من الأسئلة الشائعة لأمهات أطفال التوحد هي: كم ساعة يحتاج إليها طفلي من التدريب يوميًّا للتخلص من سمات التوحد، حتى يصبح أقرب للشخص الطبيعي؟
في هذه المقالة نجيب عن هذا السؤال الذي يشغل بال كثير من الأمهات، حول عدد الساعات التي يحتاج إليها طفل التوحد للتدريب والعوامل المؤثرة في تحديدها التي يجعلها قد تختلف من طفل لآخر تبعًا للفروق الفردية ومستوى أو شدة التوحد.
كم ساعة يتدربها طفل التوحد؟
من الصعب تحديد عدد ساعات معين تلتزم به الأمهات لتدريب أطفال التوحد كل يوم، لكي يتخلص منها ويكون أقرب في تعاملاته للشخص العادي؛ وذلك لأن كل حالة طيف توحد مختلفة عن الأخرى تمامًا، فضلًا على أن ظروف الأم العاملة تختلف عن غير العاملة، وبذلك يخضع ذلك لجملة الإرشادات التي ينصح بها اختصاصي التخاطب بعد الوقوف على كل تفاصيل الحالة التي أمامه.
مع صعوبة تحديد عدد ساعات للتدريب اليومي لطفل التوحد، لكنه وكلما زادت ساعات التدريب كان ذلك أفضل؛ لأن طفل التوحد يستمتع بعزلته وانطوائه ويرفض التغيير، وبذلك تركه وقتًا طويلًا من شأنه أن يزيد التوحد.
أهمية التدريب اليومي لطفل التوحد
يحتاج طفل التوحد لرعاية خاصة من الأبوين؛ نظرًا لظروف حالته التي تميل إلى العزلة ورفض مخالطة الناس القريبين منه والبعيدين. من شأن التدريب اليومي أن يخرج طفل التوحد من عزلته ويتعلم مهارات التواصل الاجتماعي، فضلًا على تقليل السلوكيات الأخرى غير المرغوبة.
ولكي يحدث ذلك، على الوالدين أن يكثرا من الأوامر للطفل لكي يتدرب على تنفيذ الأوامر، فكلما زاد عدد الأوامر للوالدين كانت درجة تحسن الطفل أكبر؛ لكونها لا تعطيه فرصة لينعزل أو يمارس سمات التوحد.
ولكي تعرف إلى أي درجة أنتما الأب والأم مقصران في حق طفلكما، أرجو الإجابة عن هذا السؤال، وترك الإجابة في التعليقات أسفل هذه المقالة: كم ساعة دربت فيها طفلك المتوحد اليوم؟
ماذا يحدث إذا أهملنا التدريب؟
إهمال الوالدين وخاصة الأم لتدريب طفل التوحد يوميًا، من شأنه أن يزيد سمات التوحد ويجعله أكثر عزلة، ويزيد الفجوة بينه وبين أقرانه العاديين. للأسف بعض الأمهات تعتقد أن جلسة التخاطب التي لا تتجاوز بأي حال من الأحوال الساعة يوميًّا كفيلة بإحداث الفارق الذي تنشده دون القيام بأي تدريب في البيت.
والحقيقة، أن هذه الأمهات تضيع على أطفالها فرصة كبيرة للتأهيل والانخراط في الحياة اليومية على نحو طبيعي؛ لأن الجزء الأكبر من نجاح طفل التوحد أن يكون أقرب للشخص العادي، هو حجم الجهد المبذول من الأبوين في البيت.
لنفترض مثلًا، أن الطفل في أحسن أحواله يخضع لست جلسات أسبوعيًا، زمن الجلسة ساعة واحدة، ما يعني أنه يخضع لست ساعات من الجلسات أسبوعيًا. بعملية حسابية بسيطة نجد أن عدد ساعات الأسبوع 168 ساعة، يقضي منها الطفل 6 ساعات في الجلسات، ما يعني أن الطفل يقضي أكثر من 160 ساعة مع الأبوين، وهنا تتضح أهمية دور البيت في علاج وتأهيل أطفال التوحد.
مشكلة طفل التوحد
مشكلة طفل التوحد هو أنه يحب الوضع والحالة التي هو عليها -صفات التوحد- ويجد سعادة وهو يتصرف بصفته طفل توحد، لدرجة أن الدكتور أحمد عبد الخالق -اختصاصي تأهيل حالات التوحد- يشبه حالته بالمدمن، فطفل التوحد يجرب حركات التوحد وسلوكيات التوحد.
أهمية التدريب لطفل التوحد أنه ينسيه مؤقتًا صفات التوحد التي تعوَّد عليها، ويعيدنا ذلك إلى نقطة البداية، وهي عدد ساعات التدريب التي يحتاجها طفل التوحد لكي ينسى هذه العلامات أو السمات.
هل ساعة واحدة يوميًا تكفي؟ أم ساعتان؟ أم ثلاثة؟ أم 5 ساعات يوميًا من التدريب يحتاج إليها طفل التوحد؟
لنفترض أن الطفل ينام مثلًا 12 ساعة يوميًا، ماذا يفعل طفلك خلال الـ 12 ساعة الأخرى؟ إذا كان عدد ساعات الطفل التي يقضيها يقظًا في التدريب أكبر من تلك التي نتركه بمفرده فيها، فهذا هو المطلوب، ألا نترك طفل التوحد فريسة الفراغ أو الاستمتاع بتوحده.
هذا معناه أنه يتعين على الأم أن تظل مع طفلها منذ لحظة استيقاظه من النوم إلى أن يخلد إليه مجددًا في نهاية اليوم، بالتدريب على مهارات جديدة، من شأنها تنمية التواصل مع الآخرين.
عملي أم أولادي!
قد تقول إحدى الأمهات لا يمكنني فعل ذلك مع طفلي، فلديه إخوة يحتاجون أيضًا إلى رعايتي، ولديَّ مسؤوليات البيت والزوج وربما العمل. في هذه الحالة على الأم أن ترتب أولوياتها، الأهم فالمهم، وقتها فقط ستكتشف أن طفلها يكبر يومًا بعد يوم وكل يوم نقصر في التدريب معه، من شأنه أن يزيد الفجوة بينه وبين أقرانه العاديين، وهو أمر بالطبع لا تتمناه جميع الأمهات.
في إحدى الاستشارات التربوية، طلبت مني إحدى الأمهات أن أقدم لها نصائح لزيادة حصيلة طفلها ذي الخمسة أعوام من المفردات.
بالسؤال والاستفسار منها، اتضح أنها أم عاملة، تقضي معظم يومها خارج البيت، ليس هذا هو المهم في الاستشارة. النقطة الأهم التي لفتت انتباهي هي أنها تعيش حياة ميسورة، لديها زوج، وبيت وأطفال، وميسورة الحال، وعملها ليس هدفه تحسين الدخل ولكنه تحقيق الطموح الشخصي لها.
الأمور كانت واضحة جدًا لي وأن أقدم لها النصيحة العملية والحل المؤكد مئة بالمئة الذي تعرفه جيدًا، ولكنها من نوعية الأمهات التي تود سماع كلام آخر، مثل لا تتركي عملك، طموحك، مستقبلك، لا تدعيهم يقولون عنكِ إنك ربة بيت.
أمثال هذه الأم "الأنانية" للأسف موجودون بكثرة هذه الأيام، تفضِّل عملها وطموحها الشخصي حتى على أبنائها، بل وتدَّعي زورًا أن أطفالها رقم واحد في حياتها، وأنها تفعل كل ذلك من أجلهم.
لو كانت صادقة في محبتها، لما ترددت لحظة واحدة، في جعل أطفالها خيارها الأول، قبل العمل وقبل كل شيء، تخصِّص من وقتها، وتجلس معه تتحدث إليه، وتستمتع منه، تأخذ بيده إلى المطبخ، لكي تعرفه بأدوات المطبخ، وبأسماء الخضراوات والفاكهة وكل شيء يقع عليه عين طفلها.
الخلاصة
كلما كان عدد الساعات التي يقضيها طفلك في التدريب على مهارات جديدة، تتحدثين إليه، تتواصلين بصريًا معه، تغرقينه كل يوم بسيل من الأوامر التي يجب عليه تنفيذها، وإلا سيُحرم من الأشياء التي يحبها، سواء كانت قطعة حلوى، أو شوكولاتة أو غيرها.
وكلما قلَّت درجة التوحد كانت الحاجة إلى التدريب أقل، والعكس صحيح، فمستوى شدة التوحد ترتبط طرديًا بعدد ساعات التدريب يوميًا، وقد يحتاج إلى برامج تدريبية مكثفة وشاملة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.