كفاحي. نعم إنه عن هتلر زعيم النازية، ومن سيظل اسمه مرتبطًا على مر العصور بأنه أحد الطغاة الذي استطاع أن يصبغ حقبة من الزمن بفظائع دموية ووحشية.
ومَن منا يخفى عنه أهوال الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة ملايين البشر؟ ولكن الحقيقة أن من لا يتعلم من التاريخ، وسِيَر القادة، حتى الطغاة منهم، فقد أهمل رافدًا مهمًّا من روافد الطبيعة البشرية، يخبرنا بكثير عن البشر، وما يمكن أن يتحولوا إليه.
ومن هنا كان دافعي لقراءة كتابه عن نفسه؛ محاولةً مني لمعرفة كيف تشكَّلت تلك الشخصية الفظيعة. فعند قراءتك لما كتبه هتلر عن نفسه في الصفحات الأولى من كتابه، وكيف حكى هو عن نفسه، فإنك قد تقف موقف المتعجب. إنه من ناحية وللوهلة الأولى يبدو شابًّا عاديًّا جدًّا، قد لا يلتفت له أي شخص يتعامل معه آنذاك، ولا يمكن أن يتوقع له أحد هذا المسار الصاعد، ولكن أيضًا ومن ناحية أخرى يستقر في ذهنك دون أدنى شك أنه شخص استولت عليه فكرة واضحة رسخت في عقله، بل وعملت جوارحه بكل طاقتها لإخراج تلك الفكرة إلى الواقع.
وفي الحقيقة لا يمكن أن أنكر أني قد شعرت بكثير من الإعجاب ببدايته، وكيف استطاع أن ينتقل من حالة النكرة اللاشيء، صعودًا لقمة الحكم في ألمانيا، ومن شاب صغير لا يملك أي شيء إلى زعيم ألمانيا.
هنا تأتي قوة الفكرة. مجرد فكرة استولت على تفكير وكيان شخص تسببت في كل هذا الدمار وملايين الموتى. ومن الغريب أنه على الرغم من سوداوية الفكرة وفسادها وعنصريتها، لكنها استطاعت أن تجد لها مناصرين كثرًا، وتوهجت وانتقلت من عقل وكيان رجل واحد إلى العقل الجمعي للمجتمع الألماني في الأقل في معظمه، حتى إنها وبعد أن هُزمت النازية، ولقوة الفكرة، تناقل الناس في كل أرجاء العالم حكايات أقرب إلى الأساطير عن النازية والنازيين، في تأثير واضح في نفوس كل من عاش وشاهد نمو هذه الفكرة الفظيعة.
وقد يتساءل القارئ مستنكرًا: لماذا تناولتَ النازية بالذات، بالرغم من أن هناك كثيرًا من التجارب الإيجابية التي أفادت المجتمعات؟! في الحقيقة أن الأفكار الإيجابية من الطبيعي أن تجد لها أنصارًا ومؤيدين، وأن تحظى بانتشار وقبول من الناس. ولكن من الغريب أن تجد فكرة مثل النازية تلقى هذا الانتشار، وتجد لها مؤيدين ورواجًا، وأن تصبغ حقبة زمنية بصبغة دموية فظيعة. وهذا ما استوقفني كثيرًا.
هنا يكمن لُب الموضوع "الفكرة". فالفكرة أقوى سلاح قد يملكه البشر، وكلما استولت على تفكير ووجدان صاحبها كانت أكثر قابلية للتطبيق، واستطاعت أن تحشد المؤيدين والمناصرين لها بغض النظر عن كون الفكرة فاسدة أم صالحة. فالفكرة قد تقتل الملايين، وتمحو حضارات كاملة، وقد تُسعد وتنقذ حيوات كثيرة، وتسبب ازدهار حضارات، بل قد تنشئ حضارات من العدم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.