هناك ما يسمونه بالكذب الأبيض، وهو الكذب الذي يسعي صاحبه به إلى تحقيق هدف رفيع. لكن هل يتناسب الكذب بلونيه، أبيض كان أم أسود، مع الغايات السامية؟!
إلى أي حد سنصل لكي نخدر عقولنا وضمائرنا؟
اقرأ ايضاً فيروس كورونا.. الجائحة التي غيرت العالم
الفيديو الصيني الزائف
بعد حوالي شهر من بدء أزمة فيروس كورونا في الوطن العربي، وخلال تصفحي لمنشورات الأصدقاء على موقع فيس بوك، صادفني منشور لصديقة يحوي فيديو لأغنية باللغة الصينية كما يقول الناشر العربي للفيديو. يقول صاحب المنشور الأصلي أن تلك الأغنية هي "إعتذار من الشعب الصيني للمسلمين منهم الذين عانوا الأمرين من عنصرية، وقتل، وتعذيب، فقط بسبب إختلافهم الديني عن أغلب الشعب الصيني الذي يدين أغلبه بالبوذية".
شعرت وأنا أتابع المغنية الصينية الباكية بأن هناك أمر غير طبيعي، أمرٌ زائف. لم يدخر صاحب المنشور جهداً في تأكيد زعمه بأن الفيديو عبارة عن أغنية يعتذر فيها الصينيون على ما ألحقوه بالمسلمين من أذى؛ فأضاف ترجمة من اللغة الصينية إلى العربية مصاحبةً لغناء الفتاة الصينية والتي تجهش بالبكاء بينما تعرض مشاهد لمشافٍ صينية أثناء أزمة كورونا الأخيرة بنفس الفيديو.
أصغت السمع لكلمات الأغنية باللغة الصينية، والتي لا أفقه منها حرفاً بالمناسبة، في محاولة مني لإلتقاط أي كلمة تبدو من قريب أو بعيد ككلمة "مسلم" والتي تنطقها الشعوب المختلفة بطرق متشابهة على إختلاف لغاتهم، فيمكنك أن تميز بسهولة كلمة مسلم أو مسلمة في اللغات الأخرى لأن أصحاب تلك اللغات ينطقونها كما سمعوها مننا نحن العرب لأول مرة.
لم يخب ظني، فلم أجد مرادي من الكلمة المذكورة أو ما يشبهها. إنتقلت إلى قراءة التعليقات ووجدت عدداً لا بأس به من المعلقين ممن يكذبون صاحب المنشور.
اقرأ ايضاً فيروس كورونا .. خرافات وأسئلة وإجابات
الترجمة الخاطئة للأغنية الصينية
وقد أضاف أحدهم ترجمة أخرى تتضمن ما يعني الدعوة إلى التضامن مع جهود الدولة الصينية في حربها ضد الفيروس، وهي ترجمة تناسب المشاهد المعروضة إلى حد كبير. وبخلاف ذلك، كانت ترجمة صاحب المنشور الأصلي طفولية وركيكة جداً.
تدور في أغلبها حول ندم الشعب الصيني على ما فعله بالمسلمين، مكررةً في أغلبها جملتي "لم نكن نعرف"، و "الإيغور شعب طيب"! كما لو أن صاحب الترجمة قد نقل ما يريد أن يسمعه بدلاً مما سمعه بحق في تلك الأغنية.
إنتقلت إلى منشور آخر وأنا أشعر بالحنق المصحوب بالرغبة في الضحك، كان الأمر مثيراً للشفقة كثيراً إلا أنه كان مسلياً إلى حد ما. أغضبني كذب صاحب المنشور، لكنني حزنت لواقع يكون فيه الناس في حالة من الشوق إلى أي أمل، ولو كاذب، لإثبات أنهم كانوا على حق؛ أن صبرهم "الإضطراري" لم يذهب هباءاً، وأن هؤلاء المجرمين -الصينين في هذه الحالة- قد نالوا ما يستحقون من عقاب عادل.
بل هاهم يعلنون على الشاشات إعترافهم بخطأهم في حق المسلمين. أشفقت على صاحب المنشور ومن صدقوه؛ لكنني لا أستطيع أن ألومهم بحق. كم منا لا يتمني أن تأتي معجزة ما من السماء وتحقق أحلامه الشخصية بدون جهد يذكر، أو بدون جهد على الإطلاق؟! من منا لا يريد أن تحل صاعقة من السماء على رؤوس الظالمين في محيطه الصغير أو في عالمه الأكبر؟ من منا لا يحلم بيوم تتضافر فيه جهود الكون من أجل تحقيق رؤيته فيما يجب أن يكون عليه الأمر أو لا يكون؟
اقرأ ايضاً يوميات في زمن كورونا
تخدير مشاعر الناس بآمال زائفة
لا أظن إطلاقاً أن صاحب المنشور الأصلي قد قصد تخدير مشاعر الناس بآمال زائفة في إستشعار الظالمين أن ما يمرون به من معاناة هو نتيجة لما مارسوه من ظلم؛ بل أظن أنه يجلس الآن في بيته شاعراً بالفخر كما لو أنه سدد ضربة قاضية لشعب الصين محققاً إنتصاراً معنوياً للمسلمين منهم. إلا أن هذا النوع من المنشورات الكاذبة يأتي بما لم يحسب له صاحبه حساباً كما أظنه.
أولاً، لا أستبعد سخرية مشاهدي الفيديو من أصحاب الديانات الأخرى من الترجمة الكاذبة، والتي قد يتخذونها كمثال على تدني الفكر المسلم، بل ودليل علي ضعف وهو أن أبناء هذا الدين الذين لا يملكون إلا الكذب على أنفسهم لرفع معنوياتهم، كما قد يصفهم هؤلاء.
وثانياً، فتلك المنشورات المخدرة، وإن منحت البعض تأكيداً ما على صدق عقيدتنا في أن الظالم سينال ما يستحقه من عقاب، إلا أن سهولة كشف التزييف الصارخ بها قد لا يؤدي بضعاف الإيمان إلى نبذ المنشورات المزيفة، بل نبذ ما تحاول تلك المنشورات أن تثبته، وهو أن الظالمين قد رأوا أو سيرون نتاج ما كسبت أيديهم.
فكرت أن أنبه صديقتي التي شاركت المنشور على صفحتها إلى كذب محتواه، إلا أنني لسبب ما تجاهلت هذه الفكرة ومضيت إلى حال سبيلي لأشارك صورة لطيفة لقطة مشاغبة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.