الصداقة الحقيقية لا تُقاس بطول الزمن، بل بعمق الأثر. هي كوخ صغير على شجرة بعيدة، تهبّ عليه العواصف، لكنه لا ينهار لأنه بُني بأيادٍ مخلصة. هذا النص تأملٌ صادق في مشاعر الوفاء، ومرثية ناعمة لمن مضوا وتركوا أثرًا لا يُمحى في القلب. كلماتٌ تنزف بالحنين، وتحفر الذكرى في وجدان لا يعرف النسيان.
الأصدقاء
تعجز الألحان عن وصف لحننا،
فكلما بعدت المسافات بيننا،
زاد الاشتياق لرفقة الدرب.
لا يهم طوله، لكنهم كانوا فيه،
فكوخًا من الصداقة،
بنيناه سويًّا على شجرةٍ بعيدة،
ثم هبَّت عاصفة وكل شيء دمَّرت،
إلا ذلك الكوخ صمد في العود،
فكان متينًا كالصداقة التي بُنيت فيه.
منظره يدل على لباقة العلاقة،
يدل على تكاتف أيدينا الماهرة،
التي تعلَّمت الفن، وفيه العِبرة.
مواساة صديق
عندما تكون وحدك، ابكِ كما تشاء،
لكن عندما أكون بجانبك فأشاركك البكاء.
لهذا يا صديقي، لا تبكِ على غدر العذراء،
لأنها كالأخريات، لا يقبلن بالقلوب البيضاء.
دعها تذهب، فهناك العديد من النساء،
لا تدع مناظرهن تخدعك، فهنَّ سيزدن العناء،
عناءً وعذابًا لقلبك، فسيصبح جوفه كالليالي الكُحلاء.
لا أحاول أن تهوي إلى ما يريدون، لأننا أصدقاء،
وأحببت إخبارك بأننا سنبقى أوفياء.
نصائحي ستبقى من ذهب، فلا تدعها تُسمَّى «غباء».
أقول: بحبُّنا الأول غادرْنا مع هبَّات الهواء،
لكن لا تدع دروسه تذهب في هباء.
فالسجائر لن تُنسيك ما حصل بك من ضرَّاء،
ولن تُعيد لك شيئًا من السرّاء.
فعُد لرشدك، وانسَ أمر الحمقاء.
أنت لست سوى خبير علم، ووقعت كسقوط الفقهاء.
وكم كانت تلك السهرات لقلبي سكرةً حالمة،
لم أعلم أنها ستختفي لاختفاء النجوم اللامعة.
فهل كان المصير فرقنا غدرًا؟
أم إن الزمان للزمان النكد أكمل قصَّتنا بقصة؟
كانت قصتنا جميلة في بدايتها،
ما لبثت وأصبحت حزينة، فالزمان غدر،
والأيام خلت منها الألوان والحلاوة.
الأيام مع الرفاق ذهبت في تدهور المكان،
والأشخاص الذين كانوا في تلك الصورة التذكارية،
اختفى معظمهم، ولم يعد للقائنا مكان.
وباتت تلك الرسائل بلا معنى لك،
ولا تهمك يا صديق،
لكني لا زلت أقرؤها،
وأستعيد عذوبة تلك الكلمات التي كانت تُفرحني،
والآن أصبحت كالسكاكين في صدري المملوء بالثقوب.
الرموز التي بيننا، ليس من المهم أن تعلميها، لربما قد نسيتها.
فالوداع يا زهرتي الجوريَّة الذابلة،
يا أجمل قصائدي العذرية،
يا قافية أشعاري،
وداعًا يا أجمل سنين حياتي،
التي غادرتني مع الدموع تذكارًا،
بسببك، وداعًا يا دمعتي الأخيرة،
التي ستهطل من عيني على تلك الحقول التي سادها الملوحة لأجلك.
وداعًا يا صوتي الرنّان...
للصداقة طَعم ولَون
لمن يُقدِّرها ويثمنها بشيءٍ دون مقارنة،
لأنها لا تُثمّن.
أما عن الصداقات المؤقتة،
فهي تُرمى للنسيان،
لكن تبقى لها آثار خدوشٍ في مكانٍ ما،
لعلها تختفي يومًا.
فلهذا، من الصعب أن تُضحّي من أجل صديق،
لكن الأصعب أن تجد الصديق الذي يستحق التضحية.
أحيانًا نحاول فتح الباب فنفشل،
فندفعه بقوة،
فنتألم،
ثم نكتشف أن للباب قفلًا عكسيًّا،
يفتح بالعكس،
فتضحك.
هكذا هي المشكلات، تُحلُّ بالعقل،
وليس بالقوة.
فدور الصديق في تخطِّي ما قد يُهين كاهلك،
هو النصح والرُشد.
ففي هذا المكان سنلتقي،
ونقول نخبًا لأشخاصٍ كانوا معنا،
وفارقونا دون وداع.
لكن الآن، لا أظن أن المكان بقي كما هو،
لكن سنعود ونلتقي من جديد.
الصداقة كالنور، قد يغيب لحظة، لكنه لا يموت في القلب، وإن فرّقتنا الأيام، يبقى الأمل أن نعود يومًا إلى كوخ الذكريات، نضحك كما كنا، ونعيد للحياة طعمها القديم. فالصديق الحقيقي لا يغيب، بل يعيش فينا، في الرسائل القديمة، في الأماكن المهجورة، في صوت الضحكة التي لا تُنسى. سنلتقي، ولو على حدود الحنين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.