كفارة الحنين: عن صراع القلب والرحيل المرّ

تناثرت الكلمات بيننا كما تتناثر أوراق الخريف حين تعجز الشجرة عن التمسك بها أكثر. لم يكن الخصام بيننا صراخًا مدويًا بقدر ما كان انكسارًا صامتًا، يشبه تصدُّع الزجاج من الداخل دون أن يُسمع له صوت. كانت العبارات تخرج من أفواهنا حادة، لكنها لم تكن موجهة لبعضنا بقدر ما كانت موجهة لجراح قديمة لم نجد لها اسمًا يومًا.

احتدم الخصام، لا لأن الخطأ كان كبيرًا، بل لأن قلوبنا كانت ممتلئة بما يكفي لتفيض من أبسط شرارة. شعرت حينها أن الهواء يضيق، وأن الغرفة التي طالما احتوت ضحكاتنا أصبحت أضيق من صدري. حاولت أن أبتلع دموعي، أن أحتفظ بها كأسرار صغيرة لا يحق لأحد أن يراها، لكن مقلتيَّ خانتاني، وثقل العبرات داخلهما كان أكبر من قدرتي على الاحتمال.

نظرت إليك نظرة الغريق، لا نظرة الغاضب. نظرة من يبحث عن طوق نجاة فيمن كان سبب غرقه وملجأه في آنٍ واحد. كان في عينيَّ سؤال لم أنطق به: «كيف صرنا هنا؟»، لكن لساني اختار طريق الكبرياء، ذلك الطريق الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من المسافات.

وحلفت بأغلظ الإيمان أنني راحلة، أنني هذه المرة لن ألتفت، أنني سأحمل قلبي وأمضي به بعيدًا عنك، كما يحمل المسافر حقيبته في محطة لا يعرف إن كان سيعود إليها. كنت أظن أن القسم يمنحني قوة، لكنه في الحقيقة كان مجرد ستار أخفي خلفه ضعفي.

تمسكت بخيالي كمن يتمسك بخشبة وسط بحر هائج. حاولت أن أبني بداخلي عالمًا لا تكون فيه، أن أقنع نفسي بأن الحياة يمكن أن تُستأنف دونك، أن القلب قابل لإعادة الترتيب، وأن الذكريات يمكن طيُّها كما تُطوى الرسائل القديمة. لكن سيل عبراتي كان أصدق من كل محاولاتي. كان جارفا، صادقًا، عنيدًا، فحملك بعيدًا في الظاهر، لكنه أبقاك مغروسًا في أعمق نقطة داخلي.

اختليت بنفسي، جلست مع صمتي كما يجلس المتهم أمام قاضٍ لا يرحم. عددت كل ما أكره، كل ما يؤلمني، كل ما أقسمت أنه لن يتكرر. ردَّدت قسمي مرة أخرى: لن أعود. قلتها وكأن التكرار سيحوِّلها إلى حقيقة، وكأن الكلمات إن قيلت كثيرًا ستقنع القلب أخيرًا.

لكنني كنت أعرف، في ركن خفي من روحي، أن بعض الأقسام لا تُحترم لأنها وُلدت في لحظة ضعف، لا في لحظة وعي.

مرَّت الأيام ثقيلة، تمشي ببطءٍ مقصود كأنها تتلذذ بتعذيبي. كل شيء كان يشبهك بطريقة ما. كوب القهوة الذي يبرد على الطاولة، الطريق الذي اعتدنا السير فيه، حتى الغروب -ذلك الغروب الذي كنا نشاهده بصمت- صار يحمل ملامحك.

كنت أهرب منك فأصطدم بك في التفاصيل. أهرب من صوتك فأجده في الأغاني. أهرب من صورتك فتطل عليَّ في وجوه العابرين. أدركت حينها أن الهروب الحقيقي ليس أن تبتعد عن شخص، بل أن تقتنع أنك لا تحتاجه… وأنا لم أكن مقتنعة بشيء.

وها أنا ذا أمامك الآن. لا أدري كيف عبرت كل تلك المسافات التي وضعتها بيننا. لا أدري كيف سقط قسمي من بين يديَّ دون أن أشعر. كل ما أعرفه أنني أقف هنا، وكل كبرياء العالم يتكدس في صدري كجدار أحتمي به من الاعتراف.

أستمع إليك، لكنك لا تتكلم. مقلتاك تتلوان ما عجزت شفاهك عن قوله. في عينيك ألف اعتذار، ألف خوف، ألف رجاء. وأدرك أن الصمت بيننا لم يعد عدوًا، بل صار لغةً خاصة لا يفهمها سوانا.

أدفع كفارة قسمي المتسرع. ليس بالدموع هذه المرة، بل بالابتسامة التي أخفيها في الزوايا. أبتسم لأنني أعرف الحقيقة التي حاولت إنكارها طويلًا: لا أقوى على البعاد. الحنين يغلبني في كل مرة، يهزمني دون معركة، يسحبني إليك كما يسحب المدُّ القارب الصغير إلى الشاطئ مهما ابتعد.

كنت أظن أن الحب قوة، ثم اكتشفت أنه ضعف جميل. ضعف يجعلك تعود رغم كبريائك، تسامح رغم جراحك، تفتح الباب الذي أغلقتَه بيديك.

فأهرب مني إليك. أترك خلفي كل النسخ المتصلبة من نفسي، كل تلك التي ادَّعت الصلابة، وأجيء كما أنا: بسيطة، خائفة، صادقة. أتركني في حضرتك، ففي قربك تسقط عني أدواري، وأعود إلى حقيقتي الأولى، تلك التي لا تعرف الحسابات ولا الأقسام.

لا مكان يحتويني ويتسع لي سوى حضنك. ليس لأنه خالٍ من الأخطاء، بل لأنه المكان الوحيد الذي أشعر فيه أن قلبي ليس غريبًا. في العالم أماكن كثيرة، لكن الطمأنينة عنوان واحد.

أنت لعنَتي في زمن لا يؤمن باللعنات، لأنني مهما حاولت الهرب أعود إليك. ومعجزتي في زمن لا توجد به معجزات؛ لأنك وحدك القادر على تهدئة الفوضى داخلي بنظرة واحدة.

تعلمت معك أن بعض العلاقات لا تُفهم بالعقل، بل تُعاش بالقلب. وأن الرجوع ليس دائمًا هزيمة، بل أحيانًا يكون شجاعة. شجاعة أن نعترف بحاجتنا، بضعفنا، بإنسانيتنا.

لم تعد كلماتي تنتهي عند الغضب كما كانت. صارت تمتد بعده، تبحث عن جسر، عن فرصة أخرى، عن مساحة صغيرة نعيد فيها ترتيب الحكاية.

وإلى هنا لا تنتهي كلماتي، بل تبدأ. لأن الحب الذي ينجو بعد العواصف لا يكون مجرد شعور، بل اختيارًا يتجدد كل يوم. اختيار أن نبقى، رغم كل شيء.

لعلها هذه المرة لا تكون خاطرة عابرة، بل اعترافًا كاملًا بأن بعض القلوب كُتبت لبعضها، مهما طال الطريق بينها، ومهما أقسمت ألا تعود… تعود.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.