!كم افتقد قاتلي

غيم الليل و عم السكون أرجاء المكان. في سريري أرقد، يلازمني الأرق، يؤنس وحدتي صديقي المخلص الذي لا يفارقني، انه الصداع المزمن. سابحا في سيل الأفكار الجارف، حتى تفتت عقلي. حقا إن التفكير لمرض عجز عن علاجه الأطباء. كم هي مؤلمة قصتي. عشقت الوحدة و الإنعزال، لا يسلي أوقاتي إلا حين ينطلق قلمي كاتبا معاناتي في تلك المذكرة التي تحتمل غضبي و مزاجي المتقلب. اسرح بخيالي بعيدا، فأمنح نفسي حنانا طالما افتقدت إليه فأصبحت مسخا. ما أجمل الشعور الذي أشعر به عندما أعيش في مخيلتي مبتكرا قصصا خيالية بنهايات سعيدة تشعرني بالإنتشاء التام، خلقت لنفسي حياة مزيفة بدلا من تلك الحقيقية التي فشلت في عيشها. دائما ما أكتب عن النهايات السعيدة، لكني لم أعشها قط، و اكتشفت انها كذبة أنطلت علينا لقرون طويلة. فلا وجود للنهايات السعيدة، فقط النهاية لم تأت بعد...

ناظرا إلى النافذة الضيقة، أستلقي على فراشي الأبيض، محاطا بالجدران الأربعة ذوو اللون الأزرق الذي يطفي جوا من السكينة ليخفي الفجع الذي يحتويه. قاربت الساعة على الثالثة فجرا. أفضل أن أحصل علي جلساتي العلاجية في هذا التوقيت حتى لا يسمع أحد صرخاتي المكتومة و تذمري من شدة العذاب. صمت الليل يعم أرجاء المكان. لا أسمع سوى تلك العبارات التشجيعية التي تلقيها علي ممرضتي نور، و صوت تدفق الدواء الكيميائي في الأنبوب الصغير المتصل بوريد ذراعي الأيسر. كل قطرة تندفع إلي الأنبوب هي بمثابة خطوة تقربني من التخلص من مرضي اللعين. اليوم هي الجلسة النهائية بعد أحد عشر شهرا من المعاناة. ما زال الطريق طويلا، فهناك فترة علاج طبيعي طويلة بعد انتهاء العلاج الكيماوي. لكن مما لا شك فيه أن العلاج الطبيعي أقل ألما من ذلك الدواء الذي كان يقتلني بكل قطرة تدخل جسدي الذي أصابه الوهن من شدة ما رأى.

سرحت بخيالي بعيدا حين خطر على بالي ذلك السؤال الغريب. هل الحياة وسط هذا المجتمع المتوحش أفضل من العيش منعزلا مع مرضي المقيت. في بداية الأمر، قلت أن الحياة أفضل. كنت متطلعا لكل شئ في الحياة منخدعا بألوانها الزاهية و مناظرها البراقة. لكن الكلام أسهل من الفعل

بعد مرور ٦ أشهر...

 فارقت مرضي. انطلقت إلى العالم مفعمََا بالطاقة الإيجابية. فأنا هذا الفتى ابن الست عشرة عاما الذي قضى زهرة شبابه مستلقيا على فراش المستشفى. فقابلت الناس بسذاجة واضحة. أعامل الجميع بحب صادق. و بلاهة بريئة. فوجدت عكس ما توقعت. وجدت الحياة عبارة عن تمثيلية كبيرة. تحكم علي ممثليها بلعب أحقر الأدوار ليحيوا آمنين. يصطنعون الحب و التدين و هم أقذر من الحيوانات. تيقنت أن السرطان الذي طالما كان ينهش في جسدي ليس مرضا لا يقل وحشية عن شياطين الانس المتمثلين في صورة البشر. كانت الحياة بين البشر اللعناء احقر تجربة مررت بها، فهم يتقربون منك و يتدعون حبهم لك، و يصطنعون الأحاسيس و يبدون الدعم المزيف و هم في الحقيقة مثل السرطان، يأكلون في لحمك و أنت لا تلاحظ. ينتفعون منك بشتي الطرق و حين تحتاج إليهم يختفي الجميع. كم اشتاق إلي عزلتي. هجرتها منذ ستة اشهر و كأنهم الدهر بطوله. حاولت الإنغماس بين الخلق لعلي أجد لما فيَّ شفاء، فزدت هما و حزنا من العيش في مسرحية كل ممثليها ذئاب. فرض علي التمثيل فيها بأحقر الأدوار، مدعيا السرور و الحب تجاه من أكره و أفتقد صديقي المخلص الوحيد؛ مرضي الذي طالما آنس وحدتي و ملأ علي حياتي البائسة. فهل هناك أمل في أن يعود؟

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب