلت تابعة لمملكة إسبانيا الجديدة «المكسيك» أوقاتًا طويلة. وكانت كوستاريكا من المناطق الفقيرة والمعزولة وذات الكثافة السكانية المحدودة، حتى إنها كانت توصف بأنها المستوطنة الأكثر فقرًا في قارة أمريكا، إذ كانت شحيحة الموارد الطبيعية وقليلة التبادل التجاري، إضافة إلى كون المجتمع المحلي لا يملك مهاراتٍ إلا العملَ في الزراعة.

وفي عام 1821، ومن بين أسباب استقلال كوستاريكا عن إسبانيا، كان ضعف الإمبراطورية الإسبانية وحركات التحرر في المنطقة، ما أدى إلى استقلال كوستاريكا وأصبحت ولاية فدرالية عاصمتها سان جوزيه.

وفي عام 1856 واجهت كوستاريكا محاولة للغزو من قبل الأمريكي «ويليام وولكر» الذي حاول غزو منطقة أمريكا الوسطى، لكن كوستاريكا انتصرت في تلك الحرب وألحقت به هزيمة كبيرة.

بدأ تاريخ زراعة القهوة في كوستاريكا منذ عام 1808، ومع الوقت أصبحت إحدى السلع المهمة والصادرات الأساسية للبلاد، إذ تجاوزت كلًّا من الكاكاو والسكر والتبغ في القرن العشرين. وهي سلع أساسية في كوستاريكا، لتصبح القهوة المصدر الأول للثروة في البلاد، وهو ما ساعد على ظهور طبقة من المزارعين الأثرياء، أُطلق عليهم «بارونات القهوة».

ومن أهم المحطات في تاريخ كوستاريكا الحديث تولي «فيدريكو تينوكو» حكم البلاد، وقد شهدت فترته حكمًا ديكتاتوريًا عانى منه سكان كوستاريكا حتى أشعل خوسيه فيغيريس فيرير انتفاضة مسلّحة عام 1948 أدَّت إلى حرب أهلية طاحنة قُتل على إثرها نحو 2000 مواطن كوستاريكي، لكنها انتهت بتغيير الأحوال مع صدور الدستور الجديد وانتخاب خوسيه فيغيريس فيرير رئيسًا للبلاد عام 1953.

الحياة في كوستاريكا الساحل الغني

تعني كلمة كوستاريكا باللغة الإسبانية والبرتغالية «الساحل الغني»، وهو الاسم الذي يتوافق مع حالة الشعب في كوستاريكا. إذ تعد البلاد الأكثر سعادة في أمريكا اللاتينية، إضافة إلى كونها أكثر الدول اهتمامًا بالحياة البيئية. وتحتل المرتبة الخامسة على مستوى قارة أمريكا في الأداء البيئي، ما جعل منظمة الأمم المتحدة تصفها بأنها أكثر البلاد صداقة للبيئة في العالم.

النظام السياسي في كوستاريكا

تتكون كوستاريكا من 7 أقاليم أو محافظات، وتنقسم إلى 82 بلدية أو مدينة صغيرة، تُدار من قِبل مجموعة من الموظفين المنتخبين بأسلوب ديمقراطي كل 4 سنوات. ولا توجد أي سلطة تشريعية داخل الأقاليم والمحافظات، وبذلك تُعد انتخابات اختيار رئيس البلدية أو المقاطعة أمرًا مهمًا في حياة الناس في كوستاريكا، والمحافظات السبع هي: سان خوسيه، بونتا ريناس، جوانا كاستا، الأخويلا، كارتاجو، أريزيا، ليمون.

عدد سكان دولة كوستاريكا

يتجاوز عدد سكان كوستاريكا 5 ملايين نسمة، معظمهم من الإسبان، إضافة إلى أعداد من الإيطاليين والألمان والبولنديين. يتحدثون اللغة الإسبانية بجانب مجموعة من اللغات المحلية الأخرى، ويعيشون جميعًا على مساحةٍ قدرها 51,180 كيلومترًا مربعًا. وتعد العاصمة سان خوسيه المدينةَ الأكبر في البلاد والتي تضم ما يقرب من نصف مليون مواطن.

اقتصاد كوستاريكا ومستوى المعيشة

أما الاقتصاد في كوستاريكا، فإنها تعتمد على الخدمات بنسبة 75%، في حين تأتي الصناعة والزراعة بعد ذلك بدرجات متقاربة. ويعيش نحو 20% من سكان البلاد تحت خط الفقر، لكن كوستاريكا تعد من أعلى دول أمريكا الوسطى في مستوى المعيشة.

اقتصاد كوستاريكا

كذلك، تتوافر في كوستاريكا رعاية صحية ذات جودة عالية، والأهم من ذلك هو أن الرعاية الصحية في كوستاريكا منخفضة التكاليف للسكان، وهو ما يمكن قوله أيضًا عن السكن والمعيشة في كوستاريكا التي تُعد من أرخص دول العالم على مستوى تكاليف المعيشة.

التعليم في كوستاريكا

أما عن التعليم، فتُعد كوستاريكا صاحبة أعلى معدلات التعليم في أمريكا اللاتينية، ويصل عدد المتعلمين فيها إلى 97%، وهو الأمر الذي يعود إلى قوانين البلاد التي تعتمد التعليم الإلزامي بالإضافة إلى توفير الخدمة التعليمية بشكل مجاني، وهو ما انعكس على مستوى العمالة الماهرة في كوستاريكا في السنوات الأخيرة.

توجد مجموعة من الجامعات الحكومية والخاصة في كوستاريكا يمكن اعتبارها من أفضل الجامعات في أمريكا اللاتينية، إذ توجه البلاد ميزانية كبيرة لخدمة الطلاب والعملية التعليمية، مع توفر برامج خاصة لأبناء الأسر الفقيرة. كما تأتي كوستاريكا في المرتبة 74 على قائمة مؤشر الابتكار العالمي، وهو رقم متقدم يضع الدولة الصغيرة على مستوى المساحة والسكان قبل العديد من الدول ذات الإمكانات الكبيرة وعدد السكان الهائل على مستوى العالم.

جغرافيا كوستاريكا المناخ والطبيعة الجغرافية 

تقع دولة كوستاريكا بين خطي عرض 8 و12 شمال خط الاستواء، لذا فهي تتمتع بمناخ معتدل معظم أيام السنة. وعلى الرغم من ذلك، فثمة عدد من المناطق ذات المناخ المتباين في كوستاريكا، نظرًا لوجود ارتفاعات ومناطق ذات طبيعة جغرافية خاصة.

ويُعد موسم الجفاف في فصل الصيف، وموسم الأمطار في الشتاء، وتشهد كوستاريكا أيضًا عدد من الأعاصير التي تسبق سقوط الأمطار.

التنوع البيولوجي والمحميات الطبيعية في كوستاريكا

تُعد دولة كوستاريكا من الدول الغنية بأنواع النباتات والحيوانات التي حتى أصبحت أكثر من 25% من مساحة البلاد متنزّهاتٍ ومحمياتٍ طبيعية، وهو ما يكسب الدولة طبيعة لا سيما بين بلدان العالم، خاصة مع القوانين الجديدة التي فرضت تقليص معدلات إزالة الغابات في كوستاريكا والحفاظ على المتنزهات والمحميات الطبيعية.

من ناحية أخرى، فإن كوستاريكا تقع على الخط الجيولوجي الناري الذي يمتد من أمريكا الشمالية حتى أمريكا الوسطى، وبذلك توجد بعض البراكين النشطة مثل بركان «بواس»، وبركان «أيراجو»، وبركان «توريالبا»، وبركان «رينسون».

التنوع البيولوجي في كوستاريكا

وهذا جعل سياحة كوستاريكا البيئية أحد أهم مصادر الدخل القومي، فتجذب القوانين الصارمة للحفاظ على البيئة وتقليص إزالة الغابات السياح من كل أنحاء العالم

كوستاريكا والعلاقات الدولية

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، فإن كوستاريكا من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية، وتقوم سياستها على تعزيز التعاون مع باقي دول العالم بما يحفظ التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وهو ما جعل كوستاريكا عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية.

كوستاريكا والعلاقات الدولية

وثمة بعض الخلافات الخارجية بين كوستاريكا ودول أخرى، ومن بينها الخلاف مع دولة نيكاراغوا بسبب نهر «سان خوان» الذي يقع على الحدود بين البلدين، إذ تطالب كوستاريكا بحقها في الملاحة في النهر، وهو ما تنكره نيكاراغوا. وقد دفع ذلك الطرفين إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية التي أصدرت قرارًا عام 2009 بحق كوستاريكا في التنقل في النهر.

لماذا ألغت كوستاريكا الجيش؟ تضحية من أجل التعليم

على الرغم من أن أيسلندا هي أول دولة في العالم لا تمتلك جيشًا منذ عام 1869، فإن كوستاريكا هي الدولة الأولى التي اختارت أن تتخلى عن الجيش طوعًا وتفكّكه عام 1949، وسبب إلغاء جيش كوستاريكا يعود إلى ما بعد الحرب الأهلية الدامية عام 1948 التي أدت إلى موت كثير من الناس، إذ مرَّرت الحكومة في كوستاريكا قانونًا وافق عليه البرلمان للتخلي عن الجيش نهائيًّا.

وكان الرئيس «خوسيه فيغيريس فيرير» الذي تولى حكم البلاد بعد الحرب الأهلية قد اتخذ قرارات عدة مهمة، من بينها إصدار دستور جديد للبلاد، وحلُّ الجيش الكوستاريكي، ووضع مادة في الدستور تمنح ميزانية الجيش لدعم التعليم والصحة وتحسين البنية التحتية في كوستاريكا. ويُشار إلى أن تأثير إلغاء الجيش على اقتصاد كوستاريكا كان إيجابيًا، ما أسهم في تحقيق أعلى معدلات التعليم في أمريكا اللاتينية.

وعلى الرغم من عدم وجود جيش في كوستاريكا؛ فإنه يوجد عدد من قوات حفظ الأمن، وحرس الحدود، والفرق المسلحة التي تعمل على حماية الناس وضبط الأمن، وهو ما يشبه قوات الشرطة دون أن يكون هناك جيش رسمي دائم للبلاد.

وشهد عام 1986 بداية الاحتفال بإلغاء الجيش في كوستاريكا، إذ اختار الشعب يوم 1 ديسمبر من كل عام للاحتفال بتخلُّص كوستاريكا من الجيش، في تقليد غريب وسط هذا العالم الذي تسعى فيه كل دولة لزيادة قواتها ورفع مستوى التسليح والاستعداد يومًا بعد يوم.

إن تاريخ كوستاريكا هو قصة تحول ملهمة من مستعمرة فقيرة إلى واحدة من أكثر دول العالم سعادة واستقرارًا ووعيًا بيئيًّا، وإن قرارها الجريء بالتخلي عن الجيش مقابل الاستثمار في العقول والبنية التحتية يقدم نموذجًا فريدًا في عالم اليوم، ويؤكد أن الساحل الغني الحقيقي ليس فقط في الموارد، بل في السلام والتعليم والطبيعة.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة في تاريخ وجغرافيا كوستاريكا أو «الساحل الغني» في أمريكا الوسطى، نرجو أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.