كورونا التي رأيت "الفقراء الجدد"


كنت أظن أن هذا الفيروس كغيره من الفيروسات التي كنت شاهداً عليها منذ إطلالتي إلى الحياة الدنيا، هذه المرة باغتني ظني وكان الفيروس أخطر مما أتصور وأبعد مما أعتقد، جاء قاسياً جداً يحمل في طياته ألماً وحسرة ليفتك بكل أشكال الحياة بل ويُنهي الكثير منها... أضحى العالم القديم نسجاً من الخيال واجتاحته كلمة واحدة ألقت بظلالها على كافة تفاصيله (أونلاين) أو تذكرة العبور إلى النظام الجديد. 

أغمضت عيني وحاولت فهم ما يحدث! لأدرك أن محاولة الفهم تزيد المشهد ضبابية، فالعالم اتفق على كلمة واحدة لا مجال للإفتاء فيها، بيد أن قلبي استراب مما رأى واضمحلت ثقتي بما أسمع، ليس المهم أعداد الإصابات التي أربكت مسامعنا ولا أرقام الوفيات التي أرّقت أبصارنا ولا الأخبار المقززة التي أحزنت أفئدتنا بل التفسيرات المتعددة التي تناقلها الإعلام على مدى عامين لا النهار يفصح عن بواكره ولا الليل يبين كواهله. 

لست هنا لأضم محبرتي وقلمي إلى تفسيرات أكثر تعقيداً أثقل بها رأي القارئ، بل لأنقل ما رأيت حسب تجربة عاصرتها لتنعتني في يوم ما بالمخضرم.

كانت الحياة مليئة بالصخب، نمارس فيها أعمالنا اليومية بلا قيود ودون خوف، عادات وتقاليد متبعة اعتاد الناس عليها، منها ما هو قديم منذ آلاف السنين ومنها ما هو حديث النشأة مقبول لدى العقل والمنطق، كانت قلوبنا أرق وابتساماتنا أحلى، كانت مشاعرنا أصفى بل حتى مجاملاتنا قبل كورونا أنقى، فالحرية أوسع وأبوابها مشرعة، حيث لم نعتقد يوماً أن يضيق الخناق حول أعناقنا وأن يلجمنا الخوف إلجاما... حتى جاء نذير الشؤم بنعيقه مطلع العام 2020م؛ ليخيم الصمت على العالم، ولتكسونا الدهشة وليصدمنا الواقع. 

فجأة تغير كل شيء أصبحت صفارات الإنذار لحن آذاننا والأبواب المغلقة نهج أفكارنا، أضحى الانهيار الاقتصادي سيد الموقف، معاناة تسبقها معاناة، حتى وصلنا إلى الحضيض، فخسرنا أعمالنا وتبخرت أموالنا وكأن الذي اعتدنا عليه فيما مضى قاب قوسين أو أدنى من حافة النهاية، أضافت كورونا مصطلحاً جديداً تبادله الناس خلال فترة وجيزة، التعليم عن بعد والعمل عن بعد بل إن المشاعر الإنسانية أصبحت عن بعد، تخيل أن تلقى من تحب ولا تستطيع أن تصافحه خوفاً عليك أو عليه، تخيل أن تنقل مشاعر الفرح والعزاء عبر رسالة قصيرة محفوفة بالخجل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتخيل أن مراسم الزفاف وطقوس الجنازات اقتصرت على المقربين من العائلة، تخيل حجم المشتريات التي أنفقت في عام كورونا، وفي ظل الإجراءات المشددة وكأننا في مجاعة دولية أو ربما كنا نأكل أكثر، فالاضطرابات النفسية عصفت بالجميع من كل جانب ولا أبالغ حينما أقول أن جميع من أعرفهم لامسوا حدود الاكتئاب.

هذا الوباء الشرس على حد تعبيرهم أو كما أخبرنا الإعلام أن نسميه، ومهما كانت صبغته فيروساً أو عقاباً أو مؤامرة فقد أوسعنا بؤساً وأمطرنا ضعفاً وأشبعنا هماً وغماً، وبعد هذا السرد وحسب وجهة نظري الشخصية استطاع كورونا أن يؤسس لطبقية اجتماعية جديدة خاصة بعد انصهار المؤسسات الصغيرة والناشئة في بوتقة الإفلاس، فقد زادت طبقة الكادحين بشكل ملحوظ، وبات حصولهم على المال بالكاد يكفي طعامهم، وربما يدفعني ذلك إلى التنبؤ بأن أسعار السلع ستزداد بشكل جنوني في السنوات الثلاث القادمة وسيفتك النظام الجديد بطبقة الفقراء أكثر. 

يعد وباء كورونا وباء استثنائياً فقد غير شكل العالم وأورثه أسقاماً يبدو أنه لن يتماثل يوماً إلى الشفاء منها، ولكن الخلل الأكبر أن يضرب هذا الوباء الفقراء ويورثهم فقراً على فقر، وبالتالي رأيت أن هذا الوباء بالفعل كان الأكثر فتكاً بجيوب المقهورين والمعدمين في هذا العالم. 

بقلم الكاتب


باحث وكاتب افلام


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

فعلاً الوباء ألبسنا ثوباً جديداً اسوداً مرعباً حتى أنه أثَّر بأخلاق الجاحدين فأصبحوا يلقون التحية ويحسنوا تصرفاتهم واخلاقهم ويلينوا وكان الأجدر بهم أن يخافوا الله قبل تهديد الوباء.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
عدي مصطفى - Sep 20, 2021 - أضف ردا

شكرا جزيلا لذوقك أستاذ عامر

أود سؤالك لو تكرمت ، أنا أرسل مقالات منذ الثاني عشر من الشهر الحالي
وكله في انتظار المراجعة ما المشكلة ؟؟
هل أنا وحدي أم أنهم يتأخرون في مراجعة كل المقالات
رغم أن سياستهم كان من يومين إلى خمسة أيام
وكيف أتواصل معهم ..لا يجيبون على أي رسالة

تفضل بقبول فاق الاحترام والتقدير

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث وكاتب افلام