كورونا


لقد كنتُ عائمةٍ في متاهاتِ الحياة، الاستيقاظُ باكراً والذهابُ بشغفٍ إلى منبري التعليميّ أُجني بعض ثمارهِ إلى سنابلي فأحصدُها عندَ مواكبة التحديات: رمقُ أنفاسي ونحيبها، كنتُ أتذمرُ من شقاءِ الأيام وقساوتها، أمضي نصفَ يومي في طريقي من وإلى منبري الذي ارتدتهُ بشغفي وإلهامي وعزيمتي، فكنتُ كنحلةٍ تبحثُ عن عسلها في مجرةِ الزهورِ وأعودُ بعدها كطائرٍ سُرِّحَ من قفصهِ ومرعاهِ...

وكانت أيامي هكذا تنقضي وتنفذْ إلى أن جاءَ ذلكَ اليومُ، جميع الأنام طُرِبوا بخبرٍ أربكَ أفئدتهُم قبل عقولِهُم، وداهم مساراتِ اختيارهم؛ فقد عجَّ الضبَّابُ محيطَهُم وانتشلَ كُلَّ ذرةِ أملٍ توهجت بِقاعَ وريدهم والخبرُ كان فايروس لا يرى بالعين المجردة يدعى: (كورونا)، ومن هنا بدأت قصتي:

استيقظتُ في تمامِ الساعةِ السادسةِ صباحاً مع نسيمِ الهواءِ وزقزقةِ العصافيرِ وهديلِ الحمامِ، قبضتُ موقِدَ زمامِ أموري إنَّني ذاهبهً إلى منبري، ولكن عندما شاهدتُ موجزَ الأخبارِ كانت المشاهدة بمثابةِ وقودٍ أشعلَ وأهاجَ نيرانَّ الحيرةَ، والصراعِ، والألمِ والأمل، مشاعري اختلطت.

أذاعوا أنَّهُ سيتم تطبيقُ حظرٍ شامل لجميع قطاعاتِ التعليم في المملكةِ الأردنيةِ الهاشميةِ وأخذت الاتصالات تتوارى إلى هاتفي إنها صديقتي رهف تقول لي، إننا لن نعودُ إلى حياتنا كما كانت تم حظرنا لن نعود هل فهمتِ وأدركتِ حجم الكارثة التي حلت ديارنا؟! قلت لها: نعم أدركتُ، ولكن نحنُّ أقوى وأكثرُ ثباتاً وأشدُ حسامٌ هو حسامنا، فمالنا نغدو ضجرين عابسين لعلهُ خير إن شاء الله.

وبعدها بدأت المدارسَ والجامعاتَ بطرحِ نظام التعليم عن بعد وأخذتُ أرتبُ زِمامَ الأمورِ وأعيدُ تنظيمَ وجدولةِ مسارِ حياتي سأُركزُ على دراستي، وأحافظ عليها، كما عهدونا الكادر التعليمي ننهل دوماً من بحرِها ولبُّها وبلالها 

وأخذتُ أُتابع دروسي وأعملُ على تأديةِ جميعِ الوظائفِ المطلوبةِ مني بلا كللٍ أو مللٍ وبكلِ عزيمةٍ وصمود، وخلال تأديتي لها كنتُ أساعدُ والدتي وأُسعِدُها وأُخففُ من أعباءٍ أثقلت كاهلها وألقي بها صوبي، وكنت أغدو كفرسٍ فارسيٍّ محنكٌ قويٌ أواجهُ كل ما يحل بي من عقباتٍ وأدرؤها بِسهامي وحُسامي الذي طالما ساندني وشدد أزري، كنتُ أرتاد إلى قراءةِ الرواياتِ ألتهمها وكأنها وجبةُ طعامي المفضلة، وكنتُ أعيشُ كلُّ لحظةٌ تراجيديةٍ كانت أم كوميديةٍ على نحوها المشبع والممّحص بدقتها ومقامه.

وقد ذُهلَ قلبي وأنساهُ مرارةِ الحظرِ عندما كنتُ أتلو كتابَ اللهِ فجذبتُ جمادَ مشاعري وحركتها نحو الأُفق في قولهِ عزَ وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}. سورة الرحمن الآية (٢٦)، فقد تمعنتُ فيها وأطلتُ النظرَ حتى بدأت تتخللُ إلى زاويةِ تفكيري فقد أخذتُ أفكرُ مراودةً أنَّهُ سوفَ يفنى الكونُ عندَ مشيئةِ الله ووقتها لن يبقى لنا سوى ما أقذفته أفئدتنا إلى عقولِ الكثيرين منا سواءَ كانت شرٌ أو خيرٌ.

فأخذت أراجع نفسي وأمحص كل قرارتي فوجدت نفسي مخطئة بحقِ نفسي وبحقِ الكثيرين، والأهم من ذلك أنني لم أقم بطاعةِ الله على النحو المطلوب، لكنَّ قلبي كانَ عائماً بحبهِ فقد أصلحتُ خرابَ نفسي وأعدتُ كلَ بنايةٍ إلى موطِنها، كلُّ سيفٍ إلى غمدهِ، أصبحتُ ملتزمةً في ديني قبلَ دنياي، والحمد للهِ الذي لفتَ قلبي إلى آياتهِ عزَ وجل وحينها استشعرت روحي بالتغيير فقد تغيرت للأفضل، لأفضل حال .

وأنا الآن على يقينٍ بأننا وعند انتهاء هذه الأزمة ستعود حياتنا كما عهدناها، حياةً طبيعية لكن حياةٌ جميلة دون تلوث وضرر فقط حياة صحية بوعي الكثيرين، لأنهم قد أدركوا خطورة الوضع الراهن. 

ندعو اللهَ أن يستتب الوضعَ في البلاد ويعمُ الخيرُ على الجميع... حمى اللهَ البلادَ والعبادَ من شركِ وظلالِكِ يا كورونا ساحِرةَ الخراب.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب